أميركا: حقائق ومسارات.. حتمية الانهيار

يربط زياد حافظ التحوّل من الاقتصاد الإنتاجي إلى الريعي بظواهر الهجرة الصناعية إلى الخارج، وتراكم الديون السيادية، والعجز المزمن، ويرى في "تسييل الاقتصاد" وجعله ريعياً بداية النهاية للقوة الحقيقية،.

  • أميركا: حقائق ومسارات.. حتمية الانهيار
    أميركا: حقائق ومسارات.. حتمية الانهيار

يندرج كتاب "أمريكا: حقائق ومسارات" للباحث والكاتب الاقتصادي والسياسي الدكتور زياد حافظ، الصادر عن "مركز دراسات الوحدة العربية"، ضمن أدبيات الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية، مستنداً إلى رؤية نقدية تفكك الاقتصاد وتشرّحه تشريحاً بنيوياً يخلص إلى حتمية "أفول الإمبراطورية الأميركية" من الداخل.

الجذر الاقتصادي للأزمة

ينطلق الكاتب من فرضية أساسية مفادها أن التراجع الأميركي الراهن ليس مجرد كبوة سياسية عابرة، بل هو نتيجة تحوّل بنيوي في طبيعة النظام الرأسمالي الأميركي. يرصد حافظ بدقة التحوّل التاريخي الخطير الذي بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث تخلت الولايات المتحدة عن كونها قلعة صناعية إنتاجية كبرى، لتحل محلها "المالية الريعية" واقتصاد الخدمات والاعتماد على المضاربات في "وول ستريت" (Wall Street)؛ فأميركا كانت قوة صناعية كبرى في القرن العشرين، ثم بدأت منذ السبعينيات التحوّل إلى اقتصاد مالي، واقتصاد خدمات بدلاً من الإنتاج، فتراجعت الصناعة داخل الولايات المتحدة، وانتقلت المصانع إلى الخارج، وارتفعت الديون وعجز الموازنة العامة ليصل إلى 1.78 تريليون دولار عام 2025، وكذلك ميزان الحساب الجاري إلى 1.12 تريليون دولار في العام نفسه.

ويربط زياد حافظ التحوّل من الاقتصاد الإنتاجي إلى الريعي بظواهر الهجرة الصناعية إلى الخارج، وتراكم الديون السيادية، والعجز المزمن، ويرى في "تسييل الاقتصاد" وجعله ريعياً بداية النهاية للقوة الحقيقية، حيث تحوّل الدولار من مغذٍ للنمو إلى أداة هيمنة مالية قسرية تواجه اليوم اختبارات قاسية أمام المنافسة الدولية المتصاعدة.

صعود "التكنوقراط" إلى جانب التحليل الرقمي للاقتصاد

يبرز الكاتب مفهوم "الطبقة الإدارية الجديدة"، وهي نخبة وطبقة غير منتجة تتكوّن من مديري الشركات والبنوك والمؤسسات المالية، والبيروقراطية الاقتصادية والسياسية التي استأثرت بالقرار وعزلت نفسها عن احتياجات البلاد الحقيقية؛ الأمر الذي أدى إلى تراجع الطبقة الوسطى ومزيد من التفاوت الاجتماعي الذي يسِمُ اقتصاديات الرأسمالية المعاصرة بِمِيسَمِهِ.
كما يسلط زياد حافظ الضوء على "التحول الثقافي" في الجامعات، والإعلام، والمؤسسة العسكرية، وينتقد مفاهيم التنوع، والإنصاف، والشمولية التي أسهمت في تعميق التوترات العرقية والاجتماعية.

الدولة العميقة

يحتل مفهوم "الدولة العميقة" حيزاً هاماً في فصول الكتاب؛ فهو يفكّك مكوّنات هذا الكيان الخفي وطريقة هندسته للسياسات، معتبراً أن تغوّل الدولة العميقة يسهم مباشرة في تأجيج الصراع المجتمعي ويدفع بالبلاد نحو حافة "الانفجار الداخلي" أو التفكك، ويعطل آليات عمل المؤسسات الدستورية الأميركية كالقضاء والكونغرس والعمليات الانتخابية، ويجعلها رهينة للمزاج المتغير والاستقطاب الحاد، ويفقدها قدرتها التاريخية على فض النزاعات الداخلية بالطرق السلمية والتقليدية.

الدولار كأداة قوة عالمية

يناقش الكتاب نقطة حساسة جداً تتعلق بالدولار؛ فالدولار ليس مجرد عملة وطنية محلية، وإنما أداة هيمنة عالمية عبر: النظام المالي العالمي والتجارة الدولية، والاحتياطات النقدية للدول. لكن المؤلف يشير إلى أن هذه القوة تواجه تحديات حقيقية بسبب الديون الضخمة، والمنافسة الدولية، وتغير النظام العالمي. هذه التحديات تنذر بتآكل الهيمنة تدريجياً للأسباب الآتية: تضخم الدين الأميركي، والعجز المالي والتجاري، وانتقال جزء من الإنتاج العالمي خارج أميركا، وصعود قوى اقتصادية منافسة أبرزها الصين، بالتزامن مع ظهور عالم نقدي أكثر تعددية، ونظام متعدد العملات يضم الدولار، واليورو، واليوان الصيني الذي يستند إلى قوة الاقتصاد الصيني المتعاظمة ومعدلات النمو المتزايدة.

الشعبوية كخيار

يتساءل الكاتب حول جدوى صعود الحركات الشعبوية كردة فعل جماهيرية تسعى لتصحيح المسار ومعالجة هذه المعضلة البنيوية، ليجيب بأن هذه الشعبوية الجماهيرية الحماسية تبقى قاصرة وعاجزة عن تقديم الحلول الاقتصادية لهذه الأزمة البنيوية عميقة الجذور؛ وذلك لافتقارها إلى برامج هيكلية وإستراتيجية متكاملة.

ويبقى أن كتاب "أمريكا: حقائق ومسارات" يخلص إلى تغليب مؤشرات الانهيار وحتمية تشظي الهوية والثقافة الداخلية في أميركا بلغة محايدة تعتمد الرصد الصحفي والرقمي للأحداث بأدوات التحليل الرأسمالية النقدية، بالإضافة إلى تقديم قراءة تفسيرية تفكيكية لقواعد الإنتاج التي تقوم عليها اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى.

اخترنا لك