"يا حانِقة لا بد من رُجوعِك": عن حكمة التجربة الاجتماعية في اليمن
كيف يكشف المثل الشعبي اليمني "يا حانقة لا بد من رجوعك" عن حكمة المجتمع في احتواء الخلافات الزوجية؟ وما قصته؟
يكتنز المتداول الشفاهي في اليمن تكثيفاً لخلاصات حكميّة. منها ما قام عليه معنى هذا المثل الشعبي القائل: "يا حانِقَةْ لا بدْ مِنْ رجُوْعِكْ"؛ إذ يحيل على حكمة اجتماعية، أفضت إليها تجربة حلِّ خلاف بين زوجين؛ فـ"الحانقة" في المحكية اليمنية هي الزوجة التي اختلفت مع زوجها، فغادرت منزله إلى ديار أهلها.
مرجعية الحكاية
يشير المحكي الشعبي إلى ارتباط هذا المثل، بخلاف بسيط حدث بين زوجين، بالغت الزوجة في التعاطي معه، فقرّرت التوجّه إلى بيت أبيها، وتداعى معها زوجها، فرافقها إلى حيث تريد. ولأن علاقته مع أبيها علاقة طيبة تقوم على الاحترام المتبادل بينهما، فقد أطلعه على خلافهما، الذي لا يستدعي مجيئها إليه. كما طلب منه أن يبقيها عنده فترة طويلة، تكفي لأن تتعلم منها درساً في الحياة الزوجيّة؛ فلا تغادر منزلها إلّا في حال خلاف يبرر لها ذلك.
أهمل الرجل زوجته فترة تجاوزت الشهر في دار أهلها، قضتها في عذاب وجداني، أدركت من خلاله أنها هي المخطئة، كما احتدت رغبتها في العودة إليه، بأي شكل من الأشكال، لكن لا سبيل إلى ذلك. حتى لاح لها الأمل مع وصول مرساله إلى أبيها، مُبلِغاً إيّاه بأنه سيأتي لمصالحتها والعودة بها إلى داره. رحّب الأب بذلك، وحمّل المرسال دعوته إلى صهره، لتناول الغداء في منزله يوم قدومه إليه.
لقد كان الاختبار حاسماً. إذ أوقع الأب ابنته في الفخ، فتحدّثت إليه، لا إلى زوجها، وانكشفت بذلك حقيقة دمعها وبكائها المصطنع.
في تلك اللحظة، كانت الزوجة على مقربة منهما، فسمعت ما دار بينهما، وانتظرت حتى غادر المرسال، فجاءت أباها باكيةً وهي تذرف سيلاً من الدمع، معلنة عن رفضها أيّة مصالحة مع زوجها. لم تخب حكمة الأب ومعرفته بحيل النساء، واتِّخاذهنّ من البكاء وسيلة دلال ليس إلّا. لكنه على ذلك قرر أن يختبر بنفسه صدق دموع ابنته من كذبها، فطمأنها، مؤكِّداً أنّه لن يفعل إلّا ما يرضيها ويطيّب خاطرها.
اختبارات الأب الحكيم
-
نوافذ قمرية داخل بيت تقليدي يمني
عشية الموعد المحدد، أخبر الأب ابنته بأن غداً هو موعد استضافتهم لزوجها، وأن عليها أن تُعدّ طعام الغداء، وترتب البيت بما يليق باستقباله. وصل الزوج في اليوم التالي، واستعدادات الضيافة على أكمل وجه. اجتمع مع العائلة كلها على مائدة الغداء، كانت زوجته في الجهة المقابلة له. وكان من مكوّنات تلك المائدة طبق "الفتة"، ذاك النوع من الأطعمة اليمنية، الذي يقوم على تفتيت الخبز، وإضافة السمن والعسل إليه.
وهنا بدأ الأب اختباره الأول لابنته؛ فسكب السمن والعسل على "الفتة" كلها، باستثناء الجهة المقابلة لزوجها. ترك ذلك أثراً في نفسها، وسَعَتْ إلى معالجة هذا التهميش المهين، فأخذت عصا "المِحْوَاش"(1)، وحرّكت بها طعام طبق "الفتّة"، وهي تقول: "واللّه لو يعصِدوا (2) دمي مع دمه هكذا ما أرجعْ معه".
وإذا كان المعنى في قولها هذا أنها لن تعود إلى زوجها، حتى لو قُدِّر لهما أن يتمازجا بتلك الطريقة، إلّا أن الغاية التي حقّقتْها من تلك الحركة هي إيصال السمن والعسل إلى قبالته. وهو ما أدركه الأب، لكنه فضل ألا يشعرها بذلك، فعلّق على كلامها، بالقول إنه كلامٌ غير متناسبٍ مع وقت الغداء، وستتم مناقشته في ما بعد.
يكتنز المتداول الشفاهي في اليمن تكثيفاً لخلاصات حكميّة. منها ما قام عليه معنى هذا المثل الشعبي القائل: "يا حانِقَةْ لا بدْ مِنْ رجُوْعِكْ"؛ إذ يحيل على حكمة اجتماعية، أفضت إليها تجربة حلِّ خلاف بين زوجين.
وعلى المائدة نفسها، انتقل الأب إلى الاختبار الثاني، فوزّع اللحم على أفراد العائلة كلّها، مُمَيّزاً ابنته بمضاعفة نصيبها، أمّا زوجها فلم يعطه سوى قطعة صغيرة من اللحم. وفي اللحظة نفسها كان يراقب ردة فعلها، فلاحظ على وجهها ملامح استيائها من تهميشه لزوجها، كما لاحظ إخفاءها خِلْسةً نصيباً من اللحم، في قرصٍ من الخبز، بطريقة لم يشعر بها سواه.
