"مع وطننا ضد العالم".. كيف يرى معارضون إيرانيون العدوان على بلادهم؟
في حين يرقص بعض المعارضين الإيرانيين خارج بلادهم على وقع العدوان، يخرج آخرون بمواقف داعمة لإيران في مواجهة الولايات المتحدة و"إسرائيل". من هم؟ وماذا قالوا؟
ليس قليلاً عدد المعارضين الذين انتظروا وينتظرون سقوط إيران. أولئك المنظّرون من بعيد، إما جهلاً بماهية النظام الإسلامي في إيران، وفرادة نموذجه، الذي يميّزه عن غيره من أشكال النظم المعروفة في العالمين الغربي والشرقي، أو مكابرةً تمنعهم من الإقرار بأنّ بلادهم استطاعت أن تقدّم اليوم نموذجاً حضارياً قادراً على تقويض المركزية الغربية وقلب موازين القوى في العالم.
قد يبدو أنّ شريحة واسعة من المعارضة الإيرانية في الخارج، هي اليوم من المناصرين للحرب الإسرائيلية – الأميركية على بلادهم. غير أنّ الأسابيع الماضية، أظهرت على العكس، بأنّ في الاغتراب شخصيات ثقافية وفنية إيرانية سجّلت موقفاً داعماً لوطنها في محنته التي يمرّ بها.
لعلّ الأمر ليس مثيراً للاستغراب، فهو عهد القومية الفارسية التي تؤدّي هنا دوراً محموداً، حيث لا يروق للإيراني أن يقف ضد أبناء بلده عند الاستحقاق. ويبدو أنّ تلك المواقف كثيراً ما ترتبط بمستوى الوعي والثقافة والمطالعة الواسعة والعميقة للواقع الإيراني منذ لحظة انتصار الثورة وحتى الساعة.
فريبا هشترودي: شعبي هو الذي يُقتل
-
فريبا هشترودي: ما إن تتوقّف الحرب سأعود إلى إيران
هكذا، كان من اللافت الموقف الداعم لإيران، الذي سجّلته فريبا هشترودي، الصحافية والروائية الإيرانية المقيمة في فرنسا، وهي ابنة أحد أهم علماء الرياضيات في تاريخ إيران الحديث، الدكتور محسن هشترودي.
فريبا هاشترودي #FaribaHachtroudi صحافية وروائية إيرانية تعيش في #فرنسا.
— Pierre Abi-Saab (@PierreABISAAB) March 14, 2026
إنها ابنة محسن هاشترودي، أحد أهم علماء الرياضيات في تاريخ إيران الحديث. تمثّل صوت المعارضة الليبرالية العلمانية للنظام الإيراني في المنفى.
مداخلتها الحديثة العهد على محطة فرنسية، تكتسب قيمتها من كونها… pic.twitter.com/lARJlQsdnS
تمثّل هشترودي صوت المعارضة الليبرالية العلمانية للنظام الإيراني، وقد خرجت عبر إحدى المحطات التلفزيونية، في غضب وحزن واضحين، لتقول منفعلة: "إنّ شعبي هو الذي يُقتل، ما إن تتوقّف الحرب سأعود إلى إيران. فمكاني هناك بين أهلي وشعبي". وتصدّت في كلامها لخطاب دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو الذي يدّعي بأنّ هدف هذه الحرب إنما هو "تحرير الشعب الإيراني".
أظهرت الأسابيع الماضية أن شخصيات ثقافية وفنية إيرانية في الخارج سجّلت مواقف داعمة لوطنها، رغم اختلافها مع النظام، في لحظة التهديد الخارجي.
ومن أبرز ما جاء في كلامها: هذه "الرؤية الخلاصية" التي تجعل نتنياهو يعتقد أنه يحمي "إسرائيل" من خلال "استئصال حزب الله"، وإبادة غزة، و"تفجير إيران من الداخل"، هي أكثر من حماقة: إنه بصدد جرّ العالم إلى حرب عالمية! إنّ نقطة ضعف الجمهورية الإسلامية، هي شعبها. فماذا تنفع القنابل الأميركية والإسرائيلية؟ يا سيدي، لا يمكن تحرير بلد بالقنابل! إنها مسألة تتعلّق بمصير 80 مليون إيراني. كنا نتوقّع من "أكبر ديمقراطية في العالم" أفضل من ذلك! قادة إيران هدّدوا أنهم سيجرّون العالم إلى حريق شامل لو تمّ الاعتداء عليهم. كان يجب التفكير مرتين قبل تدمير بلدي، ووضع شعبي في هذا الموقف بحجة "إنقاذه". لا أسمح لكم بالقول إني أدافع عن "نظام الملالي"! مواقفي المعارضة كلّفتني ثمناً باهظاً. لكن صدقوني، بمجرّد أن تتوقّف القنابل، سأعود إلى إيران. مكاني هناك، وسط هؤلاء الشباب الذين يقتلون... عذراً، لكن لا تقولوا إنكم تريدون "تحرير شعبي". قولوا إنكم تريدون وضع يدكم على نفط الشرق الأوسط، حينها سأفهمكم... إنهم يدمّرون الآن محطات تحلية المياه، يدمّرون كلّ البنى التحتية... الإيرانيون ليسوا مغفلين!".
عبد الكريم سروش: الزموا حدكم أيها القَتَلة والناهبون!
