"جرح الغزال" لغنوة فضة.. حين ينقلب الغياب إلى ضِدِّه
"جرح الغزال" رواية عن الآباء الذين يرحلون، بقدر ما هي رواية عن الأبناء الذين يقضون أعمارهم وهم يحاولون فهم معنى هذا الرحيل. إنها تذكّرنا بأنّ أكثر الجراح إيلاماً ليست تلك التي تُحدثها الحروب، بل تلك التي يتركها الغياب في النفوس.
-
"جرح الغزال" لغنوة فضة.. حين ينقلب الغياب إلى ضِدِّه
منذ عنوانها تضع رواية "جرح الغزال" للروائية السورية غنوة فضة القارئ أمام استعارة كثيفة تستدعي سؤال أمل دنقل الشهير: "ومن سيضمد –في آخر الصيد– جرح الغزال؟"، غير أنّ الرواية تستعير هذا السؤال باعتباره مفتاحاً لقراءة عالم كامل تتوارث فيه الأجيال جراحاً لم تصنعها، وتدفع ثمن أخطاء لم ترتكبها. فالغزال هنا هو مجتمع بأسره، يعيش تحت وطأة غياب لا يتوقّف عن إنتاج نفسه.
لا تنشغل غنوة بسرد حكاية أسرة مفكّكة بقدر ما تنشغل بتفكيك الآليات النفسية والاجتماعية التي تجعل التفكّك قدراً متوارثاً. لذلك تبدو الرواية، في أحد مستوياتها، دراسة روائية عميقة في أثر الغياب، ذلك الغياب الذي يبدأ بشخص واحد، لكنه يمتد ليصبح بنية كاملة تتحكّم في مصائر الجميع. فالأب لا يغيب بوصفه جسداً فقط، وإنما بوصفه معنى، وحين يغيب المعنى يصبح الحاضر كلُّه مهدّداً بالتشظّي.
تكمن خصوصية الرواية في أنها تجعل شخصية "حسان" الأب أكثر حضوراً وهو غائب. فلا يظهر بوصفه بطلاً تقليدياً يقود الأحداث أو يهيمن على السرد، بل يتحوّل إلى قوة خفية تدير العالم الروائي من وراء الستار. إنّ جميع الشخصيات تتحرّك في فلك هذا الغياب: الزوجة نجاة، والابن كريم، والابنة أنستازيا، جميعهم يعيدون تشكيل حياتهم وفق الفراغ الذي تركه. وهكذا يصبح الغياب نفسه شخصية روائية كاملة، لها تأثيرها وسطوتها، بل ربما كانت الشخصية الأكثر فاعلية في العمل كله.
من هنا تتجاوز الرواية القراءة الاجتماعية المباشرة لمسألة الهجر أو الطلاق، لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا يحدث عندما يتحوّل الغياب إلى ميراث نفسي؟ كيف تستطيع أسرة أن تعيش سنوات طويلة وهي تحاور شخصاً غير موجود؟ وكيف يصبح الإنسان أسيراً لمن تركه أكثر مما هو أسير لمن بقي معه؟
حرمان وخذلان
في هذا السياق ترسم الروائية السورية شخصية نجاة بوصفها النموذج الأكثر تعقيداً. فهي ليست مجرّد امرأة هجَرها زوجها، وإنما شخصية تحمل منذ طفولتها ندوب الحرمان الأولى من والدها الذي تقول فيه "كان غيابه يشبه ثقباً أسود في منتصف البيت، لا نراه ولكننا نقع فيه كلّ يوم"، ثم تحاول أن تعوّضه بحب تعتقد أنه سيكون خلاصها النهائي. لكنّ العلاقة التي تبدأ بوعد النجاة تنقلب تدريجياً إلى مصدر جديد للخذلان، لأنّ الإنسان حين يحمّل الحب أكثر مما يحتمل، يقلب الموازين جميعها، ويصبح الخلاص به مستحيلاً، تقول نجاة: "لم نكن نحب بعضنا فقط، كنا نثأر من كلّ الحرمان الذي عشناه، ولذلك كان احتراقنا كاملاً ولم يبقَ منا سوى الرماد".
وهكذا لا تقدّم الرواية نجاة باعتبارها ضحية خالصة، ولا باعتبارها جلاداً لأبنائها، وإنما تجمع الوجهين معاً في شخصية واحدة. فهي المرأة التي صنعت نفسها بالتعليم، وانتزعت مكانتها الاجتماعية بإرادة صلبة، لكنها في الوقت نفسه تتحوّل إلى أم صارمة، تجعل من نجاح أبنائها وسيلة لاستعادة كرامتها الشخصية. هنا لا يعود التفوّق هدفاً تربوياً، بل يصبح شكلاً من أشكال الثأر الرمزي من رجل تركها تواجه العالم وحدها.
