"قانون ماكرون"... هل تستعيد مصر جزءاً من إرثها المنهوب؟
هل يفتح القانون الفرنسي الجديد باباً أمام مصر لاستعادة آثارها، أم أنه يضع شروطاً تجعل الاسترداد شبه مستحيل؟
في 28 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2017، وقف الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمام طلاب جامعة واغادوغو في بوركينا فاسو، معلناً أنه "لا يمكن للتراث الأفريقي أن يبقى سجيناً في المتاحف الأوروبية"، متعهداً بتهيئة الشروط اللازمة لإعادة هذا التراث إلى بلدان القارة، سواء بصورة مؤقتة أو دائمة.
بدا الخطاب حينها أقرب إلى محاولة فرنسية لإعادة صياغة العلاقة مع أفريقيا، خاصة أن فرنسا تحتفظ داخل متاحفها ومؤسساتها الثقافية بعشرات الآلاف من القطع الأثرية القادمة من مستعمراتها السابقة.
وبعد أكثر من 8 سنوات تحوّل هذا التعهد، إلى القانون الفرنسي رقم 2026-351 الصادر في 9 أيار/مايو 2026، ليضع إطاراً رسمياً لإعادة بعض الممتلكات الثقافية التي تعرضت لاستحواذ غير مشروع، بما في ذلك السرقة أو النهب أو التنازل تحت الإكراه أو العنف. وينص القانون على أن الاسترداد يخص الممتلكات التي خرجت بين 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1815 و23 نيسان/أبريل 1972 بصورة عامة.
ورغم أن القانون قُدّم باعتباره تحولاً تاريخياً في تعامل باريس مع ملف الآثار المنهوبة، فإن تفاصيله تفتح نقاشاً واسعاً حول حدوده الفعلية، خصوصاً بالنسبة إلى مصر، التي تشير تقديرات إلى وجود آلاف القطع الأثرية المصرية داخل فرنسا.
إذ بين قصر تطبيق القانون على فترة تاريخية محددة، وشرعية بعض الإهداءات الرسمية، ونظام تقاسم الحفائر الذي ساد خلال الحقبة الاستعمارية، تبدو الطريق أمام استعادة الآثار المصرية أكثر تعقيداً مما توحي به اللغة الحقوقية المصاحبة للقانون الفرنسي الجديد.
اعتذار ثقافي أم حماية للمقتنيات الاستعمارية؟
-
الحملة الفرنسية على مصر بقيادة بونابرت (ليون كونييه)
يستهدف القانون الفرنسي الممتلكات الثقافية التي خرجت من بلدانها الأصلية خلال الفترة الممتدة بين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1815 و23 أبريل/نيسان 1972، أي منذ المرحلة التي أعقبت الحروب النابليونية وحتى عشية دخول اتفاقية "اليونيسكو" لعام 1970 بشأن حظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة حيز التنفيذ.
وبحسب الصيغة التي أقرها البرلمان الفرنسي، فإن عمليات الرد لم تعد تحتاج بالضرورة إلى قانون مستقل لكل قطعة أثرية، إذ يمكن أن تتم عبر مرسوم يصدر عن مجلس الدولة الفرنسي، بعد دراسة الطلب من لجنة علمية مشتركة، ثم صدور رأي علني ومعلل من اللجنة الوطنية المختصة برد الممتلكات الثقافية.
كما يُلزم القانون المتاحف والمؤسسات الفرنسية بالبحث في أصول المقتنيات وتوثيق تاريخ اقتنائها، وتحديد ما إذا كانت قد انتُزعت في ظروف غير مشروعة أو قسرية.
تبدو المعركة طويلة ومعقدة. فالقانون الفرنسي، رغم تقديمه باعتباره خطوة تصالحية مع الموروث الاستعماري، لا يمس تلقائياً البنية الكبرى للمجموعات المصرية داخل فرنسا، والتي تراكمت عبر قرنين من الاستكشافات والبعثات والحملات العسكرية والاتفاقات السياسية.
لكن القانون يضع في الوقت نفسه مجموعة من القيود التي تحد من نطاق تطبيقه، أبرزها: حصر الاسترداد في القطع الخارجة بين 1815 و1972، وقصر طلبات الاسترداد على الدول فقط، واستثناء القطع التي شملتها اتفاقيات دولية سابقة أبرمتها فرنسا، وكذلك القطع الأثرية التي خرجت في إطار تقاسم الحفائر أو تبادل منتجات الحفائر لأغراض الدراسة العلمية.
وتكشف هذه الشروط عن معضلة مصرية مبكرة، إذ إن جزءاً مهماً من الآثار التي خرجت إلى فرنسا تم خلال الحملة الفرنسية على مصر بين 1798 و1801، أي قبل الفترة الزمنية التي يغطيها القانون.
