"رقابة مرفوضة".. لماذا انتفض مثقفون ضد "دار الكتب" في مصر؟

قرار "دار الكتب" المصرية بفرض شروط لحصول الكتّاب على "رقم الإيداع" لمؤلفاتهم، يثير عاصفة من الجدل والارتياب في الوسط الثقافي. كيف نجا الإبداع المصري من فخ "الوصاية"؟

أشعل قرار "دار الكتب والوثائق القومية" في مصر، باشتراط تسليم نسخة كاملة من المؤلفات بصيغة (Word) للحصول على "رقم الإيداع" قبل الطبع، عاصفة من الجدل والارتياب بالوسط الثقافي.

ورغم استجابة وزارة الثقافة ودار الكتب للاعتراضات، وإعلان استمرار الوضع القائم مع تعديل آلية الإيداع الإلكتروني، فإن الأزمة فتحت جبهات اشتباك ساخنة أعادت إلى الأذهان أجواء الوصاية الفكرية ورقابة الستينيات والسبعينيات على الإبداع في مصر، وتركت مخاوف عميقة لدى الناشرين والمؤلفين من تضييق أمني مرتقب يهدد حرية الإبداع والنشر حيال الأعمال ذات الطابع السياسي، كما تؤشر، بحسب آراء عدد من الأدباء والكتاب، إلى "طبيعة تفكير السلطة تجاه الإبداع"، وفق تصريحات أدباء وكتّاب لـ"الميادين الثقافية".

و"دار الكتب والوثائق القومية" هي الجهة المختصة بتنظيم إجراءات الإيداع ومنح أرقام الإيداع للمطبوعات، وهي خطوة تسبق الطباعة والنشر، على أن تُستكمل عملية الإيداع بتقديم النسخ المطلوبة وفق المدد والإجراءات القانونية.

معركة "تفتح جراح" صناعة النشر

  • جاءت تلك الأزمة لتكشف واقعاً تعيشه صناعة الكتاب في مصر

لم تكن أزمة "القرار 198 لسنة 2026" بين دار الكتب والمثقفين مجرد خلاف حول صيغة ملف إلكتروني لعمل إبداعي بدلاً من النسخة غير القابلة للتعديل "PDF"، أو سياسة جديدة للتحول الرقمي وتحديث أنظمة الحفظ وآليات العمل؛ إنما جاءت كجرس إنذار ينبّه إلى خطورة "البيروقراطية الثقافية" التي تتخذ قراراتها بمعزل عن أزمات صناعة النشر ومن دون اعتبار للمشتغلين بالإبداع.

ويرى الروائي والقاضي أشرف العشماوي أن القرار، لو تم تطبيقه، كان سيشكل، في تقديره، "مدخلاً محتملاً للرقابة المسبقة على الكتب"، مضيفاً أن دار الكتب "أُنشئت كجهة حفظ وتوثيق للإنتاج الفكري بعد نشره، وليست جهة فحص أو وصاية على النصوص"، لافتاً في حديث مع "الميادين الثقافية" إلى أن "هذا التوجه يكمل سلسلة من التضييقات التي شهدتها السنوات الأخيرة لحجب أرقام الإيداع عن كتب لا تتماشى عناوينها أو محتوياتها مع أهواء الرقيب".

كما جاءت تلك الأزمة لتكشف واقعاً تعيشه صناعة الكتاب في مصر. إذ وفقاً للكاتب الصحافي أشرف البربري، فإن "صناعة النشر مثقلة بالأزمات ولا تتحمل أي أعباء بيروقراطية تمس فضاء النشر، في ظل الارتفاعات الجنونية المتتالية لأسعار الورق وأحبار الطباعة من جراء التضخم".

ويتابع في حديث مع "الميادين الثقافية" أن "دار الكتب افتعلت أزمة مجانية كان يمكن تلافيها لو أن القرارات تُصنع بالتشارك مع أهل المهنة وليس خلف الأبواب المغلقة".

ذاكرة الوسط الثقافي المصري لا تزال مثقلة بوقائع حبس ناشرين ومصادرة كتب وحجب أرقام إيداع بسبب عناوين حملت تأويلات سياسية.

هذا الإجراء يرى الشاعر سيد محمود أنه، في حال تطبيقه، "كان سيقود حتماً إلى هجرة رموز الإبداع المصري بشكل يعيد إلى الأذهان ما كان قائماً خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات، حين اضطرت قامات أدبية وفكرية إلى نشر نتاجها في بيروت وبغداد هرباً من الرقابة الصارمة".

