"نرسيس الرقمي" يلتقط "السيلفي": الإنسان غارقاً في صورته

هل تعبّر ظاهرة "السيلفي" عن نرجسية مرضية؟ وكيف تحولت الصورة من أثر يحفظ الذكرى والحدث إلى أداة تصنع صورة الإنسان عن نفسه؟

صور بطعم الغرق

  • "نرسيس عند النبع"، ميكيلانجلو ميريزي دا كارافاجيو، نحو 1597 إلى 1599

يحضر نرسيس (أو نرجس/ناركيسوس) في المخيال الغربي بوصفه واحداً من أشهر النماذج الأسطورية القديمة التي جعلت الصورة مرآة للرغبة ومصيدة للذات.

في أشهر روايات الأسطورة، وهي رواية أوفيد، يرى نرسيس صورته منعكسة على سطح الماء، فيفتتن بصورة لا يستطيع امتلاكها. يتحول النظر إلى الذات إلى استحالة، ويتحول الانعكاس من وسيلة للمعرفة إلى موضوع للرغبة. 

تكمن قوة الأسطورة في أنها تضع الإنسان أمام مفارقة تأسيسية، تتمثل في أنه كلما اقترب من صورته ابتعد عن ذاته، وكلما ظن أنه عثر على نفسه في المرآة (انعكاسه على الماء) رأى في البداية كائناً آخر يشبهه، قبل أن يدرك أن موضوع رغبته ليس سوى صورته.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة "السيلفي"، أي الصورة الذاتية، بوصفها صيغة حديثة لنرسيس، مع فارق حاسم يتمثل في أن نرسيس القديم وجد صورة واحدة ولم يستطع مغادرتها، أما الإنسان الرقمي فقد أصبح يعيش داخل فائض من الصور التي ينتجها عن نفسه بصورة متواصلة.

هنا تحديداً يتغير معنى الصورة جذرياً. فقد كانت الصورة الشخصية والعائلية، بالنسبة إلى أجيال سابقة، حدثاً غالباً ما ارتبط بالندرة والاحتفال والذكرى العائلية والمناسبة التاريخية. فكثير من صور الطفولة والزواج والسفر والأب أو الأم كان يُحفظ داخل ألبوم، ويكتسب قيمته من ندرته ومن المسافة الزمنية التي تفصل لحظة التقاطه عن لحظة استعادته. إذ كانت الصورة تأتي بعد الحياة لتشهد عليها. 

لا يسأل الإنسان فقط: "كيف أرى نفسي؟"، وإنما: "كيف يراني الآخرون؟"، ثم: "كيف ينبغي أن أبدو حتى يراني الآخرون بالطريقة التي أريدها؟". تتوالد الأسئلة بعضها من بعض حتى يصبح الوجود نفسه خاضعاً لمنطق العرض والفرجة والغرق في الصور. 

أما في البيئة الرقمية، فقد أصبحت الصورة تأتي أثناء الحياة، وتدخل في تشكيل الحدث نفسه. قد يصنع الإنسان المعاصر اللحظة من أجل صورتها، أو يعيد ترتيب اللحظة حتى تصبح قابلة للتصوير، أو يختار المكان واللباس والإضاءة والحركة انطلاقاً من الصورة التي يريد إنتاجها، وفقاً لصورة متخيلة عن ذاته، قد يتوهمها أو يعشقها ولو كانت عابرة. هكذا تدخل الصورة في هندسة الحياة، وقد تفقد بذلك بعض قيمتها بوصفها أثراً للحياة ذاتها.

تكشف هذه النقلة عن تحول أنطولوجي في علاقة الإنسان بصورته. فالمسألة تتجاوز عدد الصور التي يحتفظ بها الهاتف، الذي صار مرآة متنقلة، ونهراً جارياً من الصور، وأرشيفاً شخصياً، واستوديو تصوير، ومختبراً لتعديل الملامح، ومنصة عرض، وجهازاً للمراقبة الذاتية. 

