"عبيد العزلة" لباترك هاملتون... يعيشون بيننا

الحرب في رواية هاملتون، ليست بطلاً تقليدياً، إذ ليس هناك كاميرات تتابع الطائرات وهي ترمي القنابل، بل عين تنظر إلى رف متجر ينقصه شيء، أو إلى غرفة مظلمة، أو إلى امرأة تعود من محطة القطار.

  • "عبيد العزلة" لباترك هاملتون... يعيشون بيننا 

ليست الحرب في رواية الإنكليزي باتريك هاملتون "عبيد العزلة" حدثاً عسكرياً بالمعنى المباشر، بقدر ما هي مناخ شامل يعيد تشكيل الإنسان وعلاقاته ووعيه بذاته وبالآخرين. فالحرب لا تظهر هنا من خلال الجبهات والمعارك بقدر ما تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة: انقطاع الكهرباء، العتمة، التقنين، الطوابير، نقص الطعام، القطارات، الحانات، غرف الفندق، والقلق الذي يتحول تدريجياً إلى طريقة في العيش. 

ومن هذه المنطقة تحديداً يستمد النص قوته: إنه لا يروي الحرب بقدر ما يروي ما تفعله الحرب بالإنسان حين تصبح الحياة اليومية نفسها شكلاً من أشكال الحصار.

تجري الأحداث في بلدة خيالية هي "تيمز لوكدن"، المستوحاة جغرافياً من "هينلي أون تيمز"، وتتمحور بصورة أساسية حول صالة روزاموند للشاي الذي تحول، بفعل الحرب، إلى مكان للإقامة. لكن المكان سرعان ما يتجاوز وظيفته الجغرافية ليصبح مختبراً اجتماعياً ونفسياً مغلقاً، تتقاطع فيه مصائر مجموعة من الشخصيات التي لا يجمع بينها الحب أو الصداقة بقدر ما تجمعها الحاجة والظرف والحصار.

هنا تكمن المفارقة المركزية في العنوان "عبيد العزلة"، إذ إنهم ليسوا أشخاصاً يعيشون بعيداً عن الآخرين، بل هم أشخاص يعيش بعضهم مع بعض من دون أن يستطيعوا إدراك بعضهم. إنهم محاصرون داخل الجماعة كما هم محاصرون خارجها. وهذه الفكرة تجعل الرواية قريبة، من زاوية سوسيولوجية، من تصور إرفنغ غوفمان للأماكن المغلقة التي تعيد تنظيم السلوك والعلاقات وفق قواعدها الخاصة.

الحرب بوصفها تفصيلاً يومياً

الحرب في رواية هاملتون، الصادرة حديثاً عن "دار فواصل للنشر والتوزيع بترجمة علاء عودة"، ليست بطلاً تقليدياً، إذ ليس هناك كاميرات تتابع الطائرات وهي ترمي القنابل، بل عين تنظر إلى رف متجر ينقصه شيء، أو إلى غرفة مظلمة، أو إلى امرأة تعود من محطة القطار.

وتلخّص الآنسة روتش هذا الإدراك حين ترى الحرب بوصفها قوة تستنزف الحياة شيئاً فشيئاً حين تقول: "الحرب تنهمك على مهل وبذكاء". هذا التصوير بالغ الدلالة، فالحرب لا تقتحم الحياة دفعة واحدة، وإنما تتقدم مثل كائن بطيء يلتهم الأشياء الصغيرة أولاً، حتى لا يبقى للإنسان إلا الحد الأدنى من شروط العيش. 

وهو ما تشهده صالة روزاموند للشاي، التي تصبح هي الأخرى شخصية شبه مستقلة من شخصيات الرواية، ولا سيما بعدما فقد المكان هويته الأولى، إذ تحول من مقهى إلى فندق، وهذا سيليه تحولات في الشخصيات التي تقطنه، بما يتطابق مع ما يسمّيه ميخائيل باختين "الكرونوتوب" أي اتحاد الزمان بالمكان بحيث يصبح المكان حاملاً للتاريخ، بمعنى أن ذاك الفندق سيكون هو الحرب في صورتها المصغرة: سكانه غرباء يعيشون تحت سقف واحد، لكل واحد منهم ماضيه ورغباته وأسراره، لكن الحرب تجبرهم على التعايش، وحتى التفاصيل المادية تتحول إلى عناصر سردية، من مثل المصعد الصغير الذي ينقل الطعام بين المطبخ والطابق العلوي، سيصبح قناة لتبادل الكلام والتعليقات بين الخدم والنزلاء، وهنا يبرع هاملتون في جعل الأشياء اليومية تحمل وظيفة اجتماعية، فالمصعد ليس مصعداً فقط، بل جهاز اتصال طبقياً يكشف ما لا يستطيع سكان الطابق العلوي قوله في مواجهتهم المباشرة.

