"قيامة" بشار الحروب: الفن مواجهةً للإبادة
بعد 3 سنوات على حرب الإبادة في غزة، كيف يجعل الفنان الفلسطيني بشار الحروب من "القيامة" فعلاً ضد المحو، ومن اللون الأحمر إعلاناً عن حياة ترفض الغياب؟
يشكّل مفهوم "القيامة" صيغة فلسفية عميقة تتجاوز حمولتها اللاهوتية المباشرة. فهو يحيل إلى حركة يُنفى فيها الشيء ثم يُعاد توليده في مستوى أرقى، من دون أن يفقد آثار حالته السابقة أو تناقضاتها.
القيامة، بهذا المعنى، لا تمحو الموت، بل تتجاوزه محتفظةً بجرحه، لأن الحياة الجديدة تفقد ثقلها إن انقطعت عن أثر الفناء الذي سبقها. غير أن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً حين تتكاثر الكوارث وتتوالى الهزائم، إلى حد لا تترك فيه للإنسان مساحةً للنهوض.
عندها يغدو التاريخ، كما رآه، والتر بنيامين، في قراءته لوحة بول كلي "Angelus Novus"، كارثةً واحدة متصلة تتراكم أنقاضها أمام قدمي ملاك عاجز عن لملمة ما تهشّم.
-
الفنان الفلسطيني بشار الحروب
في هذه المساحة التأملية والفكرية يتحرك مشروع "القيامة" للفنان الفلسطيني، بشار الحروب، المعروض في قاعة P21 في العاصمة البريطانية لندن. لا يواجه الحروب الركام بالتأبين أو الصمت، بل بفعل الخلق نفسه، بوصفه موقفاً وجودياً يجادل ضد الزوال.
من هنا يؤسس المعرض ما يمكن تسميته "جماليات الحضور المقاوم"، إذ يصبح الفعل الجمالي، في مواجهة الإبادة، شكلاً جذرياً من أشكال المقاومة الوجودية، لأنه يفرض الاعتراف بالحياة المحاصرة وبأثرها الدائم قبل أن تحوّلها السلطة إلى أرقام أو رماد.
صورة تقاوم المحو
-
من معرض "قيامة" لبشار الحروب في لندن
يتألف المشروع من 15 لوحة ديستوبية أنجزها الحروب في أعقاب حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة في الـ8 من تشرين الأول/أكتوبر 2023، التي أعادت رسم الوجع الفلسطيني بحدة وجدانية غير مألوفة.
تراوح الأعمال بين أحجام هائلة، منها لوحة تبلغ 304 × 200 سنتيمتر، وأخرى أكثر حميمية، غير أن جميعها يقوم على لغة بصرية صارمة ومقتصدة. فالأسود يبني فضاء الخراب المعماري ويعيد تشكيل المشهد الغزّي المدمّر، والأبيض يتسرّب من الشقوق كذاكرة ترفض الموت، فيما يحتل الأحمر مواضع كائنات حية وميثولوجية: حصان، طفل، شاب، حمار، ملاك ساقط، ومسيح مصلوب ممدّد على الأرض.
في المقابل، يغيب الأخضر، بما يحمله من دلالات الحياة والنماء والأمل في المخيال الفلسطيني. وليس هذا الغياب محايداً، بل يشير إلى الأرض الخصبة المفقودة، والزيتون المقتلع، والأمان الغائب الذي يسمح للبذرة بأن تنمو من دون أن تُقصف.
لا يعرض بشار الحروب الجثة بوصفها صدمة بصرية جاهزة، ولا ينسحب إلى صمت فني مريح، بل يكشف ما يبقى بعد الإبادة: إنساناً يواصل الوقوف وسط الركام، ومدينةً يبتلعها الخراب، وحياةً تقاوم التحول إلى رماد كامل.
وتستند هذه اللغة إلى تقليدين بصريين متداخلين: التعبيرية المرتبطة بفن الاحتجاج السياسي في اختزالها ومباشرتها، وفنون الحفر والطباعة التي أنتجت صوراً قابلة للتداول في السياقات النضالية. لكن الحروب يتجاوزهما معاً، فيحوّل اللوحة إلى بيان سياسي مشبع بقلق وجودي عميق.
لا تستمد الصورة قوتها من محاكاة الواقع حرفياً، بل من قدرتها على مقاومة الاستهلاك البصري السريع. ففي زمن تتكاثر فيه صور الدمار حتى تكاد تفقد قدرتها على إحداث الصدمة، يرفض الحروب تقديم انسجام جمالي يخفف من قسوة الكارثة. ينشأ الجمال هنا من صلب العدم نفسه: السواد كثيف وثقيل كمدينة مدمّرة تحاصر ما تبقّى من الحياة، والأحمر ليس أملاً سهلاً أو وعداً متفائلاً، بل الأثر الأخير للحياة بعد فقدان كل ما يحميها أو يمنحها معنى ثابتاً.
تبدو لوحات الحروب أشبه بتطريز فلسطيني مكبّر، صنعته يد واحدة لكنه يحمل تاريخ أيد كثيرة. إنها تعيد كتابة التجربة الجسدية في مواجهة الإمحاء، وتحول الذاكرة من أثر مهدد بالغياب إلى حضور بصري دائم.
لهذا تنطلق المواجهة من الاعتراف بصعوبة تمثيل الكارثة، من دون الوقوع في تواطؤ جديد مع محوها. ذلك أن ترك المأساة خارج الصورة يدفعها إلى منطقة اللامرئي ويعفي المتلقي من مسؤولية النظر. لذلك تصبح الصورة ضرورة أخلاقية، لا مجرد أداة تمثيل.
لا يعرض الحروب الجثة بوصفها صدمة جاهزة، ولا ينسحب إلى صمت فني مريح، بل يكشف ما يبقى بعد الإبادة: إنسان يواصل الوقوف وسط الركام، ومدينة يبتلعها الخراب، وحياة تقاوم التحول إلى رماد كامل، ودبابة تواجه الناظر مباشرة. كأن "يوم القيامة" ينتقل من الزمن الأخروي إلى حاضرنا، فيتحول العمل إلى سردية بصرية ضد النسيان وذاكرة تصرخ في الزمان والمكان.
الذاكرة من الخاص إلى الكوني
-
من معرض "قيامة" لبشار الحروب في لندن
ترتبط أعمال الحروب بالذاكرة الجمعية الفلسطينية، وتستحضر أحد أكثر أشكالها الثقافية صموداً: التطريز. فلم يكن التطريز الفلسطيني زينة خالصة، بل أرشيفاً مادياً للهوية ولغةً مرئية تُكتب بالإبرة والخيط حين تُصادر الكتب وتُباد الأحياء.
وبعد نكبة 1948، صار في مخيمات اللجوء وعاءً للقرية المفقودة، يحمل أسماءها وألوان أزهارها وهندسة حقولها في زخارف الثوب. ومن هذا المنظور، تبدو لوحات الحروب أشبه بتطريز مكبّر، صنعته يد واحدة لكنه يحمل تاريخ أيدٍ كثيرة، ويعيد كتابة التجربة الجسدية في مواجهة الإمحاء.
يفتح هذا البعد سؤالاً أخلاقياً وسياسياً: ما الذي يجعل حياةً ما قابلة للرؤية ومستحقة للحداد، فيما تبقى حياة أخرى في النقطة العمياء للضمير الغربي؟
يدفعنا المعرض إلى الوقوف أمام الضحية بوصفها كائناً يستحق الحياة، لا رقماً في سجل العابرين. ويتجسد ذلك خصوصاً في صورة المسيح المصلوب المندمج مع الكارثة، المنتظر قيامه لا لإنهاء العالم، بل لإدانة الطرق التي يُدمّر بها هذا العالم. لا تظهر الدماء على جسده، لأن الفضاء كله ملطخ بالأحمر. هنا يصبح اللون فعلاً إلزامياً للرؤية، وتغدو الأطر البصرية ذات أثر أخلاقي وسياسي، لأنها تحدد ما يمكن أن يظهر وما يُراد له أن يبقى محجوباً.
إذا كان ملاك التاريخ عند بنيامين مشلول الجناحين أمام الكارثة، فإن كائنات الحروب تصر على الحضور، وعلى أن تُرى، وعلى أن تغيّر رؤيتها شيئاً في بنية العالم الأخلاقية. فالقيامة هنا ليست وعداً بالخلاص، بل فعلاً من أفعال المقاومة.
ولا يكتفي الحروب باستثارة العاطفة، بل ينقل الخصوصية الفلسطينية إلى أفق إنساني كوني من دون التفريط في هويتها. تؤدي الكائنات الحيوانية والطفولية هذا الدور بما تمثله من هشاشة وعجز عن التفاوض السياسي. فالحصان الأحمر، الواقف أمام الإسمنت المتشقق والسلالم التي لا تقود إلى أفق، لا يحمل راية ولا هوية صريحة. ومع ذلك لا تفقد صورته دلالتها الفلسطينية، بل تتسع لتشمل كل من نجا من الإبادات أو تشرّد بسببها.
كذلك يبدو الشاب ذو المعطف الأحمر، المحاصر بالخراب، تجسيداً لفكرة "الرفع الجدلي": قيامة تحمل الركام الذي تتجاوزه، ولا تنفصل عنه.
ويكتسب هذا الانتقال قوته من تاريخ طويل للفن السياسي الحديث، من "غيرنيكا" لبيكاسو إلى لوحات أنسلم كيفر الأرشيفية، حيث حمل الحيوان والرمز المجرّد عبء التعبير عن الألم الإنساني حين تعجز اللغة المباشرة.
-
من معرض "قيامة" لبشار الحروب في لندن
غير أن بشار الحروب لا يستعير هذه الرموز لمجرد الانتساب إلى تقليد عالمي، بل يعيد توطينها داخل الجرح الفلسطيني. فالعالمية هنا لا تعني تذويب التجربة الخاصة، وإنما كشف ما فيها من معنى إنساني مشترك، يجعل المتلقي مسؤولاً عن النظر، وعن الاعتراف بأن العنف الواقع على جسد بعيد يمسّ صورة الإنسان.
يستعيد الحروب، في النهاية، صورة ملاك التاريخ عند بنيامين، الذي يرى الأنقاض تتراكم ويرغب في إيقاظ الموتى وإصلاح ما تهشّم، لكن عاصفة التقدم تدفعه إلى المستقبل.
لا يواجه بشار الحروب الركام بالتأبين أو الصمت، بل بفعل الخلق نفسه، بوصفه موقفاً وجودياً يجادل ضد الزوال. فالفعل الجمالي، في مواجهة الإبادة، يصبح شكلاً جذرياً من أشكال المقاومة، لأنه يفرض الاعتراف بالحياة المحاصرة قبل أن تحوّلها السلطة إلى أرقام أو رماد.
إلا أن الفنان الحروب يضيف إلى المشهد ما لم يكن في صورة بنيامين: كائناً أحمر ما زال قائماً. فإذا كان الملاك مشلول الجناحين أمام الكارثة، فإن كائنات الحروب تصرّ على الحضور، وعلى أن تُرى، وعلى أن تغيّر رؤيتها شيئاً في بنية العالم الأخلاقية.
بهذا المعنى، لا تكون "القيامة" وعداً بالخلاص بقدر ما تكون فعلاً من أفعال المقاومة: أن ينهض الأثر من بين الأنقاض، وأن تبقى الصورة شاهدةً حين يُراد للشهداء أن يغيبوا.
