"عالمات أوروبيات في الكيمياء"

يُعدّ هذا الكتاب مرجعًا تاريخيًّا علميًّا يوثق لأعظم العالمات في الكيمياء في أوروبا؛ حيث يسرد التاريخ العلمي والاجتماعي والحقبة السياسية التي كانت تسود آنذاك.

  • "عالمات أوروبيات في الكيمياء"

"عندما أراكِ؛ أبجلكِ، وأبجل تفكيركِ؛ لأني أرى فيكِ بيت البتول السماوي، إنَّ أعمالكِ قد ارتفعت فعلاً إلى السماء؛ أيتها الجليلة هيباتيا، شرف الأحاديث والفكر أنتِ، نجمة التنشئة الحكيمة". الشاعر الإسكندري بالاداس (القرن الرابع قبل الميلاد)، يمدح عالمة الرياضيات والفلسفة والفلك هيباتيا.

مقدّمة 

كان الناس يعتقدون بأن العلم شيء يصلح للأقوياء العقلانيين، وهذا ينطبق على الرجال فقط؛ وبناءً على ذلك، اسْتُبْعِدَتِ النساءُ على نحوٍ منهجيٍّ من دراسة العلم الجاد، وخصوصًا علم الكيمياء؛ فكان عملهن يقتصر على تحضير العطور والسموم والمراهم، ومن ثمّ السحر والعرافة. وللأسف، لم يتغيّر هذا الموقف نحوهن في معظم البلدان الأوروبية إلا بعد عام 1960.

وبهذا الحراك الباراديغمي، تمت الموافقة على أن يكون عام 2011 هو الذكرى المئوية لمنح العالمة البولندية ماري كوري جائزة نوبل في الكيمياء، واعْتُبِرَ هذا العام مناسبة عظيمة ليكون العام الدولي للكيمياء، وألهمت هذه الذكرى فكرة العمل على كتاب يحكي سيرة عالمات أوروبيات عظيمات نشطن في تلك المهنة الصعبة.

في سياق التقصي بين ضفاف عقول هؤلاء النسوة، نلحظ جليًّا ما اكتشفْنَهُ من علوم طبية وفلكية وملاحية وبيولوجية وإشعاعية، وبالتالي تكريمهن على إبداعهن من خلال منحهن جوائز نوبل، أو إطلاق أسمائهن على حفر موجودة على القمر مثلاً، أو تقليدهن أوسمة شرف رفيعة المستوى؛ فمنهن من شاركت في مشروع منهاتن مثلاً، ولا توجد موسوعة علمية إلا وتحوي اسمها، إنها روزانا إليزابيث. ومنهن من نعيش بمشروعها؛ مشروع الطاقة الشمسية والكاميرا الكهربائية: ماري دي تلكس. إلى تلك التي وضّحت عمل عشرين مضادًّا حيويًّا عبر التصوير التفصيلي للريبوسومات -ولا يمكن لأي إنسان إلا وقد تناول مضادًّا حيويًّا من بحثها- إنها "عادا يونات". وإلى من اكتشفت فيتامين (B12) وعملت على هرمون الأنسولين، وبعد خمسة وثلاثين عامًا عُرِفَ الوزن الجزيئي الضخم لهذا الهرمون، إنها دوروثي هودجكين. وإلى العالمة ماريا ميتشل التي دُوّنَ اسمها على سفينة الحرب العالمية الثانية "ليبرتي"، وتَمّت تسمية حفرة على سطح القمر باسمها لاكتشافها مذنّبًا حمل الرمز (C/1847 T1). وإلى الأدميرال غريس موراي هوبر، عالمة الرياضيات التي تُلقّب بسيدة البرمجيات وعالمة الحاسوب في لواء البحرية الأميركية. وإلى أصغر رائدة فضاء بعمر اثنتين وثلاثين سنة: سالي كريستين. وكذلك العالمة آدا لوفلايس التي كُرّمت بإطلاق اسمها (آدا) على لغة الكمبيوتر. وتلك التي اكتشفت المورفين من نبات الخشخاش: إيلونا كاباي. وإلى من اكتشفت الشريط الوراثي (DNA): روزاليند فرانكلين.