عزلة أم وعي؟

تقف الآنسة روتش في مركز التجربة الإنسانية للرواية. إنها امرأة تبدو في البداية عادية، متحفِّظة، لكنها أكثر الشخصيات قابلية للتحول. علاقتها بالفضاء المحيط بها شديدة الدلالة، فهي تختار طريق النهر في عودتها إلى الفندق لأنه يمنحها إحساساً عابراً بأنه مُتَنَفَّس، وهو ما يختصر مأزق الشخصية كلها: إنها لا تبحث عن الحرية بمعناها البطولي، بل عن مساحة نفسية تتنفس فيها.

ويستخدم هاملتون الطبيعة، خصوصاً النهر والليل والقمر، بوصفها مقابلاً للعالم الاجتماعي المغلق. حين تخرج روتش منفردة للمشي، تتحول المسافة الجغرافية إلى مسافة نفسية، وكأن الخروج من الفندق هو خروج مؤقت من نظام العلاقات الذي يخنقها.

لكن المفارقة أن هذه العزلة لا تحميها. بالعكس، إنها تجعلها أكثر عرضة للخيبة والغيرة والخوف، ثم تدفعها في النهاية إلى حدود لم تكن تتصور أنها قادرة على بلوغها.

وعي الشخصية بديلاً عن الحدث

من أبرز خصائص هاملتون السردية اعتماده على التبئير الداخلي، أي إن العالم يُرى في كثير من اللحظات من خلال وعي شخصية معينة. فالراوي لا يكتفي بوصف المكان، بل يمرر المكان عبر حساسية الشخصية.

مثلاً في مشهد وصول روتش إلى البلدة، يتحول الظلام إلى وسيلة لتغيير الإدراك الحسي للمكان، فيما يمنحها النهر إحساساً مؤقتاً بالاتزان والمواساة. 

كذلك لا يتقدم السرد دائماً عبر أحداث ضخمة، وإنما عبر التراكم: حوار صغير، نظرة، صمت، تغيير في الملابس، غياب شخص عن المائدة، أو كلمة تبدو عابرة، يمكن أن تحمل قيمة درامية أكبر من حادث صاخب. ولذلك فإن الرواية تعتمد على ما يمكن تسميته درامية التفاصيل.

يتضح ذلك بصورة خاصة في بناء شخصية السيد بريست، فهو قليل الكلام، يحتفظ بشؤونه لنفسه، ويُنظر إليه بوصفه طريفاً، غريباً ومريباً. طبعاً الشخصية هنا لا تُبنى عبر الاعترافات المباشرة، بل عبر ما يقوله الآخرون عنها، وعبر مظهرها وسلوكها وصمتها.

الصراع المختبئ في اللغة

الحوار لدى هاملتون ليس مجرد أداة لتحريك الحبكة. الكلمات نفسها تتحول إلى أفعال. وفي أحد المواضع يقرر السرد أن المسألة ليست فيما فعلته شخصية فيكي بل في ما قالته، وفي مفرداتها، بمعنى أن اللغة في عالم هاملتون تكشف الطبقة والموقف السياسي والرغبة والخوف. حتى استخدام اللغة الفرنسية في أحد المشاهد يصبح استعراضاً اجتماعياً يعرّي الانغلاق الإنجليزي لشخصية روتش.

ومن منظور باختيني أيضاً، يمكن قراءة الرواية باعتبارها فضاءً لتجاور أصوات اجتماعية مختلفة: الإنجليزية المتحفِّظة "روتش"، الأميركي القادم بثقافة أخرى "الملازم دايتون بايك"، المرأة الأجنبية "فيكي كوغلمان"، النزيل الصامت "السيد بريست"، الرجل الذي يحوّل المائدة إلى ساحة صراع "السيد ثويتس"، وصاحبة الفندق "السيدة باين" التي تحوّل المكان إلى نظام من التعليمات. لا يوجد صوت واحد يملك الحقيقة كاملة؛ الحقيقة تتولّد من احتكاك الأصوات.