  • تدخل الصورة في هندسة الحياة وقد تفقد بذلك بعض قيمتها بوصفها أثراً للحياة ذاتها
    تدخل الصورة في هندسة الحياة وقد تفقد بذلك بعض قيمتها بوصفها أثراً للحياة ذاتها

في المقابل، فإن "السيلفي" لا يقدم وجهاً فحسب. فهو يقدم نسخة منتقاة من الشخص، خاضعة لعملية اختيار واستبعاد وتجميل وتوقيت وتوجيه. ومن ثم يصبح السؤال الجوهري: ماذا يحدث للذات عندما تصبح مطالبة باستمرار بإنتاج صورة عن نفسها؟ وهل يمكن للإنسان أن يعرف نفسه حين يقضي جزءاً متزايداً من وجوده في مراقبة صورته، وتصحيحها، ومقارنتها، وقياس استجابة الآخرين لها؟

تكمن المفارقة المعاصرة هنا؛ فالإنسان يمتلك اليوم صوراً لنفسه أكثر من أي جيل سابق، ومع ذلك قد تصبح علاقته بصورته أكثر هشاشة، لدرجة أنه قد ينسى صوره وتواريخها ومواضعها، بينما كان الأجداد يكتفون بالقليل النادر من الصور التي تحاط بهالة من الحكايات والذكريات. 

ذلك أن وفرة الصور لا تنتج بالضرورة معرفة أعمق بالذات. قد تنتج حاجة متواصلة إلى التحقق من الذات عبر الصورة. وقد يصبح الوجه الذي يظهر على الشاشة أكثر حضوراً في الوعي من الوجه الذي يعيشه الإنسان في المرآة الداخلية للخبرة. ومن هذه الزاوية، فإن مشكلة "السيلفي" لا تكمن في التصوير ذاته، وإنما في تحول الصورة من ذاكرة للوجود إلى معيار للوجود.

من صورة الذات إلى صناعة الذات بالصورة

  • يصبح
    يصبح "السيلفي" ممارسة لصناعة الهوية

يتيح لنا التحليل النفسي عند جاك لاكان مدخلاً دقيقاً لفهم هذه المسألة، خصوصاً عبر ما اقترحه من مفهوم "مرحلة المرآة". فالذات عند لاكان لا تبدأ من تطابق مكتمل مع نفسها، لكن تتشكل عبر صورة خارجية تتعرف إليها بوصفها صورة "أنا". يلتقي الطفل في المرآة بصورة تبدو أكثر انتظاماً وتماسكاً من تجربته الجسدية المباشرة، فينشأ نوع من التعرف الملتبس، أو التعرف القائم في الوقت نفسه على سوء التعرف. إذ تتعرف الذات إلى نفسها في شيء يقع خارجها. فالصورة هنا أحد الشروط التي تسمح للذات ببناء تمثلها عن نفسها، وليست نسخة بريئة أو محايدة من الذات.

يمكننا نقل هذه البنية، بحذر، إلى المجال الرقمي، حيث نغرق في بحر الصور. فالشاشة الأمامية للهاتف تقدم للإنسان صورة يستطيع تعديلها قبل عرضها على الآخرين. غير أن المرآة الرقمية تختلف عن المرآة التقليدية في جانب حاسم. إذ إن المرآة التقليدية تعكس، بينما تتيح المنظومة الرقمية إعادة الإنتاج والتحرير والاختيار والتوزيع والتلقي والقياس. 

في الأولى يكون إمكان التدخل محدوداً، أما في الثانية فالإنسان يرى نفسه، ثم يختار من بين صور متعددة صورته التي تستحق الظهور. هكذا ينتقل من سؤال "كيف أبدو؟" إلى سؤال أكثر تعقيداً: "أي نسخة مني ينبغي أن تظهر؟". 

ينقل هذا الأمر الصورة من مستوى الانعكاس إلى مستوى الإنتاج، ومن مستوى تخليد الذكرى وإنتاج معنى جمالي إلى الإكثار من صور الذات والبحث عن مزيد من الإعجابات، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا يصبح "السيلفي" ممارسة لصناعة الهوية. فالشخص لا يصور نفسه كي يرى نفسه فحسب، بل يقرر كيف يريد أن يُرى. فالخلفية، والزاوية، والمسافة، والضوء، والتعبير، والملابس، والتصفية الرقمية، وتوقيت النشر، والكلمات المرافقة للصورة، وحتى اختيار الأشخاص الذين ستصل إليهم الصورة، تدخل كلها في عملية تركيب الذات المرئية، أو "نرسيس الرقمي". 

بهذا المعنى يقترب "السيلفي" من التحليل السوسيولوجي الذي قدمه إرفنغ غوفمان في كتابه "تقديم الذات في الحياة اليومية"، حيث يرى أن التفاعل الاجتماعي يتضمن أشكالاً من "إدارة الانطباع"، إذ يقدم الفرد نفسه أمام الآخرين وفق سياقات وأدوار وتوقعات اجتماعية مختلفة. وفي هذا التصور، تشبه الحياة اليومية مسرحاً يؤدي فيه الأفراد أدواراً تتغير وفق الموقف والجمهور، سعياً إلى تشكيل انطباعات اجتماعية أو مهنية محددة.

