"القرنة البيضا" لجابر والدّويهي: تشريح الواقع ونبذ الخرافة

دّمج جابر، بشاعريّة المخرج وحسّ الشاعر، المسرحَ كضميرٍ جماعي. وماريا الدويهي (وهي اكتشاف حقيقي كممثلة مذهلة) تمنح هذا الضمير جسداً لا يُنسى.

  • ماريا الدّويهي في لقطة من العرض المسرحي
    ماريا الدّويهي في لقطة من العرض المسرحي "القرنة البيضا"

في العتمة المختارة لخشبة المسرح، حيث تولد العوالم من فراغ متعمّد، يقف يحيى جابر كجراح أنثروبولوجي. مشروعه ليس تسلية عابرة، بل هو عملية تشريح طويلة لجسد الذاكرة اللبنانية الجامع، يُجرِّب فيها مبضع الشعر على ندوب المجتمع. إنه حفّار قبور الموروث، يستخرج العظام لنرى تشابهها الغريب، وليسمعنا همسَها الذي لم ينقطع، مواصلاً تجربة تثري المسرح اللبناني المزدهر، هذه الأيام، والمعوِّض عن تراجع المدينة في كثير من وقائع عيشها اليومي، وكأن اللبنانيين الذين يملأون صالات المسارح كل ليلة، يعوضون بهذا التواصل الإنساني المباشر، ليس فقط التفاصل الذي تسببت به التكنولوجيا الحديثة، حيث بتنا وحيدين معاً، بل أيضاً يردمون الفجوات العميقة التي يحفرها الخطاب السياسي العنصري الشائن والمقيت.

جرحٌ في حجرة مغلقة

على خشبة مسرح "مونو" الحميمة في بيروت، حيث تصبح أنفاس المتفرجين جزءاً من الأصوات، افتُتحت "القرنة البيضا". اختيار المكان قد لا يكون بريئاً. الفضاء الضيق يخلق شعوراً بالتواطؤ، كأنك تدخل غرفة للاستماع إلى سرٍّ عائليٍّ خطير. هنا، يتحول النقد الاجتماعي من خطاب عام إلى اعتراف خاص، من منشور إلى همسة. تصبح ماريا الدويهي، في هذا القرب الجسدي، أقرب إلى أخت أو جارة تبوح بحكايات الجبل المُحرَّمة، وليس مجرد ممثلة على منصّة بعيدة. خشبة "مونو" هي الوعاء الضاغط الذي يحوّل قصة الشمال إلى مرآة لكل لبنان، حيث تذوب الجغرافيا وتبرز المأساة الإنسانية المتكرّرة.

الزمن المقلوب: سِحرُ البداية من النهاية

  •  يحيى جابر
    يحيى جابر

يبدأ يحيى جابر من كسر القاعدة، فيقلب ترتيب الزمن رأساً على عقب. لا يبدأ من الحاضر لينقّب في الماضي، بل يغرسنا فوراً في أعماق سحيقة من الذاكرة الجمعية، في مشهدٍ أشبه بحلم قديم أو أسطورة تأسيسية. امرأة تخرج من ضباب جبال زغرتا وإهدن، تحمل همسات القرون. هذه البداية الومضية هي خيط ناظم يعلن أن الخرافات التي تحكم المصائر، والأعراف التي تكبل الأجساد، والعسف الذكوري الذي يُشرعن القهر، ليست من مخلفات الماضي، بل هي حاضرٌ دائم. الربط العضوي بين تلك اللحظة الأسطورية ووقائع الحاضر المحبطة هو سخرية مبطَّنة من فكرة التقدّم نفسها. إنه يقول لنا: انظروا، نحن لا نزال نعيش في ذلك الزمن القديم، لكن بلغة جديدة.

ومن هذا الربط، تولد السخرية الأكثر مرارة: ذلك الانفصام الفاقع بين طوباوية النص الجبراني المعلَّق كطلْسمٍ مقدّس في مساكن تلك المنطقة نفسها وقسوة الواقع اليومي الذي يطحن أحلام النساء والرجال على السواء في أزقة زغرتا وإهدن. جابر لا ينتقد مجتمع الشمال فحسب؛ إنه، عبر هذه الثنائية، يكشف آلية الخداع الجماعي اللبناني بأكمله، حيث نتباهى بشعارات الروح والجمال ونمارس، في الظلّ، قمع الجسد والروح.

ماريا الدويهي: الأرشيف البشريّ المتحرّك

رؤية جابر تكمن في فهمه أن المأساة ليست في الحدث، بل في الجسد الذي يحمله. ماريا الدويهي هي الأداة الأكثر بلاغة. يراقبها جابر بعين الشاعر الذي يعرف أن الجسد ذاكرة، وأن الذاكرة وطن. إنها أرشيف بشري متحرك؛ لا تمثل شخصيات مثل "كاميليا" أو "طريزا"، بل تستدعيهن من أعماق الجغرافيا التي تحملها. بلمسة منديل، أو بتغيّر طفيف في اللهجة والوقفة، تنقلب على الخشبة من شخصية إلى أخرى: من الأمّ المتسلّطة الحاملة لقيم العشيرة، إلى العروس المرتجفة، إلى الفتاة الحالمة التي تقرأ جبران. صوتها الأوبرالي الذي يرتفع فجأة ليس زينة موسيقية؛ إنه صوت الذاكرة المكبوتة التي تجد متنفَّسها الوحيد في الصراخ الغنائي، صوت ذلك التناقض الأصيل بين جمال الروح وقبح الواقع.