السخرية من المأساة

ربما كانت السخرية من أكثر أسلحة هاملتون فعالية. إنه لا يكتب الشخصيات بوصفها ضحايا فقط، بل يترك تناقضاتها تكشف هشاشتها. السيدة باين مثلاً تبدو شديدة العقلانية إلى درجة الهوس، تضع الملاحظات في كل مكان، وتحوّل الفندق إلى ما يشبه "مسرحاً للعبة مطاردة ورق".

هذه السخرية لا تخفف المأساة، وإنما تزيدها. فكلما بدا السلوك مضحكاً، ظهر خلفه خوف أو وحدة أو رغبة في السيطرة على عالم فقد السيطرة على نفسه.

وهنا يقترب هاملتون من جورج غيسينغ وتشارلز ديكنز، وهي صلة تشير إليها مقدّمة دوريس ليسينغ نفسها حين تضعه في سياق هؤلاء الكتاب وتؤكد قدرته على جعل شخصياته ومشاهده عصيّة على النسيان. كما تشير ليسينغ إلى صلته بأورويل في موقفه النقدي من شريحة اجتماعية بريطانية تتصف بالادعاء والجهل والرضى الذاتي.

من العزلة إلى العنف

تتطور الرواية تدريجياً من مراقبة الحياة اليومية إلى الكشف عن الطاقة العنيفة الكامنة تحت سطحها الهادئ. فالضغط النفسي للحرب لا يطال الجسد فقط، بل الأعصاب أيضاً، ويغير سلوك الشخصيات.

هنا يبلغ البناء النفسي ذروته: الشخصيات لا تتحول لأن الكاتب يريد لها أن تتحوّل، بل لأن البيئة التي تعيش فيها تستنزف قدرتها على الاحتمال. لذلك فإن انفجار روتش في النهاية لا يبدو حادثاً منفصلاً عن السياق، وإنما نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإذلال والغيرة والكبت والخوف.

وعندما تصل الشخصية إلى منطقة الجريمة، يكون هاملتون قد نجح في جعل القارئ يرى المسافة التي قطعتها من امرأة منطوية إلى امرأة باتت قادرة على ارتكاب فعل لم تكن تتخيله. وهذه واحدة من أقوى مفارقات الرواية: العزلة التي كان يفترض أن تحمي الإنسان قد تصبح المصنع الذي ينتج عنفه.

العالم كغرفة مغلقة

تكمن أهمية "عبيد العزلة" في أنها لا تقدّم الحرب باعتبارها موضوعاً تاريخياً وحسب، بل باعتبارها تجربة نفسية واجتماعية تتسلل إلى اللغة والعلاقات والأشياء والأجساد. إن لندن أو البلدة الصغيرة أو الفندق ليست سوى مستويات مختلفة لعالم واحد: عالم يتقلص فيه مجال الحرية كلما اتسعت الحاجة إلى النظام.

وربما الأهم في الرواية هو الحس الإنساني الذي أشارت إليه دوريس ليسينغ في مقدمتها حين قالت: "قدرة هاملتون على التقمص العاطفي لشخصياته هائلة. فهؤلاء ليسوا أبطالاً بالمعنى التقليدي، ولا أخياراً أو أشراراً بصورة خالصة، إنهم بشر صغار تدفعهم ظروف أكبر منهم، يتشبّثون بعاداتهم وأوهامهم ورغباتهم في عالم يتغير من حولهم".

ولعلّ العبارة التي تختم بها الرواية وتصفها ليسينغ بأنها يمكن أن تقوم مقام "نقش رثائي" لأعمال هاملتون تختصر جوهر الكتاب: "ليكن الله في عوننا كلنا". إنها ليست صلاة شخصية فحسب، بل خلاصة عالم كامل أصبح فيه الجميع، بدرجات مختلفة، عبيداً لعزلة لا يستطيعون مغادرتها، حتى وهم يعيشون وسط الآخرين.

اخترنا لك