إعلام الإلهاء وصناعة الغفلة
نحن لا نُستَعمر من الخارج فقط، بل من الداخل أيضاً، عبر غزو المخيال وتحويله إلى سوق مفتوحة. كم من حملة إعلانية نجحت في تحويل قيمة اجتماعية إلى سلعة؟ وكم من برنامج "واقعي" حوّل العلاقات الإنسانية إلى مسابقة استهلاكية؟
-
التحدي الراهن يكمن في مخاطبة الجمهور بلغته، وعلى منصاته، لكن بوعي نقدي يقلب الآلة على نفسها
تطفو على سطح حياتنا اليومية أسماكٌ ملونة. حراشفها الاصطناعية تلمع تحت الأضواء، تفتح أفواهها وتغلقها في حركاتٍ منتظمة، وكأنها تتكلم. نحدق فيها، مفتونين بلمعانها. وفي الأعماق، بعيداً عن الأنظار، تواصل أسماك القرش الحقيقية التهام كل ما (وَمَن) يعترض طريقها. هذه ليست مصادفة عفوية، بل هندسة دقيقة مرسومة بعناية فائقة: تحويل الدم إلى خلفية صامتة، وجعل الفتات الملون مشهداً رئيسياً.
هذه الأسماك الملونة الاصطناعية ليست سوى تلك العناوين اللامعة البراقة: "طلّقها من دون علمها"، "فستانها يخطف الأنظار"، "خلافُ نجمتين يُشعل السوشال ميديا"، "فضيحة في الكواليس"، "شاهد قبل الحذف". عناوين تُقدَّم لنا كأنها وقائع الحياة اليومية على سطح الكوكب، بينما الحياة الحقيقية تنزف في الأعماق. شاشات تقليدية ومنصات رقمية تتحول فيها التفاصيل التافهة في حياة شخصياتٍ عامة إلى "أخبار عاجلة"، بينما تركن تقارير الحروب والمجاعات والنزوح والأزمات الاقتصادية والاجتماعية في زوايا مظلمة، أو تُقدَّم لنا بالصورة التي يريدها المتسببون بها والمستثمرون في مآسيها.
من تحويل الأنظار إلى تطويع العقول
لم يعد الأمر مجردَ صرفٍ للانتباه، بل أصبح تعديلاً في تركيب الوعي نفسه. تُصمَّم هذه "الأسماك الملونة" – العناوين التافهة – لتلمع كالنيون في عتمة الوعي. كل ومضة تنسينا السابقةَ عليها، وتهيئنا للتي تليها. تتحول المأساة إلى "خبر عابر" يُذكَر بين الأخبار التافهة والإعلانات، وتُختزل القضايا المصيرية إلى هاشتاغات تظهر وتختفي كفقاعات الصابون، تماماً كما تسبح الأسماك في حوضها المغلق، منعزلةً عن محيطها الحقيقي. وهكذا، لا يعود مستغرباً أن تتحول قضية إنسانية كبرى إلى "هاشتاغ" يزول أثره خلال أيام، ليحل محله "هاشتاغ" جديد عن برنامج تلفزيوني أو طلاق ممثل أو زواج آخر.
وما من شك في أن هذه الآلية لإلهاء الناس عن متابعة قضاياهم الجوهرية، ومتابعة الأحداث المؤثرة في وقائع عيشهم، هي آلية ذكية لأنها تجعل من عملية الإلهاء سوقاً للرغبات، حيث لم تعد الشاشات تعرض سلعاً فقط، بل تخلق الفراغات التي تملؤها. كل إعلانٍ قصير بين مشهدَين تافهَين هو طلقة أخرى في حرب توظيف الرغبة البشرية. يتم تحويلنا من كائنات لها حقوق وعليها واجبات، مثلما لها أحلام وأمنيات، إلى مستهلكين لهم رغبات مصطنعة ومعلّبة. وسائل الإعلام تعمل على "تشكيل الأذواق والرغبات والأنماط الاستهلاكية"، وكأنها تسقي بذوراً للتوحش الاستهلاكي في تربة العقل الذي يُراد السيطرة عليه والتحكم فيه وتوظيفه بما يخدم السردية المهيمنة.
