"كما روته النساء".. لكلّ موتٍ حكايته

الروائية عتاب تعيد حياكة ما بترته الحرب من حكايات كنوع من المقاومة. 

  • "كما روته النساء".. لكلّ موتٍ حكايته

"في طفولتي رأيت صياداً يذبح أحد عصافير الدوري بريشة من جناحه. جميع الكائنات الحُرَّة تُقتَلْ بالجزء الأكثر تمرُّداً منها.... بفكرتها" بهذه العبارة تُحدِّد السورية عتاب شبيب بوصلة روايتها التي حملت عنوان "كما روته النساء" والصادرة حديثاً عن دار الفكر العربي، إذ أعمَلَت سَرْدَها لالتقاط هشاشة الإنسان في قلب الحرب، وذلك عبر رؤية نسائية خالصة، حيث تتوالى الأصوات وتتقاطع الحكايات بين الماضي والحاضر، بين ذاكرة امرأة عجوز وفتاة موجوعة ومستقبل متعثّر يحاول التَّشكُّل وسط الركام. 

تتشابك الحكايات والسير الصغيرة لتعطي نصّاً كبيراً مفعماً بالحب، الخوف، الخسارة، والنجاة، نستعيد من خلالها مساحات سردية تركِّز على صوت المرأة وهي تبني ذاكرتها عن الحب، الحرب، وأيضاً كيف ترسم ذاكرة الجسد، وذاكرة الحياة اليومية التي تعصرها القذائف لكن لا تخنقها.

قبو وسطح

تنبنّى الرواية وفق خطين زمنيين رئيسيين: الحاضر المشتعل بالحرب، حيث تعيش نادية المصوّرة الشابة وفق هواها من دون أيّ ميل سياسي تجاه الطرفين المتصارعين، وتعمل على توثيق الانتهاكات جميعها، وبيعها للقنوات الإعلامية، تحت مسمَّى "عدسة محايدة"، لكنّ وشاية زميلها عاطف أجبرتها على اللجوء إلى الخيّاطة فيوليت إحدى صديقات عائلتها، التي تعيش ضمن حيّ لم يلبث أن خضع لحصار عسكري خانق، حينها ينفتح السرد على التاريخ العاطفي لتلك الخيّاطة المُسنّة، وتتوهّج المقارنة بين جيلين عايشا مظالم الأيام كلٌّ على طريقته، وكلّ ذلك ضمن مساحة تخييليّة قائمة على حميمية البيت بين قبوه وسطحه، بحيث يتحوّل هو الآخر إلى مرآة تعكس ماضي فيوليت وحاضر نادية، بحيث يتعزّز الخط الزمني الآخر المتعلِّق باستعادة فيوليت قصة حبِّها مع الكاتب روبير الذي عاش معها زمناً من الشغف الفكري والعاطفي قبل أن ينتهي مقتولاً في حريق دار نشره عام 1974.

يتشابك الخطان من خلال جلسات القراءة التي تجمع نادية وفيوليت، حيث تقرأ نادية رواية روبير "جرائم لم يصدر الحكم بها"، فتتداخل الحكاية المكتوبة بحكاية الحياة نفسها، ويصبح القبو الذي تلجأ إليه الشخصيتان مسرحاً سرّياً للحكايات: القبو الذي احتمتا فيه من القصف، والقبو الذي خبّأت فيه فيوليت ذكرياتٍ لم تبح بها لأحد من قبل، وبعد الخذلان المهني الذي تعرّضت له نادية نتيجة سرقة زميلها لعملها وصورها وصفحتها على الفيسبوك، تتضاعف خيبات الحاضر وتتناسل مثل خيبات الخيّاطة العجوز، ويتحوّل اشتباك الماضي بالحاضر إلى آلية تقاوم بها الشخصيتان الانهيار.

قصة داخل قصة

تعتمد الرواية بناءً فسيفسائياً، قطع صغيرة تُروى على شكل مقاطع تتناوب بين السرد الخارجي والحوار وتأمّلات داخلية تقترب من محاولات الاعتراف، بحيث لا تتقدّم الأحداث بخطّ مستقيم، بل عبر انقطاعات متتالية تشبه إلى حدّ بعيد انقطاعات الحياة اليومية في الحرب، وفيها يتشظّى الزمن بحيث أنّ كلّ فصل قد يبدأ بفكرة فلسفية، وينتهي بصورة من الركام، ويمرّ في الوسط على ذكرى بعيدة من زمن الحب، بحيث إنّ الروائية عتاب تعيد حياكة ما بترته الحرب من حكايات كنوع من المقاومة. 

