"وسكتت عن الكلام المباح": شهريار في المشرحة

"وسكتت عن الكلام المباح" هو أكثر من عرض مسرحي؛ إنه طقس جماعي للمواجهة. إنه دعوة إلى إعادة الاستماع إلى الصمت، وقراءة الجسد، ومساءلة الرواية السائدة.

  • من عرض
    من عرض "وسكتت عن الكلام المباح"

ماذا لو أصبحت شهرزاد جثةً صامتة، وصار شهريار هو الراوي الوحيد؟ هذا السؤال الجوهري الذي تطرحه مسرحية "وسكتت عن الكلام المباح"، لم أشاهدها في عروضها الأولى قبل أشهر، لكنها تظل إضافة متميزة إلى مشهد بيروت المسرحي، حيث تؤسس إمتاعها على صرامة الموضوع وقسوته الواقعية.

ويحسب لمسرح "دوار الشمس" في بيروت إتاحته المجال مرة أخرى لعصام بو خالد ليقدّم عمله هذا (نصاً وإخراجاً) بالتعاون مع سرمد لويس، ليس كمجرد حكاية، بل كفتح لأبواب الذاكرة الجماعية.

على طاولة تشريحٍ تتشكل إلى منصة، ثم إلى سرير، فمذبح، لا تُشرَّح الأجساد وحدها، بل كذلك الروايات المتجذرة. يتجمع المتفرجون حول جسد امرأة "صامت" (برناديت حديب) يتحول إلى لغة قائمة بذاتها، وسردٍ مرئي لقصة عنف تتخطى الفرد إلى جروح جيل بأكمله، وربما إلى أجيال.

لغة تتجاوز الحروف

لا تحتاج برناديت حديب إلى كلمات كثيرة؛ فصمتها هو الخطاب الأبلغ. جسدها الممدد ليس جموداً، بل هو فضاءٌ من التعبير. كل ارتعاشة، كل نظرة جامحة أو مستسلمة، تشكل حرفاً في خطاب بصري عن الألم والمقاومة الخفية. هذا الصمت ليس غياباً للكلام، بل هو حضورٌ كاسح لحقيقة لا تحتاج إلى زيف الكلمات. إنه الصمت الذي يسبق العاصفة أو يليها، الصمت الحامل لكل الأصوات المكبوتة. في أدائها، كما تكشف رؤيتها للشخصية، تكون كل حركة "محبوكة بدقة" لتقول ما تعجز عنه القواميس.

تُجسّد حديب المرأة المقتولة على يد طليقها، وهو مثال المعنف الذكوري، لتقدم حضوراً آسِراً يعتمد على طواعية الجسد وتعبيرات الوجه. جملتان فقط تنطق بهما قبيل النهاية، لكنهما تكفيان لتروي حكايةً ببلاغة صامتة، في إشارة إلى مجتمع لا يريد سماع أصوات المضطهدات.

تتمثل الجرأة الفكرية لهذا العمل في قلبه لدينامية الحكاية التراثية. ففي "ألف ليلة وليلة"، كانت شهرزاد هي الراوية التي أنقذت نفسها بصوتها. هنا، على هذه الخشبة، تصبح "شهرزاد" الجديدة هي الجثة الصامتة تماماً. أما "شهريار" المعاصر (يؤديه المخرج والمؤلف عصام بو خالد ببراعة تجعل الذكورة السامة حاضرة بقوة مقلقة)، فيحتل الصدارة بين الرواة. فهو من يسرد، يبرر، يراوغ، ويحاول تشريح فعلته تحت مجهر الذرائع - الغيرة، الحب المسموم، الحق المزعوم. هذا الواقع لا يكشف فقط عن آليات تبرير العنف، بل يسلط الضوء على من يملك حق رواية التاريخ، ومن يُسكت بصمته الأبدي.

تشريح اللغة: تفكيك الهوية

يتعمق العرض في تفكيك الأسس اللغوية للهوية. إنه لا يقدم خطاباً مباشراً، بل يستخدم مقصلة الشعر والرمز لتفكيك الكلمات إلى دلالاتها الأولى. كلمة "مَرَا" (امرأة) تُكسر لتصبح "مرْآة"، وكأن المرأة هي المرآة التي يرى فيها المجتمع صورته ويتأمل فيها ندوبه.