هنا يتحوّل الاستهلاك إلى آلة هيمنة عبر جعل تحقيق الذات مرتبطاً بسلسلة من عمليات الشراء. تصبح الهوية ما نرتديه، والذوق ما نستهلكه، والإنسانية علامةً تجارية. هذا النظام لا يحتاج إلى قيود حديدية، فهو يصنع قيوداً من رغباتنا نفسها. نحن لا نُستَعمر من الخارج فقط، بل من الداخل أيضاً، عبر غزو المخيال وتحويله إلى سوق مفتوحة. كم من حملة إعلانية نجحت في تحويل قيمة اجتماعية إلى سلعة؟ وكم من برنامج "واقعي" حول العلاقات الإنسانية إلى مسابقة استهلاكية! "قسمة ونصيب" و"نقشت" وسواها من برامج تسلّع العلاقة بين الجنسين، وتجعلها أشبه بعملية بيع وشراء في سوق نخاسة متلفز.
في الوقت نفسه، توحش الحروب والنزاعات لا يقل عن توحش الاستهلاك، وخصوصاً حين يصل هذا المسار إلى ذروته عندما تتحول القضية النبيلة أو الرمز الثوري إلى سلعة تجارية (كما فُعِل مثلاً بالصورة الأيقونية للثائر الأممي تشي غيفارا)، والمعاناة إلى محتوى، والمصير إلى منتج قابل للاستهلاك والاستبدال. نستهلك أخبار الدمار كما نستهلك حلوى ملونة، من دون أن تترك فينا أثراً أعمق من أثر السكر المؤقت. حتى التقارير الإخبارية عن الحروب صارت تُقدّم مع مؤثرات بصرية وغرافيك يلهي عن المضمون، ومع تعليقات تختزل الوضع المعقد إلى شعارات جوفاء.
يُقدّم لنا الفيلسوف الفرنسي، جان بودريار، مرآةً قاسية حين يتحدث عن "الواقع المفرط"، حيث تستبدل الصورةُ الأصلَ، وتصبح المحاكاة أكثر واقعية من الواقع. في عالمنا هذا، يصبح خبر الطلاق الترفيهي أكثر "واقعية" وقرباً منّا من خبر معاناة شعب بكامله، لأنه مغلّف ببراعة كمُنتَجٍ إعلامي مألوف. وهكذا تُقلَب المعايير: يتربع التافه على العرش، وينزوي المصيري في الظل. انظر إلى حيّز التغطية الإعلامية الذي يحصل عليه حدث ترفيهي مقابل تغطية أزمة بيئية أو علمية.
أدوات صناعة الغفلة
هذه الماكينة المتوحشة تعمل بأدوات خفية أو غير مرئية، إذ تُغرِق الميديا المتلقين بكمٍّ هائل من المعلومات التي يصعب فرزها، فتُفقَد الأولويات ويختلط الجوهريّ بالعابر، ويُحوَّل الصراع من قضية سياسية إلى "أزمة إنسانية" مجردة، أو إلى جدال بيزنطي حول تفاصيل ثانوية، ليُغيّب جوهرها. ماكينة تقدّم كل شيءٍ على قدم المساواة: كارثة بيئية، ثم نكتة، ثم إعلان، ثم خبر حربٍ، ليصبح العالم شريطاً متسارعاً من المشاهد المنفصلة.
وهنا تكمن الخطورة الأعمق: عندما يتحوّل الاهتمام بالقضايا إلى موضة مؤقتة، كأن يتحول الاهتمام بالبيئة إلى تحدٍ على السوشيال ميديا ينتهي مع نهاية الشهر، أو يصير الحديث عن الفقر حملات خيرية موسمية تُنسى بمجرد انتهائها. هذه الآلية تعمل على تسييل الأخلاق كما تُسيَّل السلع، فتصبح المبادئ استهلاكية وقابلة للاستبدال، عوض أن تكون قيماً راسخة وثابتة.
هنا، في أرضنا المحترقة بنيران الاحتلال والهيمنة والمطامع، تتجلى هذه الآلية بأبشع صورها. يتحول الكفاح لأجل حقوق شعب بكامله إلى خلفية لصراعات إعلامية. ويصبح تحويل الانتباه من مأساة إلى أخرى بسرعة مذهلة شكلاً من أشكال "السيولة"، حيث تذوب الروابط والاهتمامات، ويغدو الانشغال سريع الزوال كمنتجات السوق الاستهلاكية نفسها. ينزلق الدم بانسيابية مروعة، بينما ينزلق وعينا من مناسبة إلى أخرى، من دون أن يتمكن من التبلور حول فعل تغييري جذري.
