"الصنعانيّة": أيقونة جمال وسحر في الأغنية اليمنية

تتفرد مدينة صنعاء بهويتها الخاصة فيما يحظى الغناء بحضور بارز. ما الذي يميّز الأغنية الصنعانية عن سواها في اليمن؟

تتفرد مدينة صنعاء بهويتها الخاصة، التي تتشكل من أنساق متعددة: جمالية، وحضارية، واجتماعية، وثقافية، وتاريخية. لذلك كانت محط اهتمام الاشتغال الكتابي والثقافي، من مثل ما تحظى به من حضور بارز في فن الغناء، الذي تنوع احتفاؤه بها، فكان من أبعاده التغني بجمال فتياتها، اللواتي يمثل حسنهن سياقاً محورياً في مضامين الأغنية اليمنية.

"الصنعانية" معشوقة الأزمنة والأمكنة

  • من أهم خصائص الأغنية اليمنية الاستئناس بالغزال
    من أهم خصائص الأغنية اليمنية الاستئناس بالغزال

عبرت أغنية "صنعانية" [1] عن المدى الذي وصل إليه جمال الفتاة الصنعانية في إضفاء النشوة والحياة على الزمان والمكان:

صنعانية مرت من الشارع غبش [2]

كان الزمن عطشان والفجر اشتكى نار العطش

لكنها.. لما مشت سار الندى

والورد فتح وانتهش.       

...

صدر المدينة هش.

والشارع تغنى وارتعش.

فبعد أن يؤنسن النسيج الفني المكان والزمان مسقطاً عليهما الطبيعة الإنسانية المتمثلة في شعور كل منهما بالعطش والشكوى منه، يضفي عليهما عاطفة التأثر بمرور فتاة صنعانية، من أحد شوارع المدينة ذات صباح باكر. إذ يتحرك الندى، وتتفتح الورود، ويخفق قلب المدينة برقصة الشارع المتغني ارتعاشاً بجمالها.

غزال الحسن والدلال

  • عبرت أغنية
    عبرت أغنية "صنعانية" عن المدى الذي وصل إليه جمال الفتاة الصنعانية

من أهم خصائص الأغنية اليمنية - ولا سيما التي تضمنت صوراً من جمال بنات صنعاء - الاستئناس بالغزال؛ للإحالة على الفتاة "الصنعانية". وهي سمة ذات امتداد متقادم في الشعرية العربية. ومن تجليات ذلك في الأغنية اليمنية ما ورد في أغنية "وسط صنعاء" [3]:

وسط صنعاء شفت ذياك الغزال [4]

من جماله طار عقلي وارتبش [5]

...                

كامل الأوصاف محمود الخصال

كل من شافه تعجب واندهش

فمن خلال استحضار ماهية الجمال في "الغزال"، استوعب الحس الشعري والغنائي تلك اللحظة، التي مرت فيها ابنة صنعاء مروراً ناضحاً بإثارة الدهشة والإعجاب بتفاصيل حسنها:

خده التفاح والحاجب هلال

والمباسم ورد أحمر قد فتش

في عيونه سحر يفتك بالرجال

والحلا بالشعر الأسود لا انفتش [6]

ومن موقف الدهشة، يتنامى الشعور الوجداني، في صور من محاولات التقرب من غزال اللحظة الفاتنة:

قلت له لما خطر يا ذا الغزال

هل معك شي ماء أنا هالك عطش

...                    

هز راسه وابتسم لي ثم قال

كل شي يفداك يا قمري غبش

إذ يجترح الحبيب حواراً مع المعشوقة، متخذاً من ادعاء الرغبة في الماء طريقاً إلى غايته، في التعبير عن حبه الوليد في قلبه. إذ يكتنز ادعاء الرغبة في الماء سعةً دلالية على الحاجة إلى ماء القلب والحاجة إلى الماء العادي معاً [7]. وقد نال الحبيب مبتغاه. إذ سرعان ما فهمت الفتاة مقصده الموارب، فجاء ردها متسقاً مع جوهر الرغبة العاطفية، من خلال حركية هز رأسها، وابتسامتها الرقيقة، وقولها تلك الجملة البالغة في التعبير عن الانجذاب العاطفي بين طرفي هذه التجربة الوجدانية: "كل شي يفداك يا قمري غبش".

إحالة "الريم"، و"الرشا"

مثلما استوعبت رمزية الغزال الدلالة على جمال فتيات صنعاء، كان الأمر في استيعاب الدلالة نفسها، في رمزية بعض أسماء الغزال أو صفاته. من مثل الاستئناس بـ"الريم"، أو "الرشا"، فالأول يعني الغزال الأبيض، والآخر يعني صغير الغزال، وكلاهما أُحيلا على الفتاة الصنعانية وجمالها، في أغنية "يا ريم صنعاء" [8]، التي منها:

يا ريم صنعا يا نظر عيوني

دمعي جرح من فرقتك جفوني

وزاد هجرك يا رشا شجوني

ما أقساك علي! يا حياك من الله! [9]