-
عبد الكريم سروش: من المؤسف أن يتدخّل نتنياهو فالإيراني يحلّ مشكلاته لوحده
ليس غريباً أن يسجّل الفيلسوف الإيراني والمثقّف الكلي المعاصر، عبد الكريم سروش، موقفاً مماثلاً دفاعاً عن أهله ووطنه. ففي عدوان الــ 12 يوماً، خاطب سروش المعارضة الإيرانية قائلاً لها بالحرف: "إنّ نتنياهو لن يحرّركم! معيباً على المعارضين الإيرانيين تأييدهم وتهليلهم للعدوان الإسرائيلي على إيران"، واصفاً إياهم بالذين "لا يحملون من الهوية الإيرانية إلا اسمها، بينما هم إسرائيليون في الواقع".
اليوم، عاد سروش إلى الضوء منذ بدء التهديدات الإسرائيلية لإيران، ليسجّل موقفه الثابت الرافض للعدوان مخاطباً الإسرائيليين بالقول: "الزموا حدّكم أيها القتلة والناهبون! سنحلّ مشكلاتنا بأنفسنا".
وأضاف: "في إيران نرى أنّ ارتفاع الأسعار يدفع الناس إلى الشارع وبالطبع، يسعدني أنّ السلطات تمارس ضبط النفس إلى حدّ كبير وكما صرّحت، تستمع إلى أصوات المتظاهرين ولا تلجأ إلى التعامل المسلح، لكنّ الأهمّ معالجة سوء الإدارة".
وقال إنّ: "من المؤسف أن يتدخّل رئيس الوزراء الإسرائيلي. فالإيراني يحلّ مشكلاته لوحده. يجب توجيه ضربة قوية لهؤلاء. لا أدري كيف يقولون هذا بعد أن هاجموا إيران، وما زالوا يعتقدون أنّ بإمكانهم خداع الشعب، فلماذا تسلّحون بعضهم؟".
محسن جاووشي وبارديس أحمدية: مع بلادنا ضد العالم
-
بارديس أحمدية خلال زيارة إلى مقر للهلال الأحمر الإيراني
وبينما اختار بعض الفنانين داخل إيران التزام الصمت، وفضّل البعض الآخر من المعارضة في المهجر أن يعرب عن سعادته، فرأينا بعض الإعلاميين يبتهجون ويبدون فرحتهم باستشهاد السيد علي الخامنئي، خرجت باقة من الممثّلين الإيرانيين والموسيقيين للتعبير عن سخطهم ليس فقط إزاء العدوان، وإنما إزاء التزام بعض أبناء وطنهم موقف الحياد أو الابتهاج لسيل الدماء الذي أراقته يد العدوان.
لا يمكن تحرير بلد بالقنابل، فالقضية تتعلق بمصير شعب كامل، ولا يجوز تدمير البنى التحتية وقتل المدنيين تحت ذريعة “التحرير".
من هؤلاء، برز مغنّي البوب، محسن جاووشي، بأغنيته "حسبي الله"، التي امتزجت في مشاهدها صور الدماء والتظاهرات المساندة لإيران مقابل الصمت المريب للبعض، والذي عبّر عنه جاووشي بأنّ وصفه "قلة أدب ونجاسة الموقف".
إقرأ أيضاً: لماذا يستعيد الإيرانيون اليوم سيمفونية "ملحمة خرمشهر"؟
وكذلك الممثلة الإيرانية، بارديس أحمدية (1992)، التي زارت أفراد الهلال الأحمر الإيراني في لحظة حلول رأس السنة، دعماً لهم ولإيران، وأظهرتها مقاطع فيديو وهي تهتف مع المسعفين "الموت لأميركا.. الموت لإسرائيل"، وتتحدّث باكية عن تضحيات الإيرانيين دفاعاً عن وطنهم.
هكذا اتّحدت من جديد أصوات المعارضة الإيرانية على اختلاف معارضتها كمّاً ونوعاً، في الدفاع عن الحرية والوحدة الوطنية والسيادة.
حميد دباشي: إنهم يواجهون الروح التي لا تقهر لحضارة قديمة واعية بذكرياتها
-
حميد دباشي: "إسرائيل" اليوم تواجه الروح التي لا تقهر لحضارة قديمة واعية بذكرياتها
وفي هذا الإطار، صرّح الأكاديمي الإيراني الأميركي، حميد دباشي، وهو أستاذ الدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، بأنّ العدوان الإسرائيلي على إيران "ما هو إلا محاولة إسرائيلية لتشتيت الانتباه عن الإبادة الفلسطينية".
وقال بشكل صريح إنّ: "إسرائيل اليوم تواجه الروح التي لا تقهر لحضارة قديمة واعية بذكرياتها منذ غزو الإسكندر، وإنّ هذه الخطوة الدنيئة، ستغيّر وجه المنطقة تماماً في الاتجاه المعاكس لما خطّط له الكيان الصهيوني".
وأشاد دباشي بالردّ الإيراني، معبّراً أنّ بلاده "كانت تستعدّ لهذا اليوم منذ زمن بعيد، وسيضربون الإسرائيلي بكلّ ما أوتوا من قوة".
صراعنا مع النظام هو صراع داخلي بين أبناء البلد، لكنه لا يلغي واجب الدفاع عن الوطن ووحدة أراضيه في مواجهة العدوان الخارجي.
ويصف دباشي "إسرائيل" بأنها "مستودع عسكري مرفوع عليه علم لا أكثر، عملهم التخطيط للقتل والتجسس والإبادة".
ويضيف دباشي: "انضممت اليوم إلى لائحة من كبار المثقفين الإيرانيين المعارضين المقيمين داخل إيران أو خارجها، موقعين على وثيقة دعم واضحة لا لبس فيها للدفاع عن وحدة أراضي وطننا. إنّ خلافنا الجوهري مع النظام الحاكم لا علاقة له إطلاقاً بالدفاع عن وطننا والإدانة المدوية للصهاينة المجرمين. صراعنا هو صراع داخلي بين إخوة وأخوات ذوي رؤى مختلفة لبلدنا".