يتناول الكتاب ما يقارب خمسًا وخمسين عالمة، سأقتطف منهن:

1- العالمة ماري لافوازيه: كلُّنا يعرف قانون العالم أنطوان لافوازيه - صاحب نظرية مصونية المادة - لكن القليل من الناس يعرفون أن ماري لافوازيه هي زوجة العالم أنطوان لافوازيه، وقدمت له المساعدة في كل التجارب التي قام بها أثناء حياته. عندما قامت الثورة الفرنسية، قُبِضَ على زوجها وصُودِرَتْ أملاكه ووُضِعَ في السجن، وخلال فترة سجنه عملت بلا كلل ولا ملل من أجل إطلاق سراحه، لكن دون جدوى؛ ففي 8 أيار وتحت حكم روبسبير (المحامي وعضو الجمعية الوطنية الفرنسية) تم إعدام أنطوان بالمقصلة، وكذلك والد ماري، وأُلْقِيَ القبضُ عليها أيضًا. لم يستطع أنطوان أن ينهي أعماله، لكن ماري أنهتها باسم "مذكرات في الكيمياء" باسم زوجها، ونشرت العمل ضمن مجلدين إلى جانب مقدمتها الأصلية، ووزّعت نسخًا منه مجانية على علماء فرنسيين معروفين. ومن اللافت للنظر أنه بعد وفاة لافوازيه، تقدم لخطبة ماري مؤسسُ المعهد الملكي لبريطانيا العظمى (رامفورد - بافاريا)، وبعد أربعة أعوام من التودد لها وزواجهما، أصرّت ماري على أن تُسمّى الكونتيسة لافوازيه - رامفورد.

2- مترجمة أعمال العالم نيوتن (المركيزة دو شاتوليه): كتب عنها ملك بروسيا فريدريك الثاني لفولتير: "إنّه من دواعي فخري واعتزازي أن تتذكرني إيميلي، وأرجو أن تتكرم بإخبارها أنني أُكِنُّ لها احترامًا شديدًا، وأنها بالنسبة إلى أوروبا كذلك تعني للرجال العظماء". إنها العالمة المركيزة دو شاتوليه التي ولدت في فرنسا، وتُعدّ من أشهر النساء العالمات في عصرها، وكان لها تأثير كبير على فولتير وأعماله بفضل ترجمتها كتاب "مبادئ الرياضيات في الفلسفة الطبيعية - برنسيبيا" لنيوتن، وإضافة تعليقاتها وشروحها الوافرة، وقد أثّرت تأثيرًا كبيرًا في تعريف الفرنسيين بأفكار نيوتن، وكذلك ترجمت له كتاب الأصول. أتقنت دو شاتوليه الإنكليزية واللاتينية والإيطالية، ودرست جون ميلتون "شاعر إيطاليا العظيم"، وترجمت الإلياذة، وكذلك درست الرياضيات والفلسفة الطبيعية بجدية. أنشأت العالمة مكتبة ضخمة ومختبرًا كامل التجهيز يحتوي على أفران ومضخات هواء وتلسكوب وميكروسكوب، وزارها في هذا المكان كبار علماء عصرها؛ من بينهم (بيير لوي مورو موبرتوي) أحد رواد الرياضيات والفلك في عصره. كتبت أول منشور لها بالسِّرّ عن طبيعة النار (1738)، وعندما كانت تشعر بالنعاس كانت تغمس يديها في ماء مثلج لتظل يقظة. شجّع فولتير إيميلي على ترجمة أعمال نيوتن، ونظرًا لأنها أرادت تعليم ابنها الفيزياء؛ كتبت دروسًا في الفيزياء عام 1740 لتعرّفه بها، لأنها وجدت في الكتب المعتادة لتدريس الفيزياء ما لا يتلاءم مع تطور العلوم، وأرادت أن تحتوي على أفكار حديثة تشتمل على نيوتن وليبنتز. اشتهرت في فرنسا بالرسائل التي تركتها بكتابها المعروف "أحاديث عن السعادة".

3- إيرين جوليو-كوري: إيرين جوليو - كوري هي ثاني امرأة بعد أمّها ماري تحصل على جائزة نوبل في الكيمياء. بيّنت هذه العالمة إنتاج نظيرٍ مشعٍّ عمره النصفي 3.4 ساعة عن طريق قصف اليورانيوم بالنيوترونات. فازت بجائزة نوبل بالمشاركة مع زوجها فريدريك جوليو (تلميذ العالمة ماري كوري) لتخليقهما عناصر مشعة جديدة، وأدّى اكتشافهما إلى إمكانية الحصول على نظائر مشعة على نطاق واسع في المجالات الطبية والبيولوجية، ومن دونها لم يكن للطب النووي أن يوجد. حصلت إيرين على وظيفتها الأولى في معهد الراديوم الذي أسسته أمها، وبقيت هناك طوال مسيرتها المهنية.