وفي هذا السياق، يشدد "اتحاد الناشرين المصريين" على أن الدور القانوني لدار الكتب هو حفظ وتوثيق المنتج النهائي، وليس جمع المسودات والملفات الأولية للأعمال الإبداعية؛ مؤكداً أن النسخ الرقمية القابلة للتعديل تفتح باب التلاعب وتسهّل عمليات القرصنة الفكرية قبل صدور الكتاب.

رغم تهدئة الأزمة، بقيت جذور القلق حاضرة لدى المثقفين، خشية إعادة إنتاج آليات مشابهة مستقبلاً تحت عباءة التكنولوجيا.

وينظم القانون المصري الرقم 20 لسنة 1936 أحكام المطبوعات والإيداع، ويُلزم المطبوعات ببيانات أساسية مثل اسم الطابع والناشر وعنوانيهما وتاريخ الطبع في أول صفحة أو آخر صفحة، فيما استقرت إجراءات النشر عملياً على الحصول على رقم إيداع قبل الطبع، ثم إيداع النسخ القانونية خلال المدة المحددة.

أزمة تعيد للذاكرة وقائع حبس ناشرين

  • الطناني: القلق الحقيقي في الوسط الثقافي هو من عودة المقصلة الرقابية تحت ستار رقم الإيداع

لم تتحرك تلك المخاوف من فراغ؛ بل غذّتها ذاكرة ثقافية مصرية مثقلة بوقائع مشابهة وأخرى لحبس ناشرين ومصادرة كتب وعراقيل واجهت مؤلفين بسبب عناوين حَمَلت تأويلات سياسية، ما دفع البعض إلى القول إن "دار الكتب تحولت إلى محاكم تفتيش".

وكان أبرز تلك الوقائع: حبس الناشر خالد لطفي، مؤسس دار "تنمية"، الذي واجه حكماً بالسجن 5 سنوات في الفترة بين 2018 و2019؛ إثر نشره طبعة مصرية مترجمة من كتاب "الملاك" للكاتب الإسرائيلي يوري بار جوزيف، والذي يتناول قصة أشرف مروان، صهر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

الأزمة لم تكن تقنية بحتة، بل كشفت حساسية العلاقة بين الإبداع والمؤسسات البيروقراطية حين تتحول إجراءات التنظيم إلى مصدر خوف من الوصاية. 

ورفضت دار الكتب في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2023، منح رقم إيداع لكتاب "تلخيص وتحقيق لسيرة ابن هشام" للكاتب أشرف الخمايسي، وقبلها في عام 2017، حين رى حجب رقم الإيداع عن كتاب "الخازوق: العسكر والإخوان بين التحالف والمواجهة" لدار "ميريت"، في واقعة انتهت بمداهمة أمنية لمقر الدار بدعوى وجود كتب بلا أرقام إيداع.

كما امتد التقييد ليشمل الكتب المنقحة بطبعات جديدة، إذ جرى رفض منح دار "إنسان للنشر" رقم إيداع نسخ منقحة من كتابي "يوميات ضابط في الأرياف" و"مبارك... مأساة رئيس" للأديب وحيد البطران، رغم صدورها لأكثر من عقد، لمجرد أن العناوين توحي بمحتوى سياسي.

وللسبب ذاته، حُرم الشاعر ماهر مهران من رقم إيداع لديوانه "وأنا في القفص"، رغم أنه الإصدار الرقم 12 في مسيرته الشعرية، إلا أن دار الكتب تقول إن هذه "تصرفات فردية من موظفين" وليست بغرض الرقابة.

أسهمت استجابة وزارة الثقافة ودار الكتب للاعتراضات في تهدئة الأزمة، وأكدت أن الحوار مع الناشرين والكتّاب يبقى الضمانة الأهم لتفادي صدامات مماثلة مستقبلاً.

ويلخّص الناشر مصطفى الطناني، مدير دار "الطناني"، هذا المشهد، قائلاً إن "الغرض الفعلي كان إخضاع العمل للقراءة المسبقة وإجازته أو رفضه من قِبل موظفي دار الكتب"، واصفاً الأمر بـ"عودة متخفية للرقابة على المطبوعات بغرض الحصول على موافقة أمنية قبل الطبع".

