"إرث مريم العائلة والملكية في بلاد الشام": كتاب يختصر قرنين ومدينتين
اعتمدت دراسة إرث مريم لـ"بشارة دوماني"، على مجموعة واسعة من المصادر التي تغطي حقبة تمتد على مدى قرنين من الزمن، يعيد من خلالها بناء حركة العائلات وكيف عالجت نقل ممتلكاتها من جيل إلى جيل آخر.
"إرث مريم العائلة والملكية في بلاد الشام"، كتاب تاريخي مرجعي يغطي من خلاله المؤلف بشارة دوماني حقبة تمتد على مدى قرنين، يعالج فيه نقل الملكية العائلية من جيل إلى جيل في مدينتين ربما تشابهتا في بعض ممارسات نقل الملكية في المنطقة الحضارية نفسها في شرق المتوسط، وتحت مظلة الحكم العثماني هما نابلس في فلسطين وطرابلس في لبنان، ما ولد لدى المؤلف سرداً تاريخياً.
غير أن السؤال المُلحّ هو: ماذا تعرف حقاً عن تاريخ الحياة العائلية؟ لأن الإفتراضات المعيارية المجحفة بشأن العائلة – المنفصلة عن سياقاتها التاريخية والمتغافلة عن التحولات، شكلت مادة خصبة للجدالات الأيديولوجية بين المدارس الفكرية الحديثة والمختلفة.
تباينات نقل الملكية
يكشف الكتاب بالاستناد إلى بحث موسع في سجلات المحكمة الشرعية، مثل الوثائق العائلية، عن فروق مناطقية جذرية وتحولات كبرى في كيفية فهم العائلة وتنظيمها وإعادة إنتاجها في بلاد الشام، ويركز خصوصاً على إعادة بناء استراتيجيات نقل الملكية ومقارنتها في مدينتي نابلس في فلسطين وطرابلس في لبنان خلال العقود الماضية من الحكم العثماني (1516 – 1918)، وقد تباينت استراتيجيات نقل الملكية تبايناً كبيراً فيما يتعلق بمكانة النساء والأطفال داخل العائلة.
ويرجع ذلك إلى اختلاف الاقتصادين في هاتين المنطقتين، على الرغم من اشتراكهما في الإطار الإمبراطوري والقانوني والديني نفسه، ومن خلال ذلك يبيّن الكتاب الكيفية التي ساهمت بها الممارسات. أما الأكثر غرابة هو مثول (مريم عنكليس) أمام المحكمة، ما تمخّض عن وثيقة هجينة تخلّ بالقواعد القانونية الثابتة والمعتمدة.
أما قضية مريم عنكليس استثنائية لأنها أصرّت على فرض رؤيتها المتمثلة في الجميع داخل وثيقة قانونية واحدة لنقل أملاكها – أي من سيحصل على ماذا ومتى (قبل أو بعد وفاتها) وبحسب أي ترتيب – الحجج التالية: إنشاء وقف وهبة وحصر إرث (تركة) ووصية وإقرار، وقد قامت بذلك من خلال اعتماد سلسلة من الخطوات المتشابكة والمتنوعة من الأملاك (المنقولة وغير المنقولة) والالتزام المالي (القروض والديون) مع آليات قانونية متعددة، وقد استهدفت كلها طبقتين من القرابة: قرابة الدم (القرابة الأبوية والأصهار والزوج والأبناء)، والقرابة الروحية (مشايخ الصوفية والعلماء)، والأهم من ذلك، أن مريم تخطّت حدود القانون من خلال دمج زمنين (قبل الوفاة وبعده)، وهو الأمر الذي يتطلب عادة خيارين قانونيين ينفي أحدهما الآخر، وإقدامها على هذا الفعل غير التقليدي بالتحديد هو ما يجعل دوافعها ونياتها ورغباتها شديدة الوضوح.
مقارنة بين نابلس وطرابلس
يدور كتاب إرث مريم حول دراسة الأوقاف في طرابلس (لبنان ) ونابلس (فلسطين) على مدى قرنين (1660 – 1860)، على فكرة أن سكان هاتين المدينتين العربيتين اللتين تقعان في المنطقة الحضرية نفسها لبلاد الشام وتحت المظلة الإمبراطورية العثمانية، سلك طريقين شديدي التباين في نقل الملكية. إذ تظهر هذه النتائج بشكل مثير للغاية لدى معاينة الطريقة التي يتم فيها إدراج أو استبعاد الإناث من نقل الملكية والأشكال المتعددة للتباين الاجتماعي في الأملاك وترسيم الحدود بين عالمي الأقارب في العائلة الزوجية (conjugal family) وبين الأقارب في العائلة الممتدة (extended family).
يستطلع الكتاب بعض الأسئلة وغيرها من خلال تاريخ مقارن للعلاقة التأسيسية المتبادلة بين الأقارب في المحكمة، من خلال التفاعلات بين الأقارب، ويركز هذا النهج المادي والخطابي على نوعين من المعاملات القانونية أو القضايا (حجج) المستدعية أمام المحكمة الشرعية وهي: الدعاوى بين الأقارب والوقف الأهلي، أو الوقف الذري وذلك لتحليلها وفق منهجين مقارنة بين نابلس وطرابلس، من منظور نقدي حيال ثنائية الساحل/الداخل التي تطغى على كتابة تاريخ شرق المتوسط،حيث يكشف المؤلف طريقة نقل الملكية مجموعة من الممارسات عن كيفية فهم العائلة وتنظيمها وإنتاجها من قوانين الميراث في الشريعة الإسلامية (علم الفرائض)، إلا أنه ينظم نقل الملكية بعد الوفاة فقط.