مشكلة "السيلفي" لا تكمن في التصوير ذاته، وإنما في تحول الصورة من ذاكرة للوجود إلى معيار للوجود.

غير أن العالم الرقمي يضيف إلى مسرح غوفمان خاصية جديدة، حيث يمتد المسرح إلى فضاءات متعددة، وقد يصبح الجمهور غير محدد، فيما يكون الأداء قابلاً للحفظ وإعادة المشاهدة والتداول. 

في المسرح الاجتماعي التقليدي، ينتهي الأداء بانتهاء الموقف. أما في الشبكات الاجتماعية، فإن الأداء يمكن أن يبقى، ويتراكم، ويعاد تأويله، ويظهر أمام جمهور جديد بعد سنوات، فتتحول الذات إلى سجل من الأداءات المرئية. هكذا يصبح الحساب الشخصي نوعاً من السيرة الذاتية المتواصلة، غير أن هذه السيرة تُكتب بالصور واللقطات القصيرة والمقاطع والقصص اليومية.

ولأن الإنسان كائن ذو "هوية سردية"، تبعاً لبول ريكور، فإذا طبقنا هذا المفهوم على البيئة الرقمية، اكتسبت "القصص" الرقمية أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تقدم نموذجاً يبدو عابراً ومؤقتاً، مع أنه يؤدي وظيفة توثيقية ونفسية عميقة. 

قد يصنع الإنسان المعاصر اللحظة من أجل صورتها، أو يعيد ترتيب اللحظة حتى تصبح قابلة للتصوير، أو يختار المكان واللباس والإضاءة والحركة انطلاقاً من الصورة التي يريد إنتاجها، وفقاً لصورة متخيلة عن ذاته، قد يتوهمها أو يعشقها ولو كانت عابرة. هكذا تدخل الصورة في هندسة الحياة، وقد تفقد بذلك بعض قيمتها بوصفها أثراً للحياة ذاتها.

يعرض الإنسان فنجان قهوة، وشارعاً، ووجهاً، وسفراً، وجسداً، وكتاباً، وحفلة، وتمريناً رياضياً، ولحظة حزن أو فرح، من أجل بناء "هويته السردية" بقدر من الصور التي لا تنضب. قد تبدو هذه الأشياء عفوية، غير أن تراكمها ينتج صورة متكاملة عن الشخص. هكذا يتحول اليوم العادي إلى مادة قابلة للأرشفة، ويتحول العيش والحميمي والخاص إلى مادة قابلة للنشر. يصبح السؤال الذي يرافق التجربة أحياناً: "كيف ستبدو هذه اللحظة؟"، بدلاً من الانشغال بجمال التجربة نفسها، وهو سؤال يكشف انتقال مركز الثقل من التجربة إلى تمثيلها.

"نرسيس الرقمي": الغرق في الصور

  • وجدت دراسة عام 2015 ارتباطاً بين بعض سمات النرجسية ونشر صور
    وجدت دراسة عام 2015 ارتباطاً بين بعض سمات النرجسية ونشر صور "السيلفي" لدى الرجال

يمكن، انطلاقاً من تصور سوزان سونتاغ للتصوير، القول إن الصورة تمنحنا شعوراً بأننا نمتلك شيئاً من العالم عبر تحويله إلى صورة. 

ومع "السيلفي"، يصل هذا المنطق إلى الذات نفسها. فالإنسان يصور نفسه لكي يمتلك نسخة قابلة للحفظ والمشاركة والتداول. يصبح الشخص في الوقت نفسه مصوراً وموضوعاً للتصوير، وناظراً ومنظوراً إليه، وذاتاً وموضوعاً. واستناداً إلى بعض أفكار جون برغر عن رؤية الذات من خلال نظرة الآخرين، يمكن القول إن الإنسان الرقمي يتعلم النظر إلى نفسه من الخارج، فيراقب مظهره تبعاً للطريقة التي يتخيل أن الآخرين يرونه بها. 

وفي الثقافة الرقمية، تتسع هذه المراقبة لتصبح أكثر كثافة، فالإنسان يستطيع أن يراقب وجهه أثناء التصوير، ثم يعاين الصورة، ثم يعاين عدد الإعجابات والتعليقات والمشاهدات، ثم يقارنها بصور سابقة وبصور أشخاص آخرين. وهكذا تتحول الذات إلى موضوع مستمر للتقييم.

