إعادة صياغة الذات في رائعة "الثلاثية الجزائرية"
شكل هذه الرواية بداية النهاية لحقبة من التشويه والتكبيل بالسلاسل وإسقاط شفرات المقصلة على الرقاب الجزائرية العنيدة، لقد حرر الكاتب أبطاله بإعادة صياغتة أسئلتهم تجاه "الجزائري".
-
خلخلة الذّات أمام سؤال الهوية في رواية النول لمحمد ديب
نسأل دائماً عن مدى مقدرة الإنسان على النجاة من الحروب داخل الحروب نفسها، النجاة لا بأجسادهم بل بذواتهم، يدهشنا الإصرار والتحمّل للدرجة التّي يعادُ فيها كتابة التاريخ من الطرف الآخر، وحتى تحدث كلّ تلك النهايات العادلة، علينا أن نحصي الخسارات التّي حصدتها، فلولا تلك المأساة القاسية لما كانت هنالك أجيال تواصل رفضها وثورتها، ضد كل الذين يريدون تحويل أشخاص كاملي الوعي إلى مجرد أشباح مرفوضين، تبصقهم المدينة وتستضيفهم أرصفتها، ففي رائعته "النول" يركض بنا الكاتب "محمد ديب" نحو الدّاخل، على عكس "الدار الكبيرة والحريق"، نسلك الطريق الوعرة، أين تزرع أكثر البذور خباثة، بذور احتقار الذّات وفقدانها لهويتها، يحدثنا بلغته الرقيقة عن ذلك السواد الذّي ينعكس بصورة أكبر منه على الأبنية لحظة الغروب، فالسير داخل شخصيات رواية "النول" هو سير بين الجزائريين ككل، ذوات تصارع ماهية الوجود المفرط في عذابه، فثمة من يريد مغادرة الجزائر، مغادرة رتابة القسوة اليومية، وثمة من يريد أن يستردها، استرداد المكانة لذات محتقرة، وثمة من يريد أن يبقيها رهينة الأعداء، إبقاء المضمون حتى لو كان قسوة، وبين كل هذه الشخوص، يبدأ تبلور الوعي الوطني بمنحهم أصواتاً كضحايا التاريخ لينقذوا وضعهم، وينقذوا الحرية من جدلها العقيم مع التعايش.
رسخت رواية "النول" في ذاكرة الأجيال السؤال الحتمي للشخوص: من أنا؟ من أكون؟ ففي ذلك الفضاء المضغوط الذّي زحف نحو المدينة، مدينة تلمسان، طوقها بالواقعية التي تنتظرهم حيث تعرّت بكاملها أمام أنظارهم، لدرجة أنهم رفضوها بداية كمظهر مشوه، المدينة التّي ملأها المتسولون القادمون من الريف بعد أن طردوا من أرضهم وبيوتهم شكلوا بداية بقعة متعفنة تنقل العدوى إلى كل أرصفتها، بحيث لا تعود ثمة مدينة خالية من أوساخ على هيئة بشر، يغرقنا الكاتب هنا في حالة من القسوة، قسوة الجزائري على الجزائري ذاته، يقول عمر وسكان دار سبيطار "يلتقون بأولئك الأشخاص، الذّين يشبهون أن يكونوا أشباحاً، جيش من الجياع يزدحم في الشوارع والأزقة، لكأنه يشق الأرض ويخرج من أعماق مجهولة، إن رماداً بارداً قد نُثر على هذه المخلوقات التي لا هوية لها" فنعرف أنّه لا مجال للذات المسلوبة بأن تعود إلى حيزها الوجودي إلا بالضغط عليها واستفزازها بالصورة الأخيرة لحياتها الآيلة إليها على مهل منهم، فسلب الماهية يضاعف أدوات العنف للحد الذّي يجعل منها مصيراً محتوماً، والتحولات العميقة التّي تحدث للواقع تترك أثرها لا محال، سواء أكان تحول سكان المدينة إلى رهائن لحياة المستعمر، أم تحولهم إلى الوافدين الجدد، هكذا تتنامى فكرة الانتماء وإيقاظ الوعي عن طريق الاحتكاك المباشر بذوات مختلف مصيرها الآني، فالزمن وحده كفيل بأن يصير الجميع إلى أشباح فقط، كلّ ودوره.
