أمريكا تعزف لحناً صهيونياً: صفحات مخفيّة من الإجرام الصهيو - أمريكي

يحاول الكتاب تتبّع الجذور التاريخية لهذا التيار منذ وصول البروتستانت المتشددين إلى أميركا في القرن السابع عشر، حين حمل بعضهم تصوّراً عن أنفسهم باعتبارهم "شعب الله المختار" الجديد، وعن أميركا باعتبارها "أرض الميعاد".

  • أمريكا تعزف لحناً صهيونياً: صفحات مخفيّة من الإجرام الصهيو-أمريكي
    أمريكا تعزف لحناً صهيونياً: صفحات مخفيّة من الإجرام الصهيو-أمريكي

ماذا لو لم تكن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب مجرد صفقة مصالح، ولا مجرد حسابات انتخابية، ولا حتى تحالفاً استراتيجياً عابراً؟ ماذا لو كان خلف هذا الدعم تاريخ طويل من العقائد الدينية والنبوءات التوراتية التي انتقلت من صفحات الكتب المقدسة إلى مكاتب الرؤساء وصناديق الاقتراع وقرارات الحروب؟

هنا تحديداً يحاول كتاب "أمريكا تعزف لحناً صهيونياً" للكاتب العراقي رشيد عبد القادر الرشيد أن يفتح باباً ظلّ طويلاً موارباً، ليبحث في الوجه الآخر للسياسة الأميركية، وفي الجذور الدينية والفكرية التي يرى المؤلف أنها أسهمت في صناعة الموقف الأميركي تجاه القضية الفلسطينية، وفي رسم سياسات دفعت أثمانها شعوب بأكملها.

هذا الكتاب هو عمل تحليلي ووثائقي. يقع الكتاب في نحو 103 صفحات، ويتوزع بين عدد من الفصول التي تتناول مواقف الرؤساء الأميركيين وتوجهاتهم الدينية والسياسية تجاه الحركة الصهيونية والقضية الفلسطينية.

ينطلق الكتاب من قراءة تاريخية وسياسية تحاول البحث في الجذور العميقة للعلاقة الأميركية بإسرائيل، بعيداً من التفسيرات التي تحصرها في المصالح السياسية والاستراتيجية أو في نفوذ اللوبي اليهودي وحده.

تتمحور الفكرة الأساسية التي يطرحها المؤلف حول اعتبار الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" نتيجة مسار ديني وفكري متجذّر في الأصولية البروتستانتية، ولا سيما التيار الإنجيلي الذي يرى في قيام دولة يهودية في فلسطين خطوة مرتبطة بنبوءات توراتية وبما يسمى "المجيء الثاني للمسيح".
ويرى المؤلف أن هذا الاعتقاد لم يبقَ في إطار ديني أو لاهوتي، بل تحوّل مع مرور الزمن إلى قوة سياسية مؤثرة في الولايات المتحدة، قادرة على التأثير في خيارات الرؤساء وصنّاع القرار، ولا سيما أن التيار الإنجيلي البروتستانتي يضمّ عشرات الملايين من الأميركيين ويشكل كتلة انتخابية ذات حضور كبير.

ويحاول الكتاب تتبّع الجذور التاريخية لهذا التيار منذ وصول البروتستانت المتشددين إلى أميركا في القرن السابع عشر، حين حمل بعضهم تصوّراً عن أنفسهم باعتبارهم "شعب الله المختار" الجديد، وعن أميركا باعتبارها "أرض الميعاد".

ومن هنا ينتقل المؤلف إلى الربط بين هذا التصور الديني وبين تعامل المستوطنين الأوروبيين مع السكان الأصليين، معتبراً أن بعض الخطابات الدينية آنذاك استند إلى الرواية التوراتية المتعلقة بمطاردة العبرانيين للكنعانيين في فلسطين، واستخدمتها لتبرير إقصاء السكان الأصليين وإبادتهم. ويورد الكتاب رقم ستة ملايين من ضحايا السكان الأصليين، ويتحدث عن تحول اصطياد الهنود إلى ما يشبه "الرياضة الشعبية" في بعض الولايات.

يحمل الكتاب عدداً من العناوين التي تكشف طبيعة القراءة التي يقدمها المؤلف للسياسة الأميركية وعلاقتها بالصهيونية.

"صفحات مخفيّة من السياسة الأميركية"

وهو العنوان الفرعي للكتاب، ويشير إلى محاولة المؤلف الكشف عن جوانب يعتبرها مخفية أو غير متداولة في السياسة الأميركية تجاه المنطقة، ويرى أن ما جرى ويجري بحق الفلسطينيين والعرب لا يمكن فصله عن مسار سياسي وفكري تراكمي تعاقبت عليه الإدارات الأميركية.