يتجلى هنا التنامي في لحظة الدهشة الأولى، كما يتجلى تنامي الإعجاب بجمال الصنعانية، وتكامله تجربةً عاطفية، تعددت أحوالها ومواقفها، منها أحوال الهجر والفراق، ومواقف البوح والعتاب، حيث يمضي الحبيب معاتباً محبوبته الصنعانية (الريم/ والرشا):

ولعتني يا عيبتك وقفيت [10]     

وأحرقت قلبي بالسعير واذويت

لقد اشتعلت مشاعر العاشق بنار الحب لفتاته، التي تداعت معه. لكنها فاجأته بالهجر، فأحرقت قلبه، فكثف عتابه لها، في توظيفه لصيغة المقولة الشعبية: "يا عيبتك"، التي عادةً ما يتم استحضارها للتعبير عن أعلى مستويات الشعور بغصة المعاملة القاسية، من شخص غير مكترث بإخلاص من يسرف في القسوة عليه.

سحر "القاف" الصنعانية

  • محمد عبده
    محمد عبده

قدمت أغنية "أحب صنعاء" [11] صوراً من التغني بحب مدينة صنعاء، وأحوال العشق لجمال فتياتها:

أحب صنعاء ولي في العشق صنعا

وأحب احوم خلى من سفح صنعا

فهنا يتماهى عشق المدينة في عشق إحدى بناتها، في موقف تشاركه العاشق والمعشوقة، لحظة إطلالة واحدة من صبايا صنعاء، من مكان توافرت فيه عوامل انجذاب كل منهما إلى الآخر، فتمكنت المحبوبة من الاستحواذ على عقل الحبيب وقلبه:

سلب لبي وأنا جازع وماشي [12]

واخذ ما فيه ما خلا ولا شي [13] 

ثم يتوالى تدفق العاطفة بمعاني العشق والمحبة لابنة صنعاء، ولجمال مدينتها، وبوجه خاص عشق واحدة من سمات لغتها المحكية:

ترنمت ونظمت "القاف" فيها

بلاد من الحسن قد همت فيها

عساها دايم الأفراح فيها!

وتزها يا علي بعقد المثاني! [14]

فمن خصائص المحكية اليمنية، في صنعاء والمناطق المحيطة بها، أن صوت (القاف) فيها ينطق بالجيم غير المعطشة. ويغلب على طريقة النطق هذه أن تكون أكثر جمالاً وسحراً وجاذبية حينما تسمع من أفواه النساء، حيث تضفي عليهن جمالاً وسحراً، إلى ما يتمتعن به من صفات الحسن والرقة المتناهية.

وقد التقطت الشعرية الغنائية هذه السمة الجمالية في محكية صنعاء، فعبرت عما تحدثه من أثر بالغ في وجدان العاشق، الذي يتداعى مع هيامه، متمسكاً بذات المعشوقة، وكينونة مدينتها، داعياً لها بدوام السعادة والرخاء.

لقد احتفت الأغنية اليمنية بمدينة صنعاء وجمالها. كما احتفت بجمال بناتها ذوات العواطف الجياشة، والقوام الرشيق، والطلعة البهية، والعيون الجميلة، التي تستدرج إلى شراك حبهن كل من لامسته نظراتهن الساحرة.

 
[1]كتب كلمات هذه الأغنية الشاعر الدكتور عبد العزيز المقالح، ولحنها وغناها الفنان أحمد فتحي.
[2] "غبش": أول ضياء الصبح مختلطاً بآخر ظلام الليل. ينظر: مطهر علي الإرياني، "المعجم اليمني (أ) في اللغة والتراث، حول مفردات خاصة من اللهجات اليمنية". ط1، دار الفكر، دمشق، 1996، ص665.
[3] هذه الأغنية من كلمات وألحان وغناء الفنان محمد سعد عبد الله. كما غناها فنانون آخرون، منهم الفنان فؤاد الكبسي.
[4] "شفت": رأيت. "ذياك": ذاك.
[5] "ارتبش": اضطربت أحواله واختلطت عليه الأمور. ينظر: مطهر الإرياني، "المعجم اليمني". المرجع السابق، ص341.
[6] نفسه، ص878.
[7] عبده منصور المحمودي، "ماء البئر وماء القلب ما حكاية البئر في اليمن؟". موقع الميادين الثقافية، بيروت، 1 أيلول 2025.
[8] كتب كلمات هذه الأغنية الشاعر حسن حسن حميد الدين، وتغنى بها كثير من الفنانين اليمنيين.
[9] "ما اقساك": كم أنت قاس!
[10] "قفيت": أدرت لي ظهرك
[11] كتب كلمات هذه الأغنية الشاعر سعود سالم، ولحنها صالح الشهري، وغناها الفنان محمد عبده، مشعلاً بها عواطف جمهوره، في 3 مدن يمنية: صنعاء، وعدن، والمكلا، تلبيةً منه لدعوة وزارة الثقافة اليمنية؛ إلى المشاركة في إحياء فعاليات صنعاء عاصمة الثقافة العربية 2004
[12] "جازع": عابر، أو قاطع المكان بالعرض. ينظر: مطهر الإرياني، "المعجم اليمني". المرجع السابق، ص137.
[13] "ما خلا": ما ترك
[14] "تزها": تزهو

اخترنا لك