في هذا الفضاء، هي كائن وسيط. تنقلب على الخشبة كالنبيذ القديم في جرار الذاكرة. بصوتها الذي يعلو من همسة الاعتراف الدافئة إلى نشيد الأوبرا البارد، تحفر في صخر التناقض: كيف يصبح الجبل الذي أنجب خطابات جبران عن المحبة سجناً للنساء باسم الشرف؟ كيف تتحول الكنائس ملاذاً للصلاة بينما تتحول الديار محاكمَ للثأر؟ صوتها الأوبرالي هو اللغة التي تعجز الكلمات عن النطق بها؛ إنه نوح الجبل نفسه، صرخة الجمال الذي يرفض الانكسار.

لكنّ التحفةَ لا تخلو من شائبة. فالعرض، في تقديره للزمن المقلوب، يقع أحياناً في فخّ المطّ والإطالة. ثمة مشاهد كان بالإمكان اختزال إيقاعها، أو حبك خيوطها بشكلٍ أكثر إحكاماً، لتبقى الحكاية مشدودةً من أول وهلة إلى اللحظة الأخيرة. تلك الإطالة تثقل أحياناً على النسق الذي بناه جابر ببراعة، وهي إطالة اعتاد جابر التخلص منها مع تتالي العروض واختمار كل عمل.

والشائبة الثانية هي استخدام الموسيقى المسجَّلة. في عرضٍ يعتمد أساساً على حيوية حضور بشريّ فذ، كان الأجدر أن يحتضنه لحن حيٌّ يرتفع وينخفض مع أنفاس الممثلة ونبض الجمهور. موسيقى حية على آلة واحدة كانت ستُضاعف من طقسية اللحظة، وتجعل من المسرح فضاءً لا يتكرّر، كالذاكرة نفسها، ولكن تبقى هذه الملاحظة مجرد خيار إخراجي بحسب رؤية كل مخرج.

سلسال السرديات المكسورة

  • يحيي جابر وماريا الدّويهي
    يحيي جابر وماريا الدّويهي

لا تقف "القرنة البيضا" كجزيرة منعزلة في بحر تجربة يحيى جابر، بل هي الحلقة الأكثر تبلوراً وتشذيباً في مساره الطويل نحو تفكيك "أسطورة لبنان". إنها الابن الشرعي لتجربته المتشعبة، والوريث الطبيعي لسؤال وجودي واحد ظلّ يلاحقه: كيف نعيش معاً ونحن لا نعرف بعضنا بعضاً؟

إن نظرنا إلى خريطة عوالمه المسرحية، نجد أن جابر كان رسّام خرائطَ نفسية للمجتمعات اللبنانية عبر التركيز على المونودراما والاعتماد على ممثل واحد من البيئة نفسها التي تتناولها المسرحية. المونودراما هنا ليست خياراً فنياً عابراً، بل هي ذروة تطور منهجه الذي اكتشف فيه أن أقوى طريقة لرواية حكاية جماعة هي عبر جسد فرد واحد ينتمي إليها. ماريا الدويهي، كعباس جعفر في بعلبك "هيكالو"، وزياد عيتاني في بيروت "طريق الجديدة"، وحسين قاووق في الضاحية "شو ها"، وأنجو ريحان في الجنوب "مجدرة حمرا" و"شو منلبس"، وناتالي نعوم في جبل لبنان "من كفرشيما للمدفون"، هي سفيرة جغرافيا وألم. جابر لا يستقدم ممثلاً محايداً، بل يستدعي الذاكرة من داخلها، ما يمنح الحكاية مصداقيةَ الدم والدموع.

هكذا، تصبح "القرنة البيضا" المرآة الأوضح لمشروعه الجامع: مسرح كمختبر للهوية. كل عرضٍ سابق كان يشعل ضوءاً في زاوية مظلمة من غرفة اللبنانيين المشتركة. وهذا العرض يأتي ليلقي بأقوى الأضواء على الزاوية التي ظنّوا أنها الأكثر إشراقاً: التراث الجبلي الروحاني الذي تنتمي إليه زغرتا وإهدن، فيكشف أن العتمة هنا أشدّ، والتناقض أوجع، لأن الضربة موجّهة إلى المركز المتخيّل للهوية اللبنانية وليس إلى هوامشها.

مرثية للموتى ومواجهة للأحياء

هكذا يصنع يحيى جابر فنه. إنه يكتب مرثيةً للموتى بأصوات الأحياء. "القرنة البيضا" ليست مجرد نقدٍ للعادات الشمالية؛ إنها مواجهةٌ مع شيزوفرينيا الهوية اللبنانية كلها. نخرج من مسرح "مونو" وقد حملنا سؤالاً ثقيلاً: من نحن، نحن القادرين على ترديد أجمل قصائد الحبّ، بينما تتدفّق في عروقنا أنهارٌ من صمتٍ مقموع وثأرٍ موروث؟

يقدّم جابر، بشاعريّة المخرج وحسّ الشاعر، المسرحَ كضميرٍ جماعي. وماريا الدويهي (وهي اكتشاف حقيقي كممثلة مذهلة) تمنح هذا الضمير جسداً لا يُنسى. معاً، يحفران في صخر تناقضاتنا، لا ليدفنوها، بل ليُظهروها للشمس. لعلّ النور، في النهاية، يكون بداية الشفاء. وبهذا العمل، يُتمّ جابر دورةَ مواجهته مع الوهم اللبناني: بعد أن عرّى الأطراف في أعماله السابقة، ها هو يوجه مبضعه اليوم إلى القلب النابض للأسطورة ذاتها.

اخترنا لك