وفي محاكاة معاصرة للكوجيطو الديكارتي، يستحيل هذا الكوجيطو إلى عبارة: "أنا أوسيلفي إذن أنا موجود" لإلزا غودار. وجود مقرون بعدد الصور التي أصنعها عن وجهي وعن ذاتي، وما يترتب عليه من تفاعل رقمي. وقد يدفع منطق المنصات الإنسان المعاصر إلى إثبات حضوره من خلال الصورة والتفاعل الرقمي، أحياناً على حساب التأمل والخبرة الداخلية.

تدعم الأبحاث النفسية المعاصرة جزءاً من هذه القراءة. فقد وجدت دراسة منشورة عام 2015، شملت 1296 مشاركاً، ارتباطاً بين بعض سمات النرجسية ونشر صور "السيلفي" لدى الرجال، في حين كان هذا الارتباط أضعف لدى النساء.

ورأى الباحثون أن النتائج تقدم دعماً إضافياً لأهمية دافع تقديم الذات في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، من دون أن تثبت علاقة سببية بين النرجسية ونشر "السيلفي".

كما وجدت دراسة أخرى ارتباطاً بين النرجسية العظَمية، أو المتضخمة، وبعض أنماط التقاط صور "السيلفي" ونشرها والدوافع المتعلقة بتقديم الذات، بينما ارتبطت النرجسية الهشة بمشاعر سلبية أثناء التقاط "السيلفي".

يمكن قراءة "السيلفي" بوصفها صيغة حديثة لنرسيس، مع فارق حاسم يتمثل في أن نرسيس القديم وجد صورة واحدة ولم يستطع مغادرتها، أما الإنسان الرقمي فقد أصبح يعيش داخل فائض من الصور التي ينتجها عن نفسه بصورة متواصلة.

مع ذلك، ينبغي الحذر من تحويل "السيلفي" إلى علامة تشخيصية على "النرجسية المرضية". فالتقاط صورة للنفس قد يرتبط بالتواصل، وتوثيق الذاكرة، والانتماء الاجتماعي، والتعبير عن الهوية، وبناء العلاقات، إلى جانب الرغبة في الإعجاب. ومن ثم قد يكون مفهوم "النرجسية الثقافية"، في تقديرنا، أنسب لتفسير بعض جوانب الظاهرة من التشخيص السريري. فالمسألة تتعلق بثقافة تدفع الفرد إلى تقديم ذاته بوصفها مشروعاً بصرياً دائماً، أكثر مما تتعلق بأفراد يعانون بالضرورة اضطراباً في الشخصية. 

وينبغي هنا التمييز بين السمات النرجسية العامة، والنرجسية العظمية أو الهشة، واضطراب الشخصية النرجسية بوصفه تشخيصاً سريرياً. فنحن اليوم محاطون بالصور، وتدفعنا المنصات بكثافة إلى النظر والتواصل البصري، فتغدو صورنا وسيلة لتمثيلنا والمشاركة في تشكيل هويتنا.

من هذه الزاوية يمكن فهم الفارق بين الإنسان الذي كان يحتفظ بصور قليلة في ألبوم، والإنسان الذي يحتفظ بآلاف الصور في هاتفه. الأول كان ينظر إلى الصورة باعتبارها أثراً للزمن. أما الثاني فقد ينظر إليها باعتبارها مادة مستمرة لصناعة الحاضر. 

"نرسيس الرقمي" لا يغرق في صورته لأنه يحب نفسه بصورة استثنائية. قد يغرق لأنه فقد المسافة التي تسمح له برؤية الصورة بوصفها صورة. 

الأول كان يستعيد ذاته عبر الصورة، والثاني قد يعيد صناعة ذاته من خلال الصورة. تكشف المسافة بين النموذجين تحولاً في وظيفة التصوير من التذكر إلى التكوين، ومن التوثيق إلى التقديم، ومن حفظ الأثر إلى إدارة الهوية.

لذلك، فإن "نرسيس الرقمي" لا يغرق في صورته لأنه يحب نفسه بصورة استثنائية. قد يغرق لأنه فقد المسافة التي تسمح له برؤية الصورة بوصفها صورة. حين يصبح الوجه موضوعاً دائماً للمراقبة والتعديل، قد تنفصل الذات تدريجياً عن حضورها المباشر، وتبدأ في رؤية نفسها بعين جمهور متخيل. وهنا تصبح الصورة مرآة اجتماعية أكثر من كونها مرآة بصرية. لا يسأل الإنسان فقط: "كيف أرى نفسي؟"، وإنما: "كيف يراني الآخرون؟"، ثم: "كيف ينبغي أن أبدو حتى يراني الآخرون بالطريقة التي أريدها؟". 

تتوالد الأسئلة بعضها من بعض حتى يصبح الوجود نفسه خاضعاً لمنطق العرض والفرجة والغرق في الصور.

اخترنا لك