"متحف مصري" في قلب "اللوفر"
-
تمثال الكاتب الجالس
تُعد فرنسا واحدة من أكبر الدول الأوروبية احتفاظاً بالآثار المصرية، حيث يضم متحف "اللوفر" في باريس وحده 19 قاعة مخصصة للآثار المصرية، تحتوي على آلاف القطع التي تمتد من العصور الفرعونية وحتى العصر القبطي.
ومن أبرز القطع المصرية الموجودة في فرنسا: تمثال الكاتب الجالس الشهير، ومقتنيات السيرابيوم المكتشفة في سقارة عام 1851، ونصوص ولوحات مرتبطة بعبادة أوزوريس، وتماثيل للإله بتاح، وتماثيل رمسيس الثاني وإخناتون وأمنحتب، إلى جانب مسلة الأقصر الموجودة في ميدان الكونكورد، وزودياك دندرة، وهو واحد من أكثر الأمثلة تعقيداً في ملف الاسترداد.
هذه "الشرعية" لا يمكن فصلها عن السياق الاستعماري والسياسي الذي كانت تعيشه مصر، ففي عهد الخديوي إسماعيل، سُمح بتقاسم مكتشفات الحفائر الأثرية بين الحكومة المصرية والبعثات الأجنبية بنسبة النصف، واستمر هذا النظام حتى صدور قانون 1912.
وعلى الرغم من خروجه من مصر خلال الفترة الزمنية التي يغطيها القانون، فإن زودياك دندرة نُقل إلى فرنسا في سياق قانوني وسياسي شديد الالتباس، إذ يذكر سجل متحف "اللوفر" أنه استُخرج من معبد دندرة في نيسان/أبريل وأيار/مايو 1821، بموجب إذن من محمد علي باشا، ثم غادر الإسكندرية في تموز/يوليو عام 1821، ووصل إلى فرنسا قبل أن يشتريه الملك لويس الــ 18 في نيسان/أبريل عام 1822. ولذلك فإن المطالبة به ستكون صعبة ومعقدة لأن فرنسا ستستند إلى وجود إذن رسمي.
الإهداءات الاستعمارية.. شرعية قانونية أم غطاء سياسي؟
-
زودياك دندرة
واحدة من أكثر النقاط المثيرة للجدل تتعلق بمسألة الإهداءات الرسمية التي حصلت عليها فرنسا من حكام مصر خلال القرن الــ 19 وبدايات القرن الــ 20. ذلك أن القانون الفرنسي لا يغلق الباب تماماً أمام مناقشة الهبات والتنازلات، لكنه يشترط أن يثبت أنها تمت تحت الإكراه أو العنف، أو صدرت من جهة لا تملك حق التصرف في القطعة.
كما يستبعد القانون القطع التي خضعت لاتفاقيات دولية سابقة مع فرنسا، أو خرجت ضمن نظام تقاسم الحفائر أو تبادل منتجاتها لأغراض علمية.
ومع ذلك، فإن هذه "الشرعية" لا يمكن فصلها عن السياق الاستعماري والسياسي الذي كانت تعيشه مصر، ففي عهد الخديوي إسماعيل، سُمح بتقاسم مكتشفات الحفائر الأثرية بين الحكومة المصرية والبعثات الأجنبية بنسبة النصف، واستمر هذا النظام حتى صدور قانون 1912.
وعليه، فإن نجاح مصر في استرداد أي آثار من فرنسا لن يعتمد على النصوص القانونية وحدها، بل على القدرة السياسية والدبلوماسية على تحويل القانون إلى أداة تفاوض فعالة.
بين قصر تطبيق القانون على فترة تاريخية محددة، وشرعية بعض الإهداءات الرسمية، ونظام تقاسم الحفائر الذي ساد خلال الحقبة الاستعمارية، تبدو الطريق أمام استعادة الآثار المصرية أكثر تعقيداً مما توحي به اللغة الحقوقية المصاحبة للقانون الفرنسي الجديد.
وقد يمنح وجود خالد العناني، وزير السياحة والآثار المصري السابق، على رأس منظمة "اليونيسكو"، القاهرة، مساحة إضافية لدعم مطالبها دبلوماسياً ومعنوياً داخل المؤسسات الثقافية الدولية.
لكن حتى مع ذلك، تبدو المعركة طويلة ومعقدة. فالقانون الفرنسي، رغم تقديمه باعتباره خطوة تصالحية مع الموروث الاستعماري، لا يمس تلقائياً البنية الكبرى للمجموعات المصرية داخل فرنسا، والتي تراكمت عبر قرنين من الاستكشافات والبعثات والحملات العسكرية والاتفاقات السياسية.
كما أن اشتراط تقديم طلبات الاسترداد عبر الدول فقط، يغلق الباب أمام أي تحركات مستقلة من باحثين أو مؤسسات مدنية أو مجموعات مهتمة بالتراث، إلا إذا تحولت هذه التحركات إلى ضغط عام يدفع الحكومة المصرية إلى تقديم طلب رسمي.