إلا أن السيدة مريم عنكليس قلبت المشهد، كما يكشف هذا الكتاب، الذي يقودنا إلى التركيز على الوقف العائلي والاختلاف بين نابلس وطرابلس، وبالفعل كانت الفترة الممتدة من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر العصر الذهبي للوقف العائلي في شرق المتوسط للتحكم بعلاقات ملكية طويلة الأمد بين الأقارب، وأنه في الإمكان اعتباره ميثاقاً أو دستوراً يحكم النظام الأخلاقي للقرابة.
أقسام الكتاب
الفصل الأول: يتحدث عن تاريخ العائلة والشريعة من خلال دراسة ممارسات انتقال الملكية وذلك في نوعين من المعاملات القانونية: إنشاءات الوقف العائلي والدعاوى القضائية بين الأقارب تجسيداً للمُثُل العليا للذات والعائلة، ويمكن تحليله كميثاق عائلي يحكم علاقات الملكية بين الأقارب، وكذلك النظام الأخلاقي المنظم للقرابة، كانت الدعاوى القضائية جوهرية بالنسبة إلى (إعادة) صفّ العلاقة بين الأجيال وعلاقات النوع الاجتماعي والملكية في ضوء الواقع الاقتصادي المتغير ودورات الحياة، وغيرها من الظروف.
أما الفصل الثاني فيمهّد لبقية الكتاب من خلال استكشاف التفاعل التأسيسي المتبادل للأقارب مع المحكمة، وذلك عبر قراءة دقيقة لبنية سجلات المحكمة ومضمونها وعلاقات القوة الكامنة فيها. كما يضع الفصل الثاني أكثر أنواع الوثائق تعبيراً وكشفاً في هذا الأرشيف الحي – أي القضايا بين الأقارب والإنشاءات الوقفية العائلية – في سياقها التاريخي، بحسب روابط الدم بعضهم ببعض، إما استباقاً وإما استجابة للتوترات أو الظروف غير المتوقعة، مثل الوفاة المبكرة لرب العائلة أو غياب وريث، مع طرح أسئلة محورية مثل: من رفع الدعوى على مَن؟ ومتى؟ وكيف؟ وعلى ماذا؟ ولماذا؟ ويُموضع هذا الفصل الوقف العائلي ضمن الإطار العام لنظام الوقف في العهد العثماني، محدداً الفروق الرئيسية بين أنواع الإنشاءات الوقفية في طرابلس ونابلس.
أما في الفصول الثالث والرابع والخامس فقد انصبّ التركيز على إجراء تحليل مقارن ومفصّل للوقف العائلي الذي يشكل أكثر من 98% من مجموع الأوقاف في نابلس، و75% في طرابلس، خلال الفترة 1660 – 1860، إذا اعتبرنا الوقف العائلي يضاهي ميثاقاً عائلياً أو دستوراً مصغراً لا يحكم علاقات الملكية بين الأقارب فحسب، بل يضبط أيضاً النظام الروحي - الأخلاقي لسلوك الأقرباء.
وفي الفصل الرابع يربط الادعاء بإمكانية تحليل إنشاء الوقف العائلي بوصفه فعلاً اجتماعياً تترتب عليه إسقاطات روحية وقانونية ومادية، وهذا يطرح سؤالين: من الذي أنشأ الوقفيات؟ ولماذا؟ وعلى الرغم من بعض أوجه التشابه الأساسية، فإننا نلحظ تبايناً كبيراً بين طرابلس ونابلس، في ما يخص ما يسميه الفصل، الفجوات في النوع الاجتماعي وأبناء العمومة.
ويلقي الفصل الخامس نظرة فاحصة على أنماط الأشخاص الذين يندرجون في الوقف كمستفيدين والذين يُستبعدون منه والاختلاف بين طرابلس ونابلس. فقد ركزت الأوقاف العائلية في المدينتين تقريباً على العائلة الزوجية و/أو أبناء الواقف ومع ذلك يلفت النظر إلى أن الأغلبية من الأوقاف العائلية في نابلس (أكثر من 90%) استبعدت الإناث، وفي المقابل شمل أكثر من 98% من جميع الأوقاف العائلية في طرابلس الإناث على نحو ثابت حسب الدراسة.
يقدم الفصل السادس تفسيرات للتباين في استراتيجيات نقل الملكية، ويركز معظم الفصل على الزراعة الحضرية (بساتين التوت المروية وعقود الزراعة المشتركة) في طرابلس وعلى فائض الإنتاج من الأراضي البعلية المحيطة بنابلس (شبكات التجارة والإقراض المالي).
أخيراً اعتمدت دراسة إرث مريم لـ"بشارة دوماني"، على مجموعة واسعة من المصادر التي تغطي حقبة تمتد على مدى قرنين من الزمن، يعيد من خلالها بناء حركة العائلات وكيف عالجت نقل ممتلكاتها من جيل إلى جيل آخر، ومقارنة الوقفيات العائلية والدعاوى القضائية بين الأقارب في المحاكم الشرعية في نابلس (فلسطين) وطرابلس (لبنان) ويكشف دوماني عن تباينات كبيرة في الطرق التي تم من خلالها فهم العائلة وتنظيمها وإعادة إنتاجها، وتتحدى هذه النتائج الافتراضات السائدة حول أنماط العائلة المسلمة والممارسات التاريخية للشريعة الإسلامية ومكانة المرأة في الحياة الأسرية، وتشكل المجتمعات الحديثة في المشرق العربي.