كما تستخدم الرواية تقنية القصة داخل القصة بمهارة عالية: نادية تقرأ رواية روبير، فتتحوّل القراءة إلى بوابة تفتح ماضياً كاملاً عاشته فيوليت. لكنّ الحدث الرئيسي ليس ما تقرؤه نادية، بل ما تعيشه الآن مع فيوليت عبر القراءة وأيضاً من خلال سعيها لتجاوز خيباتها المهنية بكتابة روايتها الخاصة وصناعة فيلمها عن يوميات الحرب بالمواءمة المُبْهِرة بين شخصيات لا تتطوّر فقط عبر أفعالها، بل عبر الحكايات التي تحكيها أو تُحكى عنها، ولا سيما القصة الشخصية لنادية التي تُجسِّد الحاضر الممزّق لجيل شاب وجد نفسه محاصراً بين طموحات شخصية كبيرة وواقع سياسي عسكري ينسف أيّ إمكانية للحياة، فهي مصوّرة، لكنّ كاميرتها نفسها تتحوّل إلى خطر، لأنّ توثيقها الحقيقة يجعلها مطاردة، وسرقة صورها تفرغ مهنتها من العدالة، وفي مواجهة ذلك تسعى لاستغلال ذكائها وإمكانياتها في الكتابة والتصوير لإعادة رسم ملامح المستقبل والسعي لإزالة ما يكتنفه من غموض، مستفيدةً من قوتها الداخلية وشجاعتها الطفولية وأيضاً من حكمة فيوليت وغضبها من ماضيها، ولا سيما أنّ الخيّاطة عاشت حياتها في ظلّ ذكرى حبّ كبير لم يغادرها، واستطاعت أن تحوِّله برؤيتها العميقة للحياة إلى نور شحيح لكنه يظلّ قادراً على إنارة العتمة، وهو ما تسعى لأن تنقله إلى صديقتها الشابة، بأن تجعلها تتصالح مع قدرها، وأن تنتقم من انكساراتها وخساراتها بالنجاح لا بالعنف، وبالحب لا بالكراهية. 

وبين الحكايتين تُطلّ شخصيّة روبير عبر ذاكرة فيوليت وكتاباته، ليتحوّل إلى رمز للرجل المثقّف الذي طاردته النار أكثر مما طاردته السياسة، ويظلّ وجوده في الرواية حاضراً مثل ظلّ طويل على الجدار: جميل، مؤلم، وغير مكتمل. 

نساء مُحاصَرات

بينما تبرز شخصية سلمى كوجه آخر للحرية الموءودة، فرغم جمالها الباهر إلا أنها محاصرة ضمن زواج خانق وتحت هيمنة سلطة زوجها الطبيب المشهور المنتمي لعائلة لها سطوتها الاجتماعية الكبيرة على مفاصل المدينة، بحيث أنّ وجود سلمى في الرواية يعمّق الفكرة المركزية بأنّ النساء جميعهن مُحاصَرات، سواء بالقصف أو بالزواج أو بالذكريات، مع فارق أنّ تلك السيدة الجميلة لم تستطع التَّحرُّر إلا من خلال انفصام شخصيتها، ورغم سيطرتها في النهاية عليه بعد استعادتها لحُبّ زوجها، إلّا أنّ تسمُّم حَمْلِها أودى بها إلى التهلكة، ولم يستطع فرحها بالحب الذي جمع أخاها سامي بنجاح وهربهما إلى اليونان درء موتها.  

في حين أنّ شخصية معلّم الموسيقى صفوان والذي سيصبح حبيباً لنادية على أطراف المقبرة وضمن مقامات الهروب والنزوح، فهو نبش في طبقات الحياة زمن الحرب، من أجل إنعاش الأمل بأنّ هناك شيء قد ينقذ ما تبقّى من إنسانيتنا المتهالكة، بحيث أنه يقف كرمز للأمل في مشهد معتم، يزيد قتامته الكدمات التي يتعرَّض لها من عقب بندقية أحد المسلحين حين محاولته الدّفاع عن الحقّ، في فعل يماثل ما قامت به نادية في منزل فيوليت عندما سيطر على جزء منه مسلحون جرحى. 

قُتِلَت بفكرتها؟

هذه الخطوط السردية لا تلتقي معاً، لكنها تتجاور مثل طبقات مدينة مدمّرة: كلّ واحدة تحمل تاريخها، واجتماعها معاً يصنع المعنى، ضمن نوع من المونتاج السينمائي الذي يؤثر تأكيد أهمية الذاكرة الأنثوية في الحرب، مانحاً البطولة لنساء خائفات، منهكات، لكنهنّ يتشبّثن بالحياة بأظافر خفيفة، ليصبح اختفاء نادية في نهاية الرواية بمثابة سؤال مفتوح: هل الحرب تبتلع الأكثر جرأة؟ أم الأكثر صدقاً؟ أم أنّ الحرب لا تختار ضحاياها؟ أم أنّ نادية قُتِلَت بفكرتها كما جاء في عبارة عتاب الافتتاحية. الرواية لا تجيب، بل تترك للقارئ أن يكتب النهاية التي يشتهيها أو يفكّر فيها، خاصةً أنّ بطلة الرواية كانت على مسافة من إنهاء حصارها داخل ذاك الحيّ بتسوية تتيح لها الخلاص الفردي، ولو كان مؤقتاً، ولا سيما أنّ صديقها الذي يعيش في فرنسا صار يمتلك فيلمها وسيسعى لمساعدتها في أن تسافر إليه، أي أصبح بإمكانها أن تهرب "خارج الورطة الدموية التي أصبحها الوطن".

"كما روته النساء" لا تبحث عن نهاية سعيدة، ولا عن خلاص كامل، لكنها تقدّم رؤية عميقة عن معنى النجاة، وعن قدرة النساء على حمل الحكايات المتكسّرة وإعادة ترتيبها بخيطٍ وإبرة، أو بكاميرا، أو بموسيقى، أو بمجرّد البقاء على قيد الأمل، ولإيمان عتاب بأنّ "لكلّ موت حكايته" فإنّ روايتها هذه آثرت أن تكون وثيقة وجدانية ومرآة لزمن فقدنا فيه القدرة على السرد المتواصل، لكننا مع كلّ صوت أنثوي في الرواية نحسّ بأنّ هناك شيئاً صغيراً يلمع في هذه الحياة، يمكن أن يكون هو الحياة بأسرها. 

اخترنا لك