منزلق المثقف ودوره المحوري
في هذا المشهد المعتم، يبرز دورٌ حاسم وغائب أحياناً: دور المثقف العضوي، سواء كان كاتباً أو فناناً أو إعلامياً أو صانع محتوى. لقد أصبح تحديه مضاعفاً: عليه أولاً أن يرفض أن يكون مجرد سمكة ملونة أخرى في الحوض، تلهي بجمالها الشكلي عن فقر المضمون. وعليه ثانياً، وهذا هو الأصعب، أن يتصالح مع أدوات العصر الذي يحاربه. لا يكفي أن يُشخّص الداء من برج عاجي؛ فالخطاب الذي لا يصل إلى الشاشات الصغيرة في أيدي الأجيال الجديدة هو خطاب يُكتب على الماء.
التحدي الراهن يكمن في مخاطبة الجمهور بلغته، وعلى منصاته، لكن بوعي نقدي يقلب الآلة على نفسها. أن يستخدم سرعة "التيك توك" ليصنع تأملاً، وصورة "الإنستغرام" ليُظهرَ الجمال الحقيقيّ المخفيّ تحت ركام الإعلانات، وقصيدة "التغريدة" لتحمل أبعادَ ملحمة. أن يحوّل أدوات التسطيح نفسها إلى ممرات نحو الجوهر، لكن هذا يتطلب استراتيجيات عملية كإنشاء محتوى يجمع بين الجاذبية البصرية والعمق الفكري، أو استخدام خوارزميات المنصات لنشر أفكار نقدية، وأن يتابع ويدعم المنصات والمنابر الرقمية التي تحاول تقديم محتوى ذي قيمة مضافة فكرياً وثقافياً واجتماعياً.
فعل المقاومة: ضرورة الشكّ
فعل المقاومة هنا هو فعل وعي متجدد. هو رفض أن تكون مجرد مستهلك للصورة الجاهزة. هو اختيارٌ بطيء وصعب لإعادة توجيه البوصلة الداخلية، لكن كيف نترجم هذا الرفض إلى ممارسة يومية؟
كيف؟ بأن نشكّ في كل ما نتلقاه. يقول شمس التبريزي: "أن تكون دائم الشك يعني أنك على قيد الحياة". لنسأل أنفسنا دائماً: ما الذي تحاول هذه الومضة البرّاقة إخفاءه؟ أي جمرٍ يشتعل تحت هذا الركام من الصور؟ أن نعيد اكتشاف زمن مختلف: زمن التأمل البطيء، زمن طرح علامات الاستفهام والربط بين النقاط والحلقات والأحداث، زمن قراءة الهمسات الخافتة التي يخفيها الزعيق الطافي على السطح.
وهذا يبدأ بخطوات عملية: اختيار مصادر إعلامية متنوعة والتحقق منها، تخصيص وقت يومي للقراءة المتعمقة بعيداً عن المقاطع السريعة، ممارسة "الصيام الإعلامي" المؤقت لإعادة ضبط الانتباه والتركيز، ترويج المحتوى الهادف حتى وإن كان غير شائع، تحويل النقاشات العابرة إلى حوارات جادة حول القضايا الجوهرية، إنشاء مساحات حوارية صغيرة في دوائرنا الضيقة، نتبادل فيها قراءات عميقة ونربط بين الأحداث الظاهرية وجذورها الخفية.
حينها فقط، نستطيع أن نميز بين السمكة الملونة في الحوض الزجاجي وبين قرش حقيقي قادم من الأعماق. حينها فقط، نكسر سحر الإلهاء المُعلَّب، ونتذوق - ولو لمرة - طعم العمق المُرّ المنقذ. وربما نبدأ بصناعة محتوى مختلف، ولو كان بسيطاً، يحمل في طياته ذلك السؤال المزعج الذي يفضح الآلة من داخلها: ماذا لو توقفنا للحظة؟ ماذا لو نظرنا إلى الأعماق بدلاً من السطح؟ ماذا لو اخترنا أن نكون بشراً يفكرون بدلاً من مستهلكين ينفقون ويسرفون، ونصدّق كل ما يبث إلينا وعلينا؟
هذه المقاومة اليومية هي ما يحوّلنا من مشاهدين سلبيين في حوض أسماك الإلهاء إلى غواصين يبحثون عن الحقائق في أعماق متاهات هذا العصر، وهي التي تحول تلك الأسماك الملونة من مشهد يخطف الأنظار إلى مجرد ديكور خلفي لمشهد أكبر: مشهد الوعي الذي يستيقظ، والجمر الذي لا ينطفئ.