في هذا الخصوص قال مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، إن التفاؤل بإمكانية استرداد أعداد كبيرة من الآثار المصرية الموجودة في فرنسا قد يكون في غير موضعه، إلى حين صدور اللائحة التنفيذية للقانون الفرنسي الجديد، التي ستحدد آليات التعامل مع طلبات الاسترداد وشروطها التفصيلية.
-
قطعة من السيرابيوم في قسم الآثار المصرية في "اللوفر"
وأوضح شاكر في حديث مع "الميادين الثقافية"، أن مصر لم تكن ضمن المستعمرات الفرنسية، كما أن ملف الآثار المصرية في فرنسا يرتبط بتعقيدات قانونية وتاريخية متعددة، ما يجعل كل قطعة بحاجة إلى دراسة منفصلة لتحديد إمكانية المطالبة بها.
وأضاف الخبير الأثري أن "المعركة القانونية ستكون طويلة"، معرباً عن أمله في أن تتمكن مصر من استعادة بعض القطع البارزة، مثل زودياك دندرة أو تمثال الكاتب الجالس أو مقتنيات السيرابيوم أو وثائق الجامع الأزهر، معتبراً أن استرداد أي من هذه القطع سيمثل "خطوة مهمة تُحسب لهذا القانون".
وأشار شاكر إلى أن تحديد القانون الفرنسي للفترة الزمنية لم يأتِ بصورة اعتباطية، موضحاً أن عام 1815 يتزامن مع نهاية الحروب النابليونية، وهو ما يعني استبعاد عدد كبير من المقتنيات التي استولى عليها الجيش الفرنسي خلال حملاته العسكرية، بينما يرتبط عام 1972 بدخول اتفاقية "اليونيسكو" الخاصة بحظر الاستيراد والتصدير ونقل الملكية غير المشروع للممتلكات الثقافية حيز التنفيذ.
رغم أن القانون قُدّم باعتباره تحولاً تاريخياً في تعامل باريس مع ملف الآثار المنهوبة، فإن تفاصيله تفتح نقاشاً واسعاً حول حدوده الفعلية، خصوصاً بالنسبة إلى مصر، التي تشير تقديرات إلى وجود آلاف القطع الأثرية المصرية داخل فرنسا.
وبيَّن شاكر أن صعوبة الموقف المصري تعود أيضاً إلى طبيعة الطرق التي خرجت بها الآثار إلى فرنسا، مشيراً إلى أن جانباً منها خرج عبر البيع، في وقت كانت تجارة الآثار مشروعة قبل صدور قانون 117 لسنة 1983، فيما خرجت قطع أخرى عبر نظام القسمة بين البعثات الأجنبية والحكومة المصرية، أو من خلال الإهداءات الرسمية التي قدمها حكام مصر منذ عهد محمد علي.
ولفت إلى أن القانون الفرنسي وضع شروطاً إضافية تُعقّد عملية الاسترداد، من بينها اشتراط أن تكون المطالبة مقدمة من الدولة نفسها، إلى جانب ضرورة إثبات أن القطعة خرجت عبر السرقة أو النهب أو في ظروف قسرية، أو الطعن في شرعية بعض التنازلات والهبات إذا ثبت أنها تمت تحت الإكراه أو العنف، أو صدرت من جهة لا تملك حق التصرف.
ورغم ذلك، اعتبر شاكر أن القانون الجديد يمثل تحولاً مهماً مقارنة بالماضي، حيث كانت فرنسا والدول الأوروبية بصفة عامة تعتبر هذه الآثار ممتلكات عامة لا يمكن التصرف فيها، وكانت عملية الاسترداد تتطلب صدور قرار مستقل لكل قطعة من برلمان الدولة الأوروبية، ما جعل الأمر أكثر تعقيداً.
وأضاف شاكر أن أهمية القانون لا تتوقف عند فرنسا فقط، فقد يدفع هذا المنحى دولاً أوروبية أخرى، مثل بريطانيا وألمانيا، إلى تبنّي مقاربات مشابهة في التعامل مع ملف الآثار المنهوبة، داعياً إلى تفعيل اللجنة الوطنية لاسترداد الآثار وتوسيع عضويتها، عبر ضم ممثلين عن وزارة الخارجية وإدارة الآثار المستردة بوزارة السياحة والآثار، بما يعزز من قدرة مصر على إدارة الملفات القانونية والدبلوماسية المرتبطة باستعادة آثارها.
ورأى الخبير الأثري أن الفرصة الأكبر أمام مصر قد تكون في المطالبة باسترداد زودياك دندرة، خاصة وأن عملية انتزاعه من المعبد تمت بطريقة عنيفة قبل نقله إلى فرنسا عام 1821، لكنه أشار في المقابل إلى أن ضعف تنظيم الأرشيف المصري وكون جزء كبير منه ما يزال ورقياً يمثل تحدياً إضافياً أمام جهود التوثيق وإثبات الملكية التاريخية.
