"حُبٌّ في شبه مدينة": الحب فعل مقاومة أم هدنة مع الواقع؟

"حبّ في شبه مدينة" هي أكثر من عرض مسرحي؛ إنها مرآة لواقعنا. في زمن تحوّلت فيه مدننا العربية، وعالمنا كلّه، إلى "شبه مدن" بفعل العنف والضياع، تطرح المسرحية سؤالها الجوهري: ماذا يتبقّى من إنسانيتنا؟ وكيف نختار أن نعيش؟

  • لقطة من مسرحية
    لقطة من مسرحية "حُبٌّ في شبه مدينة"

في ليلة من ليالي بيروت الدافئة رغم برد كانون الأول/ديسمبر، على خشبة "مسرح المدينة" تسنّى لنا مشاهدة عرض مسرحي جديد (يضاف إلى سلسلة العروض التي تضيء ليل المدينة) بعنوان "حبّ في شبه مدينة". عرض أخرجته ووضعت له السينوغرافيا لينا عسيران، وكتب نصّه حسن مخزوم. هذا العمل ليس مجرّد عرض عابر، بل هو استعارة فلسفية عميقة لواقع مدينة ـــــ وربما لواقع إنساني شامل ـــــ يعيش حالة التَّهجين والانفصام بين ما كان وما صار. وفي هذه القراءة لا نقارب العمل من وجهة نظر نقدية تقنية فحسب، بل نحاول فهم أبعاده الفلسفية الوجودية.

العنوان نفسه، "حبّ في شبه مدينة"، هو أوّل مفاتيح الغرابة والمفارقة. "شبه مدينة" توصيف لحالة من النقصان والانزياح؛ مدينة فقدت مقوّمات كينونتها، وهي في منزلة بين منزلتين: ليست بالخراب الكامل ولا بالتمام المنتظر. فكيف للحبّ، كأسمى المشاعر الإنسانية، أن يزهر في تربة كهذه؟ هل نحن أمام حبّ يحاول البقاء في فضاء مشوّه، أم أننا في الحقيقة أمام "شبه حبّ" يتشكّل في مدينة فقدت قدرتها على احتضان الأصيل؟

شخصيتان في فضاء التشظّي

يتجسّد هذا السؤال المركزي في العلاقة التي تنسجها المسرحية بين شخصيتيها الرئيسيتين: امرأة تعيش وحيدة في بيتها، ودخيل (عابر سبيل) يقتحم عالمها فجأة بقفزات تشبه قفزات القردة. هذا الدخول ليس دخولاً عادياً، بل هو اقتحام للحدود والخصوصية، محمّلاً بدلالات الهمجية والبدائية والتهديد. يبدأ بينهما حوار حذر، باللغة المحكية، يتصاعد تدريجياً من ريبة إلى فضول إلى تواصل هشّ.

هذه العلاقة المجازية يمكن قراءتها على عدة مستويات: هي صورة عن لقاء الذات بالآخر المغاير، المخيف، والمجهول في فضاء المدينة المنكفئة على ذاتها. وهي أيضاً استعارة للعلاقة مع التاريخ الدخيل الذي يقتحم حياة الأفراد بقوة وعنف، كما اقتحمت الحروب والاجتياحات، وخصوصاً الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، بيوت بيروت وذاكرتها. العلاقة الحميمة مع الأرض والتراب، التي يشير إليها العرض، تتناقض مع هذا الاقتحام، فالأولى تمثّل الجذور والانتماء، والثاني يمثّل القطع والاقتلاع.

الموسيقى كشريكٍ مؤثّر

في هذا الحوار متعدّد المستويات بين الشخصيات والفضاء الآلي، تنبعث الموسيقى الأصلية للملحن زياد الأحمدية كطرف أساسي، لا يكتفي بتأطير المشهد عاطفياً، بل يتحوّل إلى "شخصية صوتية" حاضرة ـــــ غائبة (في زاوية الخشبة) تحمل هوية وذاكرة متصدّعة. يتجلّى ذلك من خلال حرفية أحمدية المزدوجة: فهو يعزف على العود عزفاً راقياً، يُنسج خيوطه الصوتية في تناغم دقيق مع إيقاع الحوار المحكي وحركة الممثّلين، بينما يقرأ بصوته هو نفسه مقاطعَ نثرية وشعرية باللغة العربية الفصحى.

هذا التداخل بين الصوت الآلي (العود) والصوت البشري (القارئ)، وبين الفصحى المهيبة والمحكية اليومية، يخلق انزياحاً سمعياً وفكرياً بالغ الدلالة. صوت العود يصبح نداءً حنينياً لذاكرة جماعية مفقودة ـــــ ذاكرة الجمال والتراث واللغة المتكاملة ـــــ بينما تحمل الفصحى المُلقاة هُنا ضميراً أخلاقياً أو شهادة تاريخية تتعالى على الواقع اليومي المشوّه لـ "شبه المدينة". 

الموسيقى والحكاية بالفصحى لا تواكبان الحدث فحسب، بل تحاورانه وتعلّقان عليه، وكأنهما صوت المدينة الحقيقية التي لم تعد مرئية، أو صوت الضمير الذي لم يعد يُسمع بوضوح. إنه تذكير مؤلم بأنّ الجمال والعمق لا يزالان موجودين، لكنّهما أصبحا يشغلان مساحة هامشية، بعيدة أو مشوّهة، داخل الفضاء السمعي للعرض، مما يعمّق شعور العزلة والانفصام.

بيت يتنفّس وذاكرة ميكانيكية

لا يمكن فصل هذا الحوار متعدّد الوسائط عن تصميم الفضاء الذي يحتضنه. هنا، تُظهر خلفيّة لينا عسيران المزدوجة كمخرجة ومهندسة أثرها البالغ. لقد ابتكرت سينوغرافيا لا تكتفي بأن تكون ديكوراً، بل تتحوّل إلى شخصية ثالثة فاعلة وشريكة في الحدث الدرامي. يتجلّى ذلك في "المنحوتة الأنيماترونية" أو "الجهاز الآلي التنفّسي" الذي يشكّل هيكل البيت/المساحة. هذه الآلة، التي أدار حركتها المعقّدة المتخصص في علوم الكمبيوتر شكري سويدي، هي نَفَس المكان المُركّب. إنها مسكن الشخصيتين، ولكنها أيضاً كيان حيّ يتنفