الأدب في مواجهة الرقمنة

لأننا لسنا أرقاماً، ولأن الدم الزكي سيظل أيقونة للأمم، نحن نكتب في مواجهة الرقمنة، وسنظل نكتب من دون خوف من جلاوزة السلاطين أو عسس الأنظمة العالمية.

  • الأدب في مواجهة الرقمنة
    عائلات في غزة مُسحت بالكامل من السجل المدني

قبل أيام، شهدت مدينة غزة أكبر جنازة في تاريخ القضية الفلسطينية، لأكثر من 112 جثة، تعود إلى عائلتي الحساينة وأبو شريعة، حيث تم انتشال هؤلاء الشهداء بعد أكثر من 1000 يوم، كانت خلالها الجثث المتحللة حبيسة تحت الأنقاض، برفقة 300 جثة أخرى لم يتم العثور عليها أو التمكن من انتشالها. فقد ناضل الدفاع المدني الفلسطيني مستميتاً في البحث عن الشهداء بأدوات متواضعة، خصوصاً بعدما دمّر الاحتلال كل الآلات والإمكانات المتعلقة برفع الركام وإطفاء الجحيم.

أمام هذا الفقد والعدد الكبير من الشهداء، توقفت وسألت نفسي: ما الذي يحدث للغة والأدب عندما يصبح الموت جماعياً إلى هذا الحد؟ هل تستطيع الكلمات أن تواكب حجم المأساة؟ وهل الرواية قادرة على احتواء هذا الحجم من الفقد؟ أم أننا بتنا مجرد أرقام لا تعني العالم شيئاً؟

ولأجل ذلك، كان لا بد من الكتابة؛ الكتابة بالصراخ، الصراخ العالي حتى تضج الأرض، وتنفجر الينابيع، وتتشقق السماوات، ويصل الصوت إلى الله والكائنات التي تعجز عن البكاء معنا أمام هذه الإبادة التي تحدث تحت أعين المجتمع الدولي والأنظمة العربية والنخب التي أتخمتنا بالمثاليات عبر أعمالها التي كشفت زيف الحروف.

كنت دائماً أقول لأصدقائي إن التاريخ يكتبه المنتصر، كما قال فالتر بنيامين سابقاً، لذلك فإن مهمتي، ومهمة غيري من الكتاب والمثقفين، هي إنقاذ ذكرى المهزومين؛ فمن يروي الحكاية إذا مات الجميع؟ من الذي يحكي قصة النزوح إذا استقر الجميع؟ من يروي ويلات الهروب من الموت وصولاً إلى حدود النار؟

ولأن عائلات في غزة مُسحت بالكامل من السجل المدني، حتى لم يعد هناك حيّ واحد من كثير من العائلات الغزاوية، صار لزاماً، أمام الصمت الرسمي العربي والعالمي الحقير، وأمام العجز الشعبي المريب، حماية الأسماء، وحماية الذاكرة، وحماية رائحة ملابس الشهداء وأنّاتهم. فإن اختفى الرواة، فنحن رواتهم، وإن اختفى الإعلام، فنحن الشاشة التي يجب أن يشاهد العالم من خلالها ما يجري حتى اللحظة. نحن كتبة التاريخ، نحن الرواة، ونحن الماضي والحاضر والمستقبل.

نحن صوت الطفل الذي قضى وهو لا يعرف معنى الموت، ونحن لا نعرف مشاعره وأحاسيسه في تلك اللحظة. نحن سعال الشاب وهو في لحظاته الأخيرة من الحياة، يتلوى لشدة الألم ويبكي من دون صوت، حتى يذوي في اختفاء تام، وحتى يصير رقماً فقط.

نحن نحيب امرأة فقدت أبناءها، ونحن مرآة كانت تجلس أمامها فتاة في ريعان شبابها لساعات من أجل التزيّن لحبيب اختفى حين ذهب إلى منطقة "النابلسي" لإحضار الطعام، ولم يعد حتى اللحظة. نحن صوت الله والشهداء.

عمد الاحتلال، خلال الأيام الأولى من حرب الإبادة على غزة، إلى استهداف أكبر قدر ممكن من الأبرياء، كي نصير أرقاماً ويتم التعامل معنا وفق هذه الآلية التي يعمل بها، بمساعدة ومباركة البروباغندا الإعلامية الرسمية الغربية، والعربية للأسف في بعض الأقطار، معتقداً أن الجميع سيستسلم لهذا المصير. وهو لا يعلم أنه يقاتل شعباً يتوق إلى الحرية والحب والجمال، شعباً لا يستسلم لكل وسائل الإرهاب والبلطجة التي ظهرت بشكل سافر خلال هذه الإبادة.

وصار لزاماً على الأدباء والشعراء والصحفيين والفلاسفة أن يعيدوا صياغة الإنسان في معناه الثوري والنضالي المباشر، الملتحم بصراع البقاء، وقد تضرّج وجهه بالأحمر القاني.

في رواية "الطاعون" لألبير كامو، تكرر الموت حتى أصبح اعتيادياً، كأن أدباء دول الاحتلال وعلماء النفس لديهم يعرفون ويتعلمون من أجل قتلنا بصمت وهدوء، حتى صار الموت هنا في غزة فاكهة الصباح، وأغنيات المساء، وأهازيج الغرقى في أسفار لم تكتشفها يد الإنسان بعد.

نحن لم نعتد الموت، نحن عرفنا به الحياة، وتشبثنا بالإيمان واليقين بوعد الله في الحرية، فقررنا أن نكتب ونغني ونمثل على مسارح الكون، لنقول إن الاحتلال إلى زوال، وإن كل أدواته لن تدوم، وحتى الاستعمار الإمبريالي سيذوي.

ولعل فوز النائبة، رشيدة طليب، في الانتخابات الأميركية التمهيدية لمجلس الشيوخ، وفوز المصري المناصر للقضية الفلسطينية، عبد الرحمن السيد، على المرشحة المناصرة لـ"دولة" الاحتلال في الانتخابات التمهيدية أيضاً، يشكلان حالة مهمة سبق أن كتب عنها كثيرون، مُفادها أن العالم بات يدرك خطر "دولة" الاحتلال التي توغل تدميراً وقتلاً في منطقة الشرق الأوسط، واستثماراً في بلدان العالم على حساب شعوبها، خصوصاً في أوروبا.

فالمواطن الغربي بات يشعر بتوغل الاحتلال حتى في أوروبا، الأمر الذي سيمهد لزوال هذا الاحتلال، غير مأسوف عليه، ومعه ستزول عروش أنظمة خانت الجين العربي، وتساوقت مع الاستعمار الذي ينهب خيراتها، وشحذت أسلحتها ضد إخوتها في القومية أو الدين.

لأننا لسنا أرقاماً، ولأن الدم الزكي سيظل أيقونة للأمم، نحن نكتب في مواجهة الرقمنة، وسنظل نكتب من دون خوف من جلاوزة السلاطين أو عسس الأنظمة العالمية. فالطفل ينتظر من يحمل عنه راية الانتصار للطفولة، والمرأة تنتظر من يصرخ باسمها في مجتمع يدّعي الديمقراطية وحقوق المرأة والحريات، رغم تجاهلهم لدماء الأطفال والنساء والشيوخ في غزة ولبنان وإيران وغيرها من بلدان العالم.

نحن لسنا أرقاماً، وسيثبت التاريخ أن هذه الكلمات ستشتعل فرحاً حين نتحرر من براثن الاستعمار الكولونيالي الإحلالي، وما ذلك على الله بعزيز.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك