أوتو رانك: البعد النفسي للأسطورة
جاء هذا الكتاب في إطار سلسلةٍ من الدراسات حول الأمراض العصبية والعقلية، الأمر الذي يوضح الجسر الذي بناه رانك بين الطب النفسي والدراسات الإنسانية. ولعلّه، بوصفه تلميذاً لفرويد، كان الأكثر قدرة على تحليل التشابه بين الأساطير والأحلام.
-
أوتو رانك: البعد النفسي للأسطورة
يعدّ أوتو رانك (1884-1939) واحداً من أبرز تلامذة الطبيب النمساويّ سيغموند فرويد (1856-1939) وأكثرهم إنتاجاً فكرياً. إذ كان الأكثر شهرة فيما يختصّ بتوسيع نطاق التحليل النفسي ليشمل دراسة الفن والأساطير والإبداع، لذا كان تلميذاً مقرّباً من فرويد، بيد أنه انفصل عنه لاحقاً جراء خلافات نظرية تعلقت بنشر كتابه "صدمة الميلاد" ودراسته القلق -مخالفاً فرويد- انطلاقاً من الصدمة الأولية لحظة الانفصال عن الأم عند الولادة. وقد عمل بعدها منظّراً إبداعياً ومعالجاً نفسياً، ونال مؤلفه الشهير (أسطورة ولادة البطل) (مؤسسة أبجد للترجمة والنشر 2024 ) شهرةً واسعةً بوصفه عملاً مبكّراً طُبّق فيه المنهج التحليلي النفسي على الأساطير. ذلك أنه كان من أوائل العلماء الذين استكشفوا التقارب بين الأساطير الكلاسيكية وأسرار النفس البشرية. وفيه حاول استكشاف أوجه التشابه بين الثقافات في الأساطير: كالسعي البطوليّ، وأسطورة الطوفان، وحكايات ميلاد البطل.
يشير مترجم الكتاب حسن الأسدي في المقدمة إلى مسألة بالغة الأهمية؛ وهي التفاوت بين الشرق والغرب في طريقة تصنيف المصطلحات فيما يخص الأسطورة. وفي حين أنّها لا تشترط أن تكون شعرية بقدر ما يكون شرطها الوحيد هو سرديتها لمصلحة قضايا الآلهة، إلا أن هناك خلطاً نوعاً ما بين التعريفات الغربية للأسطورة ومروياتها المشابهة. في حين أن التعريفات العربية لعناوين هذه المرويات تضع شروطاً صريحةً نستطيع من خلالها تصنيفها بطريقة أوضح وأكثر دقة، وهو ما يعزو إليه الكاتب الفارق الزمني لولادة هذا النوع من الفن الأدبي بين الشرق والغرب.
ولا بد من الإشارة إلى نشأة كتاب "أسطورة ولادة البطل" في بيئة فكرية وثقافية كانت فيها الدراسات حول الأسطورة خاضعة لتحولات جذرية. وقبل رانك، كانت الأساطير تُفسَّرُ غالباً بوصفها ظواهر طبيعية مجسّدة أو مرويات دينية بدائية، إلا أن رانك أحدث ثورةً عندما طبق مفهوم التحليل النفسي بصورة منهجية على الميثولوجيا والأدب. وقد جاء هذا العمل في إطار سلسلةٍ من الدراسات حول الأمراض العصبية والعقلية، الأمر الذي يوضح الجسر الذي بناه رانك بين الطب النفسي والدراسات الإنسانية. ولعلّه، بوصفه تلميذاً لفرويد، كان الأكثر قدرة على تحليل التشابه بين الأساطير والأحلام، مستنداً في ذلك إلى مفهوم فرويد "الحب العائلي لمرضى الأعصاب"، فكما للحلم إمكانية لتمثيل رغبة مكبوتة في اللاوعي، فإن الأسطورة أيضاً تمثّل تحقيقاً لرغبةٍ لا واعية ومدفونة. إذ تبنى الأسطورة من ذات العناصر التي يتكون منها الحلم مثل: الإزاحة، والتكثيف، والرمزية. هذا التشابه الجوهري سمح لرانك بتطبيق أدوات تحليل الأحلام على الأساطير، معتبراً التعبير الرمزي ذاته الذي هيمن على لغة الحلم يتحكّم في الوقت ذاته بالأساطير.