ولهذا تبدو قسوة نجاة امتداداً لهشاشتها أكثر مما تبدو تعبيراً عن قوة حقيقية. فكلما ازداد خوفها من الانهيار، ازدادت صرامتها مع أبنائها، وكأنها تبني حول نفسها جداراً يمنعها من رؤية الكسر الداخلي الذي لم يلتئم يوماً.
ولا تكتمل هذه البنية النفسية إلا بحضور الجدّة خميلة، التي تمثّل الذاكرة الأولى للعائلة، والجذر الذي يفسّر كثيراً من حاضر الشخصيات. فمن الجبل إلى المدينة، ومن الفقر إلى العمل في معمل التبغ، تحمل خميلة تاريخاً كاملاً من الصراع مع الحياة، وتختزن حكمة الريف وأساطيره ونبوءاته الشعبية، حتى تبدو وكأنها الذاكرة التي ترفض أن تموت مهما تبدّلت الأمكنة.
يمثّل انتقال الأسرة من فضاء الجبل إلى المدينة انتقالاً من قسوة الطبيعة إلى قسوة المجتمع. فالمكان في الرواية ليس خلفية للأحداث، وإنما عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات.
الجغرافيا والذاكرة
وتبلغ الرواية ذروتها الإنسانية في شخصية كريم، الذي يمثّل نموذج الإنسان الذي يختار الهرب بوصفه وسيلة للبقاء. يهاجر إلى أمستردام، لكنه يكتشف أنّ الجغرافيا لا تستطيع محو الذاكرة، وأنّ السفر قد يغيّر المكان لكنه لا يبدّد أشباح والده. ولذلك لا يبدو كريم مهاجراً بالمعنى التقليدي، وإنما إنساناً يحمل وطنه المهشّم داخله أينما ذهب، لتصبح المسافة بين أمستردام واللاذقية أقصر بكثير من المسافة بين كريم وماضيه.
يقابله على الضفة الأخرى نموذج أنستازيا، التي تختار البقاء بدلاً من الرحيل. غير أنّ البقاء هنا ليس انتصاراً، كما أنّ الهرب ليس هزيمة كاملة. فكلاهما يحاول النجاة بطريقته الخاصة، كريم يهرب من الذاكرة، وأنستازيا تواجهها، لكنّ الاثنين يكتشفان أنّ الغياب الذي صنع مأساتهما لا يمكن تجاوزه بسهولة، لأنه أصبح جزءاً من هويّتهما.
وتنجح الكاتبة في تجنّب الثنائية الأخلاقية البسيطة بين الشجاعة والجبن أو بين المواجهة والهروب، إذ تمنح كلّ شخصية منطقها الداخلي، وتجعل القارئ يتعاطف مع الجميع من دون أن تبرّئ أحداً بصورة كاملة. وهذه من أبرز نقاط القوة في الرواية، لأنها ترفض اختزال البشر في أحكام جاهزة، وتتعامل معهم بوصفهم كائنات معقّدة تصنعها جروحها بقدر ما تصنعها خياراتها.
تزداد هذه الرؤية عمقاً مع البناء الفني الذي اختارته غنوة فضة. فالرواية لا تُروى من خلال راوٍ عليم يحتكر الحقيقة، بل تعتمد تقنية تعدّد الأصوات (البوليفونية)، بحيث يتناوب السرد بين نجاة، وكريم، وأنستازيا، وخميلة. وبهذه التقنية تتفكّك فكرة الحقيقة الواحدة، إذ يغدو الحدث ذاته قابلاً لقراءات متعدّدة، تبعاً لذاكرة كلّ شخصية وموقعها من الألم.
فغياب حسان، مثلاً، لا يحمل المعنى نفسه عند الجميع: تراه نجاة خيانةً وجودية، ويراه كريم عبئاً ورثه من دون ذنب، بينما تتعامل معه أنستازيا بوصفه سؤالاً مفتوحاً أكثر منه حكماً نهائياً. ومن خلال هذا التعدّد، لا يكتفي النصّ بسرد الوقائع، بل يكشف الكيفيّة التي يصنع بها كلّ إنسان حكايته الخاصة.
ويوازي هذا التعدّد في الأصوات بناءٌ زمني غير خطي، تتحرّك فيه الذاكرة بحرية بين الحاضر والماضي، وبين اللاذقية وأمستردام، وبين الجبل والمدينة. فلا يبدو الزمن مجرّد تسلسل كرونولوجي للأحداث، وإنما نسيجاً من الاسترجاعات والتداعيات، حيث يظل الماضي حاضراً في كلّ لحظة، ويستحيل الحاضر امتداداً لجراح لم تُحسم بعد.
ولهذا تأتي بعض التفاصيل الصغيرة، مثل نبوءة تناثر عنقود العنب يوم زفاف نجاة وحسان، أو مشهد المسبح الخالي من الماء في ذاكرة الطفلة أنستازيا، لتؤدّي وظيفة تتجاوز الوصف، إذ تتحوّل إلى علامات رمزية تختزن مصير الشخصيات منذ اللحظات الأولى.