وكلمة "رَجُل" تُختزل إلى معنى "القَدَم"، في إشارة إلى أساس البنيان أو ربما الثقل الذي يدوس. حتى الأسماء الأولى تُستحضر: "آدم" يتحول إلى ترديد دميم ("دم دم دم")، وصرخة "حواء" تصبح أنيناً ("وا وا وا"). هذا التشريح اللغوي يكشف عن البنى العميقة للتفاوت، وكيف أن اللغة نفسها قد تكون حاملة لجراح التاريخ.

وتتخذ هذه الجراح أبعاداً أسطورية حين تستحضر المسرحية، كما في منشورها المرافق، أمثلة الحب الأبدي التي انتهت بكارثة: فشعلة العاطفة تحترق في قصص روميو وجولييت وقيس وليلى وعطيل وديدمونة، لتنقلب ناراً تلتهم العشاق أنفسهم.

لكن الخيط الناظم الأكثر إثارة هنا هو مصير شهرزاد، التي حوّلت حكاياتها المتتالية سيف الموت إلى أداة حياة. العرض يقلب هذه المعادلة ويطرح سؤاله الجوهري: ماذا لو أن شهرزاد قد سكتت؟ من كان سيروي قصتها وقصص الأخريات اللواتي التهمهن الصمت؟ الجواب الذي يقدمه "وسكتت عن الكلام المباح" هو أن الفن نفسه يصبح شهرزاد العصر الحديث؛ فهو الصوت الذي يروي ما سُكت عنه، والمنصة التي تمنح الجثث الصامتة حق الكلام، وتحول طاولة التشريح إلى فضاء للمواجهة والاعتراف.

من الجسد إلى الوطن

 

من هذا المنطلق،لا يقف الألم عند حدود العنف الذكوري، بل يتسع ليشمل ندوباً جماعية أعمق. يشير العرض، من خلال فصوله وتقاسيم أجساد ممثليه (شربل عون، أحمد الخطيب، علي بليبل)، إلى أن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 لم يكن حدثاً تاريخياً فقط، بل كان جرحاً نفسياً تأسيسياً ترك بصمته على تكوين جيل كامل.

هؤلاء الذين عاشوا الحرب أصبحوا، كما يقول العرض، "مصابين نفسياً بشكل أو بآخر". تلتقي هنا ندوب الجسد الأنثوي بندوب جسد الوطن، في تشريح مزدوج للعنف البنيوي والاحتلالي، الذي يولّد استعراضيات خطابية فارغة، حتى من قبل من يدّعي الدفاع عن الضحايا في نقد واضح وسخرية صريحة من المنظمات غير الحكومية التي تكتفي بالشعارات جذباً لمصادر التمويل.

المسرح كفضاء للمواجهة

يأتي هذا العمل الثري من رؤية المخرج والمؤلف عصام بو خالد، أحد أبرز وجوه المسرح في لبنان. خبرته في تحويل الجسد إلى نص روائي (كما في أعماله السابقة مثل "كارنيفوروس") تتجلى هنا بشكل مكثف. لا يقدم بو خالد وعظاً اجتماعياً، بل يخلق فناً خالصاً ومستفزاً، يتجاوز خطاب التوعية المباشر إلى فضاء فني موحٍ. التعاون مع سرمد لويس عزز هذه الرؤية، ما جعل العرض استجابة فنية عميقة لقضية اجتماعية ملحّة، تكرر عروضها لأن الجرح، كما تقول حديب، "لا ينتهي".

"وسكتت عن الكلام المباح" هو أكثر من عرض مسرحي؛ إنه طقس جماعي للمواجهة. إنه دعوة إلى إعادة الاستماع إلى الصمت، وقراءة الجسد، ومساءلة الرواية السائدة.

وكما تنتهي "ألف ليلة وليلة" بالغفران ووعد جديد، فإن هذا العرض ينهي صمته بكلمتين أخيرتين، تفتحان باب الأمل ليس في غفران مستحيل، بل في إمكانية أن نسمع، أخيراً، تلك الحكاية التي طالما سُكِت عنها.

اخترنا لك