وسواء عبر تحليل رانك لولادة سرجون الأكدي (2279ق.م) الذي تُركَ رضيعاً في سلة وسط النهر، أو تحليل قصة ولادة النبي موسى وتبنّيه من قبل آل فرعون، نجد أنه يربط بين البطولات والصراعات النفسية للبشر حيال الموت والخلود، وأيضاً النموذجية التي ركزت على عناصر التهديد والخلاص. إلا أن تفسير الدلالة النفسية لأسطورة ولادة البطل لا يمكن أن تكتمل من دون تأكيد العلاقة مع بعض الأمراض النفسية (العقلية). كذلك فإن القراء الذين يمتلكون خلفية عن الطب النفسي، يمكن أن ينبهروا أكثر من غيرهم بتفسير الروابط بهذه الطريقة. ذلك أن أساطير الأبطال متماثلة في كثير من سماتها الأساسية مع الأفكار الوهمية للأشخاص المصابين بالذهان، أو من يعانون من أعراض الاضطهاد والعظمة أو ما يطلق عليها (البارانويا). ذلك أن منظومة الوهم لديهم، بحسب رانك، تتركّب بشكل مماثل لبطل الأسطورة، وبالتالي تشير إلى نفس الدوافع النفسية (الرومنسية العائلية العصابية) التي من الممكن تحليلها. وفي الوقت الذي تكون فيه منظومة الأوهام لشخص ما صعبة المنال بالنسبة إلى التحليل النفسي، يتكشّف ميلُ المصاب بجنون العظمة، على سبيل المثال، إلى نكران والديه الحقيقيين، بيد أنه يعتقد في الواقع أنه ابن لشخصية ملكية، في وقت يرغب أعداؤه في التمسك بوهمهم الذي يقول إنه من أصل متواضع، وذلك بأكمله لغاية إبطال ادعاءاته بالتاج أو الغنى الفاحش.
ويحدد رانك في كتابه نمطاً مشتركاً يتكرر في قصص ولادة الأبطال عبر الثقافات المختلفة، وينظر إلى تلك البنية النموذجية للبطل لا بوصفها مجرد صدفة أو تقليد أدبي، بل تعبيراً رمزياً عن صراعات نفسية عالمية. فموضوع التمرد ضد الأب هيمن على موضوع التخلي عن البطل، وبالتالي فإن ثيمة رفع مكانة الأب الثانوية إلى ملك، توازي ثيمة الخلاص. أي أن مفهوم "الحب العائلي لمن يعاني العصاب" يسمح كيف أننا، في أحلام اليقظة قبل سن البلوغ أو في السرد الأسطوري، نلتمس تجسيداً للرغبة في التخلص من الآباء الأقل احتراماً واستبدالهم بأشخاصٍ أكثر نبلاً وشهرةً، وكذلك الأمر فيما يتعلق بأسئلة الجنس، والإنجاب، والولادة. ولعل ذلك ما جعلَ أفكار رانك، على الرغم من مرور أكثر من قرنٍ على نشرها في الكتاب، لا تزال حية وتؤثر على مجالاتٍ تتجاوز التحليل النفسي والأسطوري. ربما لأن تحليل رانك يتجاوز مجرد التسلية الفكرية، ويوفر أدوات عملية يمكن استخدامها في مختلف جوانب الحياة. وعلى سبيل المثال، يمكن لخبراء التسويق اليوم تحليل رحلة "العميل" بوصفها نوعاً من رحلة "البطل" لتحسين تجربته المهنية. وبالتالي، يمكن فهم الصراعات الداخلية التي صوّرها رانك كجزء من عملية اتخاذ القرارات المهمة، ما يوضح كيف أن الأنماط الأسطورية القديمة لا تزال حية وتؤثر في سلوكنا اليومي من دون وعي منّا.
ولعل التساؤل الذي يبرز عند قراءة أوتو رانك هو إن كان عصر الأسطورة قد انتهى. وإنْ آمن الإنسان بحاجته في بداية الحضارة إلى الأسطورة لتفسير الغموض؟ وهل بعد أن كان البشر لا يملكون من ذلك الزمان سوى العين المجردة لمراقبة السماء وأفلاكها، هل ما زال اليوم في عصر التلسكوب والمحطات الفضائية عهد الأسطورة قائماً؟ هذا ما يجيب عنه رانك عندما يفسر مسألة الأسطورة من خلال بعدها النفسي، ذلك أنها تبقى حاجة اجتماعية ونفسية ملحّة، وتلجأ إليها شرائح مختلفة من المجتمع تحقيقاً لغايات متباينة قد تكون سياسية واقتصادية وحتى قومية. وهذا ما يفسّر نجاح نظرية رانك في ما يتعلق بالتحليل النفسي للأساطير والكشف عن التشابه المدهش في قصص ولادة الأبطال عبر الثقافات المختلفة وكيف أن تلك القصص لم تكن مجرد حكايات خيالية، بل انعكاساً رمزياً لصراعات نفسية وعالمية يعيشها كل فرد، وخصوصاً ما يتعلق بالانفصال عن الوالدين وتحقيق التفرد.