ومع حلول وقت النوم مساء، بدأ الأب تفاصيل الاختبار الثالث، فكلفها بترتيب الغرفة العلوية "الطيرمانة" (3)؛ لينام فيها زوجها. سارعت إلى ذلك، غير منتبهة إلى أن أباها يراقبها من بعيد، إذ لاحظها وهي تهيء المكان بأشياء جديدة: فرش، وملاءات، وبطانيات، وغير ذلك،كما كانت، وهي تتفنّن في إعداد المكان، تتغنّى بهذه المناجاة:
"هيا معي يا حبيبْ واروِّحكْ بيتي
واطلِّعكْ منْظرةْ طيقانها شرقيْ (4)
وافْرشْ لك حريرْ وارُشْ ماءْ ورْديْ"
انتهت من مهمّتها، فتركت المكان، وصعد إليه زوجها لينام فيه، لكنه فوجئ بعد لحظات بمقدم أبيها، الذي أقسم عليه ألّا ينام إلّا في غرفته الخاصة، الأكثر دفئاً من تلك الغرفة العلويّة، لم يجد مناصاً من الاستجابة لحماه، فنزل ونام في غرفته.
بعد نحو الساعة، سمع الأب خطوات حذرة تقترب من مكان نومه، سرعان ما عرف أنها خطوات ابنته، التي تسلّلت على عجلٍ؛ خوفاً من أن يراها أحد من أهلها، طرقت باب الغرفة طرقات خفيفة، أتبعتها بحديثها إلى من في الداخل ــ ظنّاً منها أنه زوجها ــ عاتبته، أخبرته بما عانته طيلة غيابه عنها، مؤجّلة الحديث عن ذلك حتى يعودا إلى منزلهما: "شرْجعْ أشكيْ لكْ لوما نرجع البيت ما قدْ وقعْ بي وكمْ قدْ اقتهرتْ".
لم تخب حكمة الأب ومعرفته بحيل النساء، واتِّخاذهنّ من البكاء وسيلة دلال ليس إلّا. لكنه على ذلك قرر أن يختبر بنفسه صدق دموع ابنته من كذبها، فطمأنها، مؤكِّداً أنّه لن يفعل إلّا ما يرضيها ويطيّب خاطرها.
كما ذكّرته بقسوة أبيها عليه وتهميشه إياه، على مائدة الغداء؛ وأنها ما جاءت إليه تلك اللحظة إلّا لتعوّضه، بعشاء احتفظت فيه بنصيبها من اللحم، هامسة إليه بذلك: "هيّا يا أبي وأهليْ أنت شُلْ اللّحمَة والخبْزة، اتعشَ بها، ويهناكْ، قد خبّيْتها لكْ من غدايا، هذا الحاذق ما ادِّي لك لحمةْ سوا وقت الغداء، وكان قلبي عليكْ يحترق" (5). أنهت كلامها، وتركت وجبة العشاء الخاصة تلك أمام الباب، ثم عادت مسرعة إلى حيث أتت، حتى لا يشعر بغيابها أحد من أهلها، فينكشف أمرها.
لقد كان هذا الاختبار حاسماً. إذ أوقع الأب ابنته في الفخ، فتحدّثت إليه، لا إلى زوجها، وانكشفت بذلك حقيقة دمعها وبكائها المصطنع. وبناء على ذلك، استدعاها صباح اليوم التالي، ووجّهها إلى العودة مع زوجها. تمنّعت، وهي تقول: "خلّيْه يعرفْ قيمتي ويعرفْ قدريْ، ويدريْ بنتْ مَنْ أنا؟"، فاجأها برده الغاضب، والهراوة في يده: أنت بنت الحاذق اللّي تغلّبتِ واقتهرتِ في بيتهْ!"، صُدمت بمعرفة أبيها بما أقدمت عليه البارحة، ثم صُدمت بما كاشفها به من إدراكه لحقيقتها، بدءاً من تحريكها العسل والسمن باتجاه زوجها، وانتهاء بتقديمها له العشاء إلى تلك الغرفة العلوية.
كاشفها أبوها بهذه الحقيقة، مُعقِّباً عليها بترديده هذه العبارات الحكميّة، التي صارت من المقول الشفاهي الشعبي المتوارث شيوعاً وتداولاً:
"يا حانِقَةْ لابدْ مِنْ رُجوعِكْ
ولّا صميلْ أخضرْ يردّ روحكْ
ما ينفعوكْ أهلكْ ولا دموعكْ"
إذ يحيل سياق هذه العبارات، ومعه سياق الحكاية كلها، على حتمية عودة "الحانِقة" إلى زوجها، وإن شاب علاقتهما بعض الخلافات المعتادة، وإلا فإنه ليس في انتظارها سوى التأديب بـ (الهراوة/ الصميل)، الذي سيلجأ إليه أهلها، في حال كان الخلاف أقل من أن يكون مبرِّراً لرفضها العودة إلى دار زوجها.
(1) "المِحْواش": أداة خشبية صغيرة، أحد طرفيها مسطّح كملعقة المطبخ.
(2) "يعصدوا": يخلطوا.
(3) "الطيرمانة": غرفة تعلو المنزل في اليمن، يُطلق عليها "المفْرج"، و"المَنْظرَة".
(4) طيقانها شرقي: نوافذها إلى الشرق.
(5) "شل": خُذْ. "الحاذق": كثير الحرص، "ادِّي لك": أعطاك. "لحمة سوا": قطعة لحمٍ مناسبة.

