"مربط الفرس".. تشريح للواقع اللبناني

إنّ أكثر ما ميّز "مربط الفرس" هو القدرة على التحوّل من النقد اللاذع إلى بثّ الأمل. يستند إلى حقيقة ميدانية واحدة: "ما دام هناك من يحمي الحدود، فالعودة حتميّة"

  • محمد دايخ وحسين قاووق في لقطة من
    محمد دايخ وحسين قاووق في لقطة من "مربط الفرس"

من غرفة صغيرة وكادر ضيّق، وتمويل ذاتي، خاض المخرج اللبناني، محمد دايخ، بأسلوب ساخر يضع الإصبع على الجرح ، إلى جانب حسين قاووق ومحمد عبدو وحسين الدايخ، معركة الوعي وتصويب البوصلة، عبر ثلاثية قصيرة بعنوان "مربط الفرس" في إطار التعبير عن الأفكار والواقع في لبنان وفي محاولة تقريب وجهات النظر بين أبناء البلد الواحد، كما عبّر عنها الدايخ على حسابه على "إنستغرام".

ومن كلمة "مقاوم" لأنه يعيش في بلد مليء بالأزمات والاختلافات إلى أخرى "مقاوم" بالسلاح للدفاع عن الأرض والكرامة، تبدأ الحلقة الأولى من "استكانة الشاي" مع "المُهجّر" الذي يبحث عن مكان يأوي إليه.

يخرج الدايخ في حوار لا يهدف إلى السخرية أو الإضحاك كما حصل في "مرحبا دولة"، بل كوميديا سوداء ومؤلمة تناقش تهميش أصحاب الأرض ورحلة النزوح والتهجير التي يعيشونها بين بيوت الناس والمدارس وتحت رحمة المساعدات، وبالطبع ليس تأقلماً مع الذلّ والهزيمة. هو وجع يتكلّم بلهجة جنوبية يبحث عن يد حانية من ابن الوطن نفسه. 

في الحلقة الثانية، استخدم العمل سلاح الكلمة بجرأة في رفض السلام والاستسلام مع "إسرائيل"، وبيّن أنّ خيار الهشاشة في التنصّل عن المسؤولية لا يحمي الأرض ولا يصون الكرامة بل يجعلها عرضة للانتهاك.

الحوار كان سريعاً ومشحوناً في البحث عن المنطقية والإقناع والفكرة بين جانبين، الأول لا يريد أن يستوعب طريق المقاومة متكئاً على "مصلحة البلد" والدولة تحت عنوان: "لست مضطراً لأموت من أجل الآخر"، والثاني يضع الأدلة لمسار هذا الطريق في الحفاظ على الأرض ورفض كلّ مسمّيات الطائفية والتفرقة ومواجهة العدو.. حوار انتهى في النهاية بالاتفاق على الاختلاف.

بلغ العمل ذروته في نقد السلطة المتقاعسة في الحلقة الثالثة، صوّر دايخ الدولة بصورة "الغائب الحاضر" الذي تخلّى عن واجباته وترك شعبه يواجه مصيره وحيداً. ومن خلال عبارات لاذعة، وُصف هذا التقاعس بأنه الوجه الآخر للهزيمة، حيث ترك الجيش وحيداً بلا دور أو سلاح في المواجهة، وشُيطنت المقاومة على أنها مجموعة خارجة عن القانون. 

إنّ أكثر ما ميّز "مربط الفرس" هو القدرة على التحوّل من النقد اللاذع إلى بثّ الأمل. يستند إلى حقيقة ميدانية واحدة: "ما دام هناك من يحمي الحدود، فالعودة حتمية". هي معادلة بسيطة يفهمها ابن الجنوب اللبناني جيداً، فالـ "السطيحة والزراريع" أهداف تستحقّ الصمود.

نجح فريق العمل بالتزامن مع الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان في توجيه رسالة واضحة تقول: إنّ الفنّ الحقيقي هو الذي يولد من رحم المعاناة ليكون صوتاً للمهمّشين، وسداً منيعاً أمام سرديات الاستسلام وليس ذلك الذي يعيش في ترف الأوهام.

اخترنا لك