"مُسْكِيْنْ يا ناسْ": نهدةُ الحزن في قلب الفرح
كيف جعلت أغنية "يا ريح.. يا ريح" من الريح والبريد والوصية أدوات شعرية لقول وجع العاشق الذي لم يتوقف عن انتظار محبوبته؟
كيف يمكن أن يقترن الحزن والفرح في لحظة واحدة؟ بل كيف تثير مناسبة واحدة مشاعر متناقضة: سعادة هنا، وشجناً هناك؟
لا شك في أن الحياة زاخرة بأحوال تجتمع فيها السعادة والحزن بمستويات متفاوتة. وعلى ذلك، فإنّ من أقسى تلك الأحوال وأشدّها فتكاً بعاطفة المحزون، هي تلك الحال المرتبطة بشاب، في مناسبة زفاف محبوبته إلى شخص آخر.
تنضح هذه الحال بطاقة عالية من المشاعر المتناقضة، التي يُسحق بأحزانها المغدور في حبّه. ولعل من أبرز تجليّات التعبير الإبداعي عنها، ما اضطلعت به الأغنية اليمنية "يا ريح .. يا ريح" [1]، التي لا يزال انتشارها ذائعاً، وحظيت باهتمام كثير من الفنانين، الذين تغنّوا بها، منهم: علي بن علي الآنسي، أحمد السنيدار، أبو بكر سالم بلفقيه، وطلال مداح.
عرس وقلب مريض
بدأ تعبير هذه الأغنية عن حال انكسار الحبيب المغدور من اللحظة التي يصل فيها خبر المناسبة إليه، فيمضي هذا النبأ في تمزيق قلبه حزناً وحسرة:
مُسكينْ يا ناسْ مَنْ قالوا حبيبُهْ عروسْ
يِمْرَضْ مَرضْ قلبْ أمّا الموتْ ما حْدْ يموتْ [2].
تحيل هنا صيغة فعل الجمع الماضي (قالوا) على انتشار خبر العُرس على ألسنة الناس، وصولاً إليه، فتضرب المسْكنة قلبه بمرض حزن لا سبيل إلى شفائه منه. وإذا كانت الدلالة الفصحى في صفة "المسكين" مرتبطة في الغالب بالإحالة على الفقر والعجز، فإنها، في هذا السياق، أكثر ارتباطاً بدلالتها المحكية. إذ يغلب عليها أن تحيل، على أي شخصٍ، تعرّض لمصيبة كارثية، أو مُني بخسارة فادحة لا قدرة له على احتمالها، أيّاً كان مستواه المادي، وأيّاً كانت حاله الجسدية.
واقترن الموت بمرض القلب (الحزن)، في حال هذا المُحِبّ المغدور، الذي يُحْكم الحزن قبضته عليه، بينما يتراجع الموت خطوة، لعدم توافر عوامله المتصلة بمنطق العاطفة. وعلى ذلك، يظل الموت هو الأقرب إليه. إذ كان من محددات ارتباطه به وصيّته تلك التي لم تكن بعيدة عن المناسبة، التي خلقت لديه الرغبة فيه:
يا ناسْ لا تقبروني في عميقْ اللُّحودْ
القبرْ في صدرْ خِلِّي والعوالمْ شهودْ
وغسّلونِي بدمعِهْ والكفنْ بالجعودْ [3]
والنعشْ شُلّوهْ [4] بجسْمي لحمْ من غير عُودْ
تضمنت هذه الوصية سياقاً تبريرياً، متصلاً بمنطق عاطفي، هو من يحدد خصائص موت المغدور. تلك الخصائص التي لو توافرت لديه لكان موته ممكناً. منها أن قبره مختلف. إذ لا يتناسب دفنه إلا في صدر محبوبته، وهو ما أوصى به، كما أوصى بألّا يُغسل إلا بدمعها، ولا يكفن إلا بخصلات شعرها المجعد.
لم يجد الحبيب وسيلة يحمل بها وجعه إلى محبوبته سوى الريح، لأنها وحدها القادرة على الدخول إلى البيوت والوصول إليها من دون أن تعترضها القيود.
وهنا يلوح نوع من الإحالة، على ثقته بمكانته لدى محبوبته، وبما سيفضي إليه موته من اشتعال الحزن في قلبها، وما سيسفر عنه من انسكاب لدمعها، الذي ستكفي غزارته لأن يغسل جثمانه به.
الريح مرسال المغدور
تمتد مسكنةُ الحزن في حال هذا المُفارِق إلى ما بعد مناسبة زفاف محبوبته إلى غيره، إذ يرغب في إخبارها بعذابه بعد فراقها:
يا ريحْ .. يا ريحْ يا اللّي تدْخُلي للبيوتْ
قولي لمحبوبْ قلبي: صاحبكْ شايموتْ [5]
ينطوي هذا النسق الندائي على سياق تأملي، بحث فيه المغدور عن وسيلة، تمكّنه من تحقيق رغبته تلك، فوقف على الريح، التي تتميّز بامتلاكها حرية الدخول إلى حيث تريد. وجد فيها ضالته، فأنسَنَها، ناداها، والتمس منها حمْل رسالته إلى محبوبته. ولأنه لا يزال واثقاً من احتفاظ تلك المحبوبة بتفاصيل تجربتهما، وأنها لا تزال تُكنّ له المشاعر التي تليق بحبّهما، وأن خبر موته سيهدّ حياتها، التمس من الريح أن تخبرها بأنه مشارف على الموت:
لا يشرب الماءْ، ولا يأكلْ مِن الزادْ قوتْ
ما قوتهْ إلّا زبيبةْ تعتقهْ لا يموتْ
فالامتناع عن شرب الماء خطر يهدد وظائف الجسد الحيوية، ومثله الامتناع عن الأكل. لذلك أرفق المحبوب هاتين الحالين برسالته إلى الحبيبة، تفسيراً لحديثه إليها عن اقترابه من الموت.
"يمرض مرض قلب أمّا الموت ما حد يموت" تختصر المفارقة الكبرى في الأغنية: الحزن يفتك بالعاشق حتى يبدو أقرب إلى الموت، لكنه يظل حيّاً ليواصل عذابه.
كما يضيف إلى ذلك رداً استباقياً عن تساؤلٍ، يمكن أن تستفسر فيه عن كيفية استمرار حياته، ما دام ممتنعاً عن الطعام والشراب. إذ يأتي الرد منه إشارة إلى أنه مكتف بأكل الزبيب، الذي يقال عنه إن من خصائصه إمكانية الاكتفاء به للمحافظة على حياة من يتناوله، مؤكّداً أنه يكتفي منه فقط بما يعمل على بقائه حياً، غير متجاوز أكل زبيبة واحدة، (تعتقه لا يموت) كلما استشعر اقتراب نهايته.
عذاب انتظار مفتوح
تمرّ الأيام، ثم الشهور والأعوام، والمُحب المغدور متشبّث بتلك العلاقة، غير شاكّ في إمكانية أن تفرط المحبوبة فيها، حتى وهي في حياة شخص آخر، لذلك عاش منتظراً رسالة منها:
بالله عليكْ يا مُوَزِّعْ، شيْ معانا بريدْ؟ [6]
بريدْ منْ عند خِلّي؟، أو قلبْ خِلّي حديد؟
تتجلّى هنا في سياق آلية المراسلات المفارقة بين حاله وحال محبوبته. إذ اتخذ هو من الريح وسيلة إرسالٍ إليها، لأنه ليس في مستطاعه أن يبعث إليها رسالة ورقية عبر البريد، خشيةً من أن تصل إلى زوجها، فتنكشف علاقتها معه. أمّا هي فبإمكانها فعل ذلك، لأن الرسالة ستصل مباشرة إلى عنوانه البريدي، ولن يفتحها غيره، لذلك ظل منتظراً وصولها، لكن انتظاره لم يلُح له أفق انتهاء:
مِن يومْ لا عامْ، وانا منتظرْ للجوابْ!
ولا صَدرْ شيْ، ولا حتى شويّة عتابْ!
لم يتخلّ عن أمل وصول رسالة منها إليه، فهو في أمس الحاجة إلى ما يواسي به نفسه، في أمس الحاجة إلى أيّ شيء يمكن أن يأتي منها، حتى لو ضمّنت رسالتها عتاباً له، على أنه هو الأجدر بأن يُعاتِب، لا أن يُعاتَب.
ظلّ العاشق، بعد مرور الأيام والأعوام، متشبثاً بحبّه الأول، كأن الزمن كلّه عجز عن إطفاء شوقه أو إقناعه بأن الحكاية انتهت.
لقد استوعبتْ هذه الأغنية حالَ حبيب مغدورٍ، في مناسبة زفاف لفتاة قلبه إلى سواه، من خلال نسق من التصاعد في تراتبية مضامينها: بدءاً من لحظة وصول الخبر إليه، مروراً بتداعيات المناسبة في حياته، واستمراراً في السنوات التالية لها. إذ لم تفتر حرارة مشاعره وحُبّه لمحبوبته، ولم ينطفئ شوقه إلى أيّ شيء يمكن أن يرد منها إليه.
[1] كلمات هذه الأغنية من التراث اليمني، وألحان أحمد غبيش.
[2] "ما حْدْ": لا أحد.
[3] "الجعود": الشعر.
[4] "شلّوه": خذوا واحملوا.
[5] "شايموت": سيموت.
[6] "معانا": معنا. شيْ معانا بريد": هل وصل بريد باسمنا. والموزّع هو الشخص الذي كان يعمل في مهنة إيصال الرسائل إلى عناوينها المنزلية.