خلاص فردي
ولا تقلّ البنية الاجتماعية أهمية عن البنية النفسية في الرواية. فالحب، الذي يبدأ بوصفه محاولة لترميم الذات، سرعان ما يصطدم بمجتمع ينظر إلى العاطفة من زاوية الامتثال أكثر مما ينظر إليها بوصفها حاجة إنسانية. وهنا لا تقدّم غنوة فضة المجتمع في صورة الشرّ المطلق، كما لا تجعل الحبّ فضيلة مطلقة، وإنما تكشف التوتر الدائم بين الفرد الذي يبحث عن خلاصه الفردي، والجماعة التي تخشى كلّ ما يهدّد توازنها التقليدي. ومن هذا الصراع تنشأ المأساة الحقيقية، إذ يتحوّل الحبّ من مساحة للنجاة إلى سبب إضافي للعقاب، ويغدو الانكشاف الوجداني فعلاً يدفع أصحابه ثمنه غالياً.
غير أنّ الرواية تحافظ، في معالجتها لهذه الإشكالية، على قدر من الاتزان، فهي لا تهاجم المجتمع بخطاب مباشر، ولا تقع في فخ الخطابة أو إصدار الأحكام، بل تجعل القارئ يكتشف بنفسه كيف يمكن للخوف من الفضيحة، أو الحرص المبالغ فيه على الصورة الاجتماعية، أن يفضيا إلى نتائج أكثر قسوة من الفعل الذي يسعى المجتمع إلى منعه.
أما على المستوى اللغوي، فتكتب غنوة بلغة مشبعة بالشاعرية، من دون أن تستسلم لإغراء الزخرفة. إنها لغة تعرف متى تكثّف الصورة، ومتى تترك الحدث يتكلّم وحده. فالاستعارة لا تأتي ترفاً بلاغياً، بل تنبع من صميم التجربة الروائية.
مشهد حسّي
وتلفت "جرح الغزال" الانتباه أيضاً إلى قدرتها على بناء المشهد الحسّي. فسواء في وصف بيئة العمل القاسية في معمل التبغ، أو في رسم برودة الشوارع الهولندية، أو في استعادة تفاصيل الأزقة والبيوت القديمة، تنجح الكاتبة في تحويل المكان إلى عنصر حيّ يتفاعل مع الشخصيات، ويشاركها آلامها وتحوّلاتها. فلا يشعر القارئ بأنه يقرأ وصفاً خارجياً، بل يعيش المكان بوصفه امتداداً للحالة النفسية.
ولعل أبرز ما يميّز هذه الرواية أنها لا تبحث عن مذنب واحد. فالأب ليس شيطاناً كاملاً، والأم ليست ضحية مطلقة، والأبناء ليسوا مجرّد ضحايا سلبيين. الجميع، بدرجات متفاوتة، أسرى تاريخ طويل من الخسارات الصغيرة التي تراكمت حتى صنعت المأساة الكبرى. ومن هنا تكتسب الرواية بعدها الإنساني، إذ ترفض تقسيم العالم إلى أبرياء ومذنبين، وتقدّم الإنسان بوصفه كائناً يحمل جراحه كما يحمل مسؤوليته عنها.
في المحصّلة، تقدّم غنوة فضة عملاً روائياً ينجح في تجاوز حدود الحكاية العائلية إلى مساءلة بنى أعمق تتصل بالسلطة، والغياب، والذاكرة، والهزيمة النفسية. وهي لا تكتب عن أسرة سورية فحسب، بل عن إرث ثقيل تتوارثه مجتمعات كاملة، حين يصبح الصمت لغة، والغياب قدراً، والخوف من مواجهة الذات أكثر رسوخاً من مواجهة العالم.
لهذا يمكن النظر إلى "جرح الغزال" بوصفها رواية عن الآباء الذين يرحلون، بقدر ما هي رواية عن الأبناء الذين يقضون أعمارهم وهم يحاولون فهم معنى هذا الرحيل. إنها تذكّرنا بأنّ أكثر الجراح إيلاماً ليست تلك التي تُحدثها الحروب وحدها، بل تلك التي يتركها الغياب في النفوس، جراح لا تُرى، لكنها تمتد من جيل إلى آخر، حتى تغدو جزءاً من الهوية نفسها.
وفي هذه القدرة على تحويل الحكاية الخاصة إلى سؤال إنساني عامّ تكمن القيمة الأدبية الحقيقية لهذه الرواية، التي تؤكّد أنّ الأدب، في أرقى تجلّياته، لا يروي ما حدث فقط، بل يكشف ما يظلّ يحدث في أعماق الإنسان، حتى بعد أن ينتهي كلّ شيء.