"سامي هاني خواجة"... حياة الإنسان شريط سينمائي يمرّ أمامه لحظة احتضاره
رواية "سامي هاني خواجة"لم تكن الرواية الأولى التي تتناول هذا الانفجار، بل سبقتها رواية "هند أو أجمل امرأة في العالم" لهدى بركات.
-
"سامي هاني خواجة"... حياة الإنسان شريط سينمائي يمرّ أمامه لحظة احتضاره
في الرابع من شهر آب/ أغسطس عام 2020 حدث انفجار مرفأ بيروت ذلك الانفجار الذي خلّف دماراً كبيراً في المباني والمنازل وراح ضحيته مئات القتلى وآلاف الجرحى، ومن هذه الثيمة انطلقت الكاتبة لورا مقدسي لتبني قصة روايتها "سامي هاني خواجة" الصادرة عن دار الآداب عام 2025، ولم تكن هذه المرّة الأولى التي يتناول فيها الأدب اللبناني هذا الانفجار، فقد سبقتها مواطنتها هدى بركات في روايتها "هند أو أجمل امرأة في العالم" بتناول هذا الحدث الكبير، لكنّ الفرق أنّ رواية مقدسي تنطلق من لحظة هذا الانفجار الذي تسبّب بتهدّم منزل بطل الرواية سامي فوق رأسه وبقائه تحت أنقاضه حيّاً لمدة ثمانية أيام على عدد فصول الرواية من دون أن ينقذه أحد، حيث تقدّم الكاتبة روايتها عن هذا الحدث الجلل بمقطع من سفر رؤيا يوحنا في الإنجيل المقدّس، "الأبيض المتوسط قد تحوّل بحراً من رماد، في وسطه قطعان من الأبقار تنفث في الهواء دخاناً أسود".
ذاكرة تحت الركام:
يحدث انفجار المرفأ في بيروت فتتهدّم الأبنية والمنازل ويكون أحد هذه المنازل منزل سامي هاني خواجة الكائن في حيّ الأشرفية حيث كان جالساً فيه فتسقط جدرانه على رأسه "كخيمة شلّعتها الرياح"، لكنه يبقى حيّاً ويحاصر تحت أنقاضه. "أنا وحدي تحت ركام البيت الذي ولدت فيه أنتظر من ينقذني من العتمة"، وأثناء هذا الحصار يبدأ بتذكّر حياته قبل الحادثة هو الذي اعتقل والده هاني خواجة البروفيسور والأستاذ الجامعي من أمام الجامعة الأميركية من قبل الجيش السوري، وتمّ إرساله إلى سجن تدمر وفقد أثره من حينها وترك غيابه أثراً كبيراً على ابنه الطفل ذي العشر سنوات وعلى أخته وأمه. "حين خطف من عائلته قبل ما يقارب 30 عاماً وقفت في مكاني عاجزاً عن التقدّم أو تبيان وجهتي في الحياة"، الأمر الذي أثّر على مسار حياته كلّها فكأنه كان مرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً من دون أن يعلم، ومنذ اختفائه توقّفت بوصلة حياته عن العمل لذلك ارتبط باسمه الذي حمّله عنوان الرواية فاضطرّت أمه وداد أن تعوّض غياب الأب عن طفليها عاطفياً بحنانها عليهم ومادياً بعملها كممرضة في دوام ليلي في مستشفى حكومي، واستمرّت بالمشاركة في خيم الاعتصامات التي تطالب بالمغيّبين والمعتقلين طيلة حياتها لكنها في النهاية توفيت بطريقة عبثية حيث دهستها سيارة مسرعة أثناء مشاركتها في أحد هذه الاعتصامات.
كبر سامي وشارك في الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت سنة ولادته عام 1975، أما أخته هنادي فقرّرت الهجرة إلى فرنسا وإكمال دراستها في السوربون، لكنه هو قرّر البقاء في لبنان. "الهجرة ليست حلّاً لمن ينتمي إلى أرض إلى وطن إلى زريبة، أما من اكتفى بالانتماء إلى الحيّ الذي نشأ فيه والبيت الذي ورثه عن أبيه فلا حاجة به إلى السفر لأنه لم يعد ينتمي إلى شيء سوى ذاته". وقرّر العمل بالتجارة متجاهلاً نصيحة أخته هنادي حين قالت له "التجارة مهنة الذين لا مخيّلة لهم ولا ضمير"، فقام باستيراد الأخشاب واقترض من البنوك وتراكمت ديونه ما اضطرّه في النهاية إلى رهن منزل العائلة للمصرف بعد أن أفلس ففشل في حياته العملية.
ثمّ تتالت خيباته وأزماته الحياتية فأصبح مدمناً للكحول "بصحبة الكأس كنت ألتمس حقيقة الأشياء كأنما الخمرة جسر إلى روحي وإلى جوهر الوجود"، وإضافة إلى إدمان الخمر أدمن ممارسة الجنس مع غانيات وراح يتردّد كثيراً على شارع الكسليك وهناك تعرّف إلى أولغا الفتاة الأوكرانية التي قرّر اصطحابها للعيش معه في المنزل علّها تنسيه حبيبته الأولى داليا التي رفضه أهلها بسبب تلوّثه بوحول الحرب الأهلية. فتزوّج من أولغا وحبلت منه وبارك هذه العلاقة أمه وأخته لكنه في النهاية قرّر تركها وتسفيرها إلى بلدها بعد أن تحرّك الجانب الشرقي داخله، فخسرها مثلما خسر أقرب صديق له وهو عصام الذي انتحر بسبب خيانات زوجته كليمانس المتكرّرة له حيث خانته مع سامي أيضاً، فكانت امرأة لا يهمّها شيء سوى البوتكس والمال. أما صديقه الآخر رمزي فقد هاجر إلى فرنسا وبقي سامي ذو الطباع العدوانية والنزقة وحده في هذا المنزل بعد أن فقد كلّ من يحبّ، وها هو الآن محاصر تحت أنقاضه لا يوجد من ينقذه رغم سماعه سيارات الإسعاف تمرّ إلى جانبه يقتات على استعادة ماضيه وتذكّره قبل الكارثة وكأنّ حياته شريط سينمائي يمرّ أمام عينيه في لحظاته الأخيرة قبل تسليم روحه.
إهمال الواقع:
ركّزت الكاتبة في فصول روايتها الثمانية على ذاكرة البطل فعانت روايتها من التكرار الكثير، مهملة وصف حالته الصحية والنفسية هو المحاصر تحت الأنقاض بلا طعام أو شراب على الرغم من أنّ الإنسان يستطيع أن يبقى سبعة أيام بلا ماء، فافتقدت شخصيتها للمصداقيّة فشخص مثل سامي المنهك تحت الأنقاض وبالكاد يتنفّس من أين استطاع أن يجلب كلّ هذه القوة للتذكّر هو الذي كان يجب أن يفكّر بشيء وحيد فقط وهو إنقاذ نفسه. فكان هذا الجانب أحد المآخذ على الرواية رغم أهميتها، فمن خلال تعرية شخصية سامي وتاريخه عرّت الكاتبة تاريخ بلد منكوب مأزوم مثل بطل روايتها، بلد أنهكته الحروب والأزمات السياسية فكانت رواية جميلة وإضافة مهمة لكاتبتها.