4- ماري سكلودوفسكا - كوري: إنها أشهر العالمات في العالم؛ لأنها الوحيدة بين النساء العالمات والرجال العلماء التي حصلت على جائزتي نوبل في الفيزياء والكيمياء معًا. يقول المؤلف: "على الرغم من أن ماري كوري كانت عضوًا في الأكاديمية السويدية والتشيكية والهولندية والفرنسية للعلوم، وعضوًا في العديد من الجمعيات العلمية المعتبرة الأخرى، فإن الأكاديمية الفرنسية للعلوم رفضت ترشيحها لعضويتها في كانون الثاني/ يناير من عام 1911، واستغرق الأمر طويلًا وبشكل مدهش حتى قُبلت عضوية أول سيدة في الأكاديمية الفرنسية للعلوم".

حصلت ماري كوري بالاشتراك مع زوجها بيير وهنري بيكريل على جائزة نوبل للفيزياء في عام 1903م تقديرًا للخدمات الهائلة التي قدموها بأبحاثهم المشتركة عن ظواهر الإشعاع التي اكتشفها العالم هنري بيكريل، وفي عام 1911 فازت بمفردها بجائزة نوبل في الكيمياء تقديرًا لخدماتها في تقدم الكيمياء باكتشاف عنصري الراديوم والبولونيوم، عن طريق عزل الراديوم ودراسة طبيعة هذا العنصر المميز ومركباته.

عندما قابلت ماري كوري بيير، كان رئيسًا لمعمل في مدرسة الفيزياء والكيمياء الصناعية حيث يتمرن المهندسون. في سنّ 21 عامًا اكتشف هو وأخوه جاك اكتشافًا مهمًّا جدًّا وهو "الكهرباء الضغطية"، واخترع الأخوان أيضًا "الميزان الكهروضغطي"، وهو أداة لعبت دورًا رئيسًا في اكتشافات العناصر المشعة اللاحقة. عندما غادر جاك عام 1883 ليصبح كبير محاضري علم التعدين بجامعة مونبلييه، تابع بيير بحث البلورات والخصائص المغناطيسية للأجسام في ما يتعلق بدرجة الحرارة، وأفضى ذلك إلى رسالة الدكتوراه الخاصة به، والتي احتوت على تقدير الصلة بين درجة الحرارة والمغناطيسية، وهو ما يُعرف اليوم بـ "قانون كوري". صارت ماري شريكته في العلم وفي الحياة، وتزوّجا في عام 1895، واتفقا على ألا تترك ماري العمل والتدريس أبدًا.

توفيت العالمة كوري في مصحّ بفرنسا من جراء إصابتها بسرطان الدم، وأصبحت ضحية لتعرّضها المتهور للراديوم والأشعة السينية. لم تعش لتعرف أن ابنتها إيرين وزوج ابنتها فريدريك جوليو تبعاها في الحصول على جائزة نوبل في الكيمياء في عام 1935، ولكنها شهدت اكتشافاتهما للنشاط الإشعاعي الاصطناعي.

وأخيرًا، يُعدّ هذا الكتاب مرجعًا تاريخيًّا علميًّا يوثق لأعظم العالمات في الكيمياء في أوروبا؛ حيث يسرد التاريخ العلمي والاجتماعي والحقبة السياسية التي كانت تسود آنذاك. في الحقيقة يشعر المرء بفخر عندما يدرس النضال العلمي الصرف للنساء العالمات في أحلك الظروف، وما تعرضن له من سلب حقهن العلمي وعدم الاعتراف به، لكن على الرغم من كل هذا فنحن ننعم بعطائهن: بالطب النووي، والتشخيص الإشعاعي، والفيتامينات، والأنسولين، والمورفين، والشريط الوراثي وأهميته في العصر الحالي كعلم جيني يبحث بأصول الشعوب والشيفرة الوراثية الكاملة التي تم فك شيفرتها في العصر الحالي. أتمنى أن يستمتع القارئ بكل هذا الفيض العلمي المشرف للعالمات.

اخترنا لك