ويضيف الطناني أن "القلق الحقيقي السائد في الوسط الثقافي ليس لمخاوف حيال حقوق الملكية الفكرية أو القرصنة، بل من عودة المقصلة الرقابية تحت ستار رقم الإيداع".

هذا التوصيف يدعمه الشاعر شعبان يوسف، الذي يصف القرار بـ"العودة البغيضة للتضييق المفرط على حرية الكاتب"، مستنكراً آلية التعامل التي "تجعل المؤلف متهماً حتى يستخرج رقم إيداع لكتابه".

ويرى في تصريح لـ"الميادين الثقافية" أن "هذا القرار لو جرى تمريره وتغاضى عنه المثقفون، لكان كفيلاً بالإجهاز تماماً على صناعة الإبداع".

وتعود جذور المحاولات البيروقراطية لتقييد فضاء النشر في مصر، بحسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير، إلى عام 2017، حينما طالبت دار الكتب بضرورة أن يوقع الكاتب إقراراً كتابياً يُحمّله وحده المسؤولية عن كل ما يرد في كتابه، مع إلزامه بتقديم صورة رقمه القومي وتوكيل رسمي لمندوب حال عدم حضوره، مشيرة إلى أن عدم وجود رقم للإيداع لا يستوجب توقيع عقوبة سالبة للحرية على المؤلف أو الناشر.

جذور القلق باقية

  •  حسني: استجابة وزارة الثقافة ودار الكتب للاعتراضات أسهمت في تهدئة الأزمة

ورغم تبريرات أسامة طلعت، رئيس "هيئة دار الكتب المصرية"، بأن القرار "جاء لصنع رقمنة ذكية للأرشيف القومي لحماية الثروة الفكرية وتيسير حصول أدباء الأقاليم على رقم الإيداع عبر الإنترنت"، إلا أن الأوساط الأدبية لا تزال تنظر إليه بعين الريبة والشك، حيث يرى بعض المثقفين أنه بدا، في نظرهم، كأنه "بالونة اختبار لجس نبض الوسط الثقافي".

وفي هذا الصدد، يعرب الأديب والقاصّ هاني عبد المريد عن تخوفه مما يسميه "إعادة إنتاج آليات مشابهة مستقبلاً تحت عباءة التكنولوجيا، بهدف تسلل الرقابة المسبقة تدريجياً إلى الإبداع، وتقييد سقف الحريات بالمخالفة لروح الدستور".

أما الكاتب والروائي عزت القمحاوي، فيحذر من "هجرة المبدعين نحو دور نشر عربية أو منصات دولية بحثاً عن مساحة أمان وحرية أوسع"، مضيفاً: "لا يمكن لمن يحترم كلمته أن ينشر في ظل هذه الاستهانة، فلدى الناشر العربي متسع، وطالما كان موجوداً مرضت مصر، وفي الأدراج متسع لكي تستريح الكتابة وتنتظر زمناً بلا جرّافات".

القلق الحقيقي في الوسط الثقافي لم يكن من التحول الرقمي نفسه، بل من أن يتحول رقم الإيداع إلى بوابة قراءة مسبقة وإجازة أو منع قبل الطبع.

لكن الشاعر سعيد راضي يعتبر أن النسخ الرقمية القابلة للتعديل "تفتح باب التلاعب وتسهّل قرصنة النصوص قبل نشرها"، معتبراً أن الإجراء "يفتح الباب للعودة إلى منطق الرقابة المسبقة التي ألغيت عام 1977"، لافتاً إلى أن "أي مبرر بأن الإجراء جاء بغرض تيسير مهمة الحصول على أرقام الإيداع مزاعم لا أساس لها".

كما يرد الروائي الشاب فتحي حسني، على قول دار الكتب إنها تريد رقمنة الأرشيف القومي بتساؤل استنكاري، قائلاً: "هل تملك المؤسسات الحكومية بنية رقمية محصنة بنسبة 100% في مواجهة قراصنة الإنترنت؟"، لافتاً إلى أن إلزام المبدعين بإيداع نسخ كاملة "يهدد بتسريبها وضياع حقوقهم بنقرة زر قبل وصولها إلى أرفف المكتبات".

ويشير حسني أيضاً إلى أن استجابة وزارة الثقافة ودار الكتب للاعتراضات "أسهمت في تهدئة الأزمة، وأكدت أن الحوار مع الناشرين والكتّاب يبقى الضمانة الأهم لتفادي صدامات مماثلة مستقبلاً".

اخترنا لك