"اقتراب النبوءة المزعومة؟؟"

يتناول هذا الفصل الدور الذي لعبته النبوءات والتفسيرات التوراتية في تشكيل النظرة إلى فلسطين و"إسرائيل" لدى قطاعات من التيار البروتستانتي الأميركي. ويرى المؤلف أن هذه المعتقدات أسهمت في ربط قيام "إسرائيل" بفكرة "نهاية الزمن" و"المجيء الثاني"، إلى درجة يصبح معها الاعتراض على "إسرائيل"، في نظر المؤمنين بهذا التصور، أقرب إلى الاعتراض على إرادة إلهية.

"مواعظ الحرب الأهلية"

يتوقف الكتاب عند الدور الذي لعبه بعض التيارات البروتستانتية المتشددة في الحرب الأهلية الأميركية، وكيف جرى توظيف الدين لتبرير الحرب والعنف وإضفاء طابع "المهمة الإلهية" على الصراع.

"القس بالكستون"

يتناول المؤلف شخصية القس بالكستون، وتُنسب إليه مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، التي أصبحت لاحقاً من أكثر العبارات ارتباطاً بالفكر الصهيوني والاستيطاني.

كما يشير الكتاب إلى تقديمه نسخة من التوراة إلى تيودور هرتزل، مع وضع خطوط تحت النصوص التي تتحدث عن استعادة فلسطين.

 روزفلت

يتناول الكتاب دور الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في المرحلة التي سبقت نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا سيما ما يرتبط بمؤتمر يالطا عام 1945، ويربط بين تلك المرحلة وبين المساعي السياسية لإنشاء دولة لليهود في فلسطين.

كما يشير إلى مشروع طُرح أمام الكونغرس يتعلق بفتح أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية وتحويلها إلى "كومنولث يهودي".

ترومان

يتوقف المؤلف عند قرار الرئيس هاري ترومان الاعتراف بـ"إسرائيل" بعد إعلان قيامها بفترة قصيرة جداً، وقبل انتهاء الانتداب البريطاني بساعات.

ويورد الكتاب قولاً منسوباً إلى ترومان مفاده أنه كان مطالباً بالإجابة عن مئات الآلاف من الناخبين اليهود، في حين لم يكن هناك العدد نفسه من الناخبين العرب في الدوائر الانتخابية الأميركية، في إشارة إلى البعد الانتخابي الذي يراه المؤلف حاضراً في القرار الأميركي.

بوش الأب

يربط الكتاب بين إعلان جورج بوش الأب عن "النظام العالمي الجديد" وبين مسار السياسة الأميركية في المنطقة، ثم يتناول حرب الخليج عام 1991 ضد العراق ومؤتمر مدريد، معتبراً أن هذه المرحلة أسهمت في رسم مسار سياسي جديد في المنطقة، كان من نتائجه الدفع باتجاه تصفية القضية الفلسطينية.

بوش الابن

ينتقل الكتاب إلى عهد بوش الابن، ويربط بين الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وبين خلفيات دينية وفكرية يستند فيها المؤلف إلى بعض النصوص التوراتية.

كما يستحضر الكتاب الحصار الذي فُرض على العراق خلال سنوات طويلة، وما ترتّب عليه من نقص في الغذاء والدواء ووفاة أعداد كبيرة من الأطفال، ويربط ذلك بما يعتبره توظيفاً للنصوص الدينية في تبرير السياسات العدوانية.

ترامب

يتناول الكتاب مرحلة دونالد ترامب، ولا سيما اعترافه بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل"، وقراره نقل السفارة الأميركية إليها.

كما يشير إلى تصريحات ترامب التي تحدث فيها عن القدس باعتبارها العاصمة التي أنشأها اليهود في العصور القديمة، وإلى مواقفه الدينية والسياسية تجاه "إسرائيل" وفلسطين، معتبراً أن هذه المرحلة شكلت محطة بارزة في العلاقة بين الإدارة الأميركية والمشروع الصهيوني.

يسعى الكتاب إلى تقديم قراءة أوسع للعلاقة الأميركية بـ"إسرائيل"، رافضاً اختزالها في المصالح الاستراتيجية أو نفوذ اللوبيات، ومسلّطاً الضوء على البعد الديني والتوراتي، ولا سيما تأثير "الصهيونية البروتستانتية" في مواقف عدد من الرؤساء وصنّاع القرار. كما يحذّر من تداخل العقيدة الدينية بالسياسة، ويدعو إلى قراءة الموقف الأميركي تجاه فلسطين من خلال جذوره التاريخية والفكرية، إلى جانب حساباته السياسية المباشرة.

في النهاية، يضعنا كتاب "أمريكا تعزف لحناً صهيونياً" أمام سؤال جوهري حول الجذور الدينية والفكرية للسياسة الأميركية تجاه فلسطين، محاولاً جمع خيوط التاريخ والعقيدة والسياسة في قراءة واحدة، ليكشف كيف يمكن أن تتحول النبوءة إلى مشروع، والمعتقد إلى قرار سياسي يرسم مصائر الشعوب؛ وهنا تكمن رسالته الأبرز: إن فهم الحاضر يبدأ أحياناً من قراءة الصفحات التي أخفاها الماضي.

اخترنا لك