إقرأ أيضاً: هندسة الجوع في رواية "الدار الكبيرة"
يحتاج الإنسان بعد كل محاولة محو تفقده وجوده الأصيل إلى هزّ الذّات قبل أن تفلت منه وتذهب للأبد داخل الرواية الاستعمارية، يحتاج الإنسان لأجل الحفاظ على ذاته أن يبقى داخل هويته ليتمكن من الصراع مع الآخر الضروري لنفي السردية التّي يتبناها لتدميره واحتلاله من الدّاخل عن طريق وسائل القمع الشبيهة بغسل الذّات من قيمتها، الأشخاص الذّين يطالهم احتلال كهذا يفقدون طريقة العودة، لا لأنهم أصبحوا غير مرغوب فيهم بل لإيمانهم التام بأنهم طُردوا منها فخسروا شجاعتهم داخل وهم العيش، وفي رواية محمد الديب"النول" وهي الجزء الأخير من رائعته الثلاثية "ثلاثية الجزائر" ينتقل بنا إلى صراع آخر، ليس مع الجوع ولا مع المقدرة على الحديث، بل صراع هوياتي ينبغي أن يحدث حتى تلد الثورة تامة من رحم الجزائر، أن يعرف الجميع أين يكمن الخلل تحديداً في عيش مأساة الاستعمار، هل في الجزائري نفسه أم في الفرنسي نفسه؟ فهل تُشوه الحرية فكرة الإنسان أم يشوه الإنسان حرية الفكرة؟
يصف محمد ديب في أحد مشاهده حالة الجزائري المطرود من هوية بطريقة تمكنك من استشعار تلك الجروح التي لا تزال تدمي حد اليوم، يمكنك أن تعيد صياغة هذا الحوار على داخل صراع الذوات في فلسطين، هنالك حيث تداخلت الهويات وفقد الفلسطيني حقه التام في أن يصرخ قائلاً أنا فلسطيني فحسب، لقد سُلبت منه جنسيته حتى أن أجيالاً كاملة اليوم تم تشويه المعنى فيها، يسأل ممثل السلطة الاستعمارية هؤلاء المتسولين عن أوراقهم" اتضح أنه ليس بينهم أحد يحمل أوراقاً، لا ولا فهم أحد منهم ما معنى ذلك؟ وتقرر عندئذ استجوابهم، فأجابوا بأنهم غير مستعدين لأن يروا مرة أخرى الجحيم الذّي غادروه، سنموت هنا، لماذا يعلنون هذا القرار المشؤوم؟ لم يخطر على بال عضو اللجنة أن يسأل عن هذا الأمر، وقالوا يوضحون: إنهم على كل حال يجهلون من أين أتوا" هكذا آل الكائن الجزائري ، إلى غريب عن ذاته مطرود من وطنه، بلا هوية بلا انتماء وبلا اسم حتّى، مجرد كائن فارغ من ماهيته، مسطح ومختزل وجب تصفيته، لقد تم فعلياً ممارسة إبادة بشعة، أبشع من الرمي بالرصاص، إنها إبادة هويته وإبادة إيمانه بذاته.
إقرأ ايضاً: كيف أسقط "محمد ديب" الاحتلال في رواية "الحريق"
استطاع "محمد ديب" بمهارته الأدبية أن يزعزع فينا نحن القراء تلك الرغبة في ظهور الآخر الشبيه، ذلك الذي سيعيد ترتيب المجال في قلب عالم تسوده آلية الطمس والانمحاء، دار سبيطار وسكان مدينة تلمسان كانوا بحاجة إلى تلك الأشباح التّي طردوها بموافقة ضمنية مع نظرة الاستعلاء الاستعمارية تجاههم، وعادت في إصرار لتملأ وبأعداد أكبر أرصفة المدينة، فالأسئلة التّي ظلت تتردد: من هؤلاء؟ وما هذه الكائنات؟ سرعان ما بدأت تتبدد، وتنكشف عن الجزائري جزائريتهم، يقول ممثل السلطة الاستعمارية: لسوف نطهر المدينة منهم، لابد من استئصال هذه الحشرات، إن المرء يحس لدى أي خطوة يخطوها في المدينة أنه يتعرض لأشدّ الأخطار" لكن هذه المرّة لم تكن كما في البداية، فيأتي صوت الجزائر من بعيد" ما هؤلاء إلا منا، انظروا إليهم ، إنهم مرآة تنعكس فيها صورتنا نحن، إنهم أصدق صورة لما نحن عليه" وهكذا انتهى عمر إلى الوعي بهويته التّي لطالما أرهقته، انتهى إلى "أنّ هؤلاء الناس يشبهوننا"، ومن ثم أصبحوا جزءاً من الجزائري المسلوبة منه حريته وعيشه الكريم، ضحايا أيضاً مثلهم، وتحت استيعاب هذا الفهم تحول سكان المدينة من أشخاص ينتظرون متى يتخلصون من المتسولين إلى أشخاص يقتسمون معهم خبزهم القليل، ما يفسر عجز المستعمِر عن محو المستعمَر وإنكار وجوده، وإسقاط آلية حيونة المستعمَر وإظهاره على أنه لا يشبه الإنسان، ومن ثمّ شرعنة الاضطهاد في حقه وهي نفس الآلية التّي استخدمها الكيان الإسرائيلي في تصريحاته بداية حرب أكتوبر على غزة، حينما خرج وزير دفاعها غالانت قائلاً: "إنهم مجرد حيوانات بشرية يجب إبادتهم" هكذا شرعنة أمام العالم أجمع، أحقية إنزال كل قسوتهم على الأطفال والنساء والشيوخ بقتل انتمائهم إلى الإنسان.
في الأخير شكل العمل بداية النهاية لحقبة من التشويه والتكبيل بالسلاسل وإسقاط شفرات المقصلة على الرقاب الجزائرية العنيدة، لقد حرر الكاتب أبطاله بإعادة صياغتة أسئلتهم تجاه "الجزائري"، هذا الكائن الذّي أصبح "لا يعرف ما يكون" عليه أن يتفكك من التيه والضياع والشقاء كمحاولة اجتثاثه من الاستلاب والتغريب الكولونيالي وزرعه مجدداً داخل هويته باستعادة ذاته التواقة للحرية.