"مرتفعات ماتشو بيتشو" لبابلو نيرودا.. بلغة المسيح
كتاب "مرتفعات ماتشو بيتشو"، يشكّل إحدى قمم الشعر العالمي في القرن العشرين؛ إذ إنه ليس مجرّد احتفاء بموقع أثري مهيب في جبال الأنديز، بل هو نشيد كوني للإنسان المقهور، ومرثية حضارية، وبيان شعري ضد النسيان.
-
"مرتفعات ماتشو بيتشو" لبابلو نيرودا.. بلغة المسيح
يبلغ بابلو نيرودا في كتابه "مرتفعات ماتشو بيتشو" ذروة نضجه الشعري والفكري؛ حيث تتكثّف تجرِبته الإنسانية، وتبلغ رؤيته التاريخية أقصى درجات التوتر الجمالي بين الأسطورة والواقع، بين الفرد والجماعة، وبين الخراب والبعث.
هذا الكتاب، الصادر حديثاً عن دار "دلمون الجديدة"، يشكّل إحدى قمم الشعر العالمي في القرن العشرين؛ إذ إنه ليس مجرّد احتفاء بموقع أثري مهيب في جبال الأنديز، بل هو نشيد كوني للإنسان المقهور، ومرثية حضارية، وبيان شعري ضد النسيان.
ويعزز من هذه الرؤية ترجمة هذا النص الشعري البليغ إلى اللغة الآرامية (لغة المسيح)، لتتوحد فيها الصرخة الإنسانية التي أشار إليها المترجم جورج مخائيل زعرور حين قال في مقدمته:
"هنا تتوحد صرختي مع صرخة الشاعر نيرودا في قصيدتي: 'معلولا يا مملكة السماء لماذا أحرقوكِ؟' لأسمع الشاعر التشيلي يقول: "ماتشو بيتشو لماذا نهبوكِ؟'".
تجربة وجودية
ينطلق نيرودا في هذا العمل من تجربة مكانية ــ وجودية: الصعود إلى "ماتشو بيتشو"، المدينة الحجرية المعلّقة بين السماء والسحاب، لكن هذا الصعود لا يلبث أن يتحوّل إلى حركة معاكسة في العمق؛ نزول إلى طبقات التاريخ المنسي للبشر، وإلى العظام المجهولة التي شُيّد فوقها ذاك المجد الصامت.
هنا تتكشّف عبقرية نيرودا في تحويل الجغرافيا إلى ميتافيزيقا، وفي الوقت ذاته الارتقاء بالمكان إلى سؤال أخلاقي. فالأحجار، في قصائده، لا تصمت، بل تتكلم بلسان الذين سحقهم العمل القسري، وماتوا بلا أسماء، ومن دون شواهد.
في مقدمته الشهيرة للكتاب، يلتقط ماريو فارغاس يوسا جوهر هذا المشروع الشعري حين يرى أن "مرتفعات ماتشو بيتشو" ليست توصيفاً شعرياً لموقع أثري بقدر ما هي إعادة كتابة للتاريخ من وجهة نظر الضحايا. يوسا، بعين الروائي والناقد، يلفت إلى أن نيرودا ينجح في نقل الشعر من أفق الغنائية الذاتية إلى أفق الملحمة الإنسانية، حيث يصبح الشاعر وسيطاً بين الماضي والحاضر، بين الصمت والكلام.
إن نيرودا، كما يراه يوسا، لا يتأمل الأطلال بوصفها بقايا حضارة منتهية، بل يستنطقها بوصفها دليلاً على استمرار الظلم، وعلى قابلية الزمن لأن يعيد إنتاج مآسيه بأشكال جديدة.
من الناحية البنيوية، يقوم هذا النص الشعري على تصاعد درامي واضح: من الانبهار الأولي بعظمة المكان، إلى التساؤل عن صانعيه، ثم إلى النداء الشهير الذي يخاطب فيه نيرودا "الإنسان المجهول"؛ حيث تتحوّل القصيدة إلى خطاب أخلاقي صريح:
أعِيدي إليَّ العبدَ الذي دفنتِه!
انفضي من هذه الأنحاء خبز الفقراء القديد،
أريني ثيابَ القنِ ونافذته.
أخبريني كيف كان ينام وهو حي.
أخبريني هل كان حلمه خشناً، فاغراً،
كفجوة سوداء أحدثها التَّعب في الجدار.
أخلاقية الشعر
في هذا النداء تتجلّى أخلاقية الشعر النيرودي، حيث يتحوّل الصوت الشعري إلى صوت جمعي، ويغدو الشاعر أشبه برائي يستدعي الموتى ليشهدوا على الحاضر. وذلك بلغة كثيفة جداً مشحونة بالصور الكونية، تتداخل فيها عناصر الطبيعة كالحجر، والماء، والريح، والعلوّ، مع مفردات الجسد، والعمل، والدم، والموت، في توليفة جمالية تعكس وحدة المصير الإنساني.
ذلك ما علَّق عليه يوسا بالقول: "نيرودا حوّل الشعر إلى وسيلة لاستعادة صوت الذين حُرموا من الكلام، وجعل من القصيدة أداة ذاكرة جماعية". ومن يقرأ هذا المقطع سيستمع إلى تلك الصرخة:
أصابعك أيضاً،
تلك التي حوَّلتها الوردة المجرَّدة وخطّ البرد،
تلك التي حوَّلها النَّهدُ المُدمَّى للذرة الغضة
إلى نسيج للمادة الناصعة، إلى فجواتٍ صلبة،
وأيضاً، أيضاً، يا أمريكا الدفينة،
هل حفظتِ الجوعَ في العُمقِ السحيقِ،
في الأحشاءِ المُرَّة، مثلَ نسر؟
نشيد واحتجاج
جماليات الكتاب لا تكمن فقط في فخامته اللغوية أو في صوره المدهشة، بل في قدرته على الجمع بين النشيد والاحتجاج، بين الغنائية والرؤية السياسية. فـ "مرتفعات ماتشو بيتشو" تمثّل لحظة مفصلية في شعر نيرودا، حيث يكتمل انتقاله من شاعر الحب والطبيعة إلى شاعر التاريخ والالتزام؛ غير أن هذا الالتزام لا يأتي في صيغة خطاب مباشر أو شعاراتي، بل يتجسّد في بناء شعري رمزي عميق، يراهن على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الأسطورة أكثر من التقرير.
في ضوء هذا كله، تكتسب ترجمة هذا العمل إلى اللغة الآرامية، للمرة الأولى، دلالة ثقافية وحضارية استثنائية. فالآرامية، بوصفها واحدة من أقدم اللغات الحيّة في التاريخ، وكونها لغة روحية وحضارية بامتياز، تفتح أمام نص نيرودا أفقاً جديداً من التلقي.
إن نقل "مرتفعات ماتشو بيتشو" إلى الآرامية ليس مجرّد فعل لغوي، بل هو حوار عابر للعصور بين حضارتين عريقتين: حضارة الأنديز المنسية، وحضارة المشرق القديمة. وفي هذا اللقاء، تتقاطع ذاكرة الاضطهاد مع ذاكرة الصمود، ويجد الإنسان المجهول في جبال البيرو صدى لصوته في لغاتٍ حملت بدورها تاريخاً طويلاً من الألم والبقاء.
وهو ما أشار إليه مُعدّ هذا الكتاب باتريسيو بريكلي بقوله: "هذا الكتاب يُعد عملاً فريداً من نوعه في التاريخ، وهو مساهمة كبيرة في الحفاظ على اللغة الآرامية، فضلاً عن أنه صدر في الذكرى السنوية المائة والعشرين لميلاد نيرودا".
الترجمة كمقاومة ثقافية
تكمن أهمية هذه الترجمة أيضاً في بعدها الرمزي؛ فهي تعيد الاعتبار لدور الترجمة بوصفها فعلاً إبداعياً، ومقاومة ثقافية ضد الانغلاق والتهميش. فالآرامية، التي كادت تُحاصر في نطاق طقسي أو تراثي ضيق، تستعيد عبر هذا العمل قدرتها على احتضان نصوص كونية كبرى، وعلى التعبير عن قضايا إنسانية معاصرة. وهنا يصبح نيرودا، بلغة أخرى وزمن آخر، جزءاً من نهر طويل من الأصوات التي دافعت عن الإنسان في وجه القهر.
كما أن إعادة قراءة هذا النص الشعري العظيم اليوم، في عالم مثقل بالحروب واللامساواة، تعيد إلى الأذهان أن الشعر لا يزال قادراً على أن يكون فعلاً معرفياً وأخلاقياً في آن. وهذا ما وعاه فارغاس يوسا حين رأى في هذا الكتاب أحد النصوص المؤسسة للوعي الأدبي في أميركا اللاتينية الحديثة، ونقطة تلاقٍ نادرة بين الجمال والعدالة.
أما ترجمته إلى الآرامية، فهي تضيف طبقة جديدة من المعنى، وتؤكد أن النصوص العظيمة لا تنتمي إلى لغة واحدة أو ثقافة بعينها، بل إلى الإنسان حيثما كان.
ولعل ذلك من أهم الأسباب التي جعلت من "مرتفعات ماتشو بيتشو" عملاً يتجاوز زمنه ومكانه؛ كما أنه يبقى متاحاً لقراءات لا تنتهي. فرغم كونه كتاباً عن الماضي، لكنه موجّه باستمرار إلى الحاضر، وفي الوقت ذاته ممتلئ بنداءات للمستقبل.
وحين يُقرأ اليوم بلغةٍ تعود جذورها إلى فجر الحضارة، فإن هذا النداء يكتسب عمقاً إضافياً، ويذكّرنا بأن الشعر، في جوهره، ذاكرة البشرية الحيّة، وضميرها الذي يرفض أن يصمت. أليس ذلك ما يؤكد عليه نيرودا في ختام نصه؟
ومن الأعماق فلتحدِّثوني بامتداد هذه الليلة الطويلة،
كما لو كنتُ مربوطاً إليكم بمرساة.
احكوا لي كلَّ شيء، سلسلةً سلسلة،
وحلقة حلقة، وخطوةً خطوة،
اشحذوا السكاكين التي تدَّخرونها،
اغرسوها في صدري وفي يدي،
كنهرٍ من الأشعة الصفراء،
كنهرٍ من النُّمور الدفينة،
ودعوني أنتحبُ، ساعاتٍ، أياماً، وسنيناً،
عصوراً عمياء، وقروناً كوكبية.
امنحوني النضال، والصلبَ، والبراكين.
لتتعلَّق أجسادُكم بي كأقطابٍ مغناطيسية.
تعالوا إلى عروقي وفمي.
تكلَّموا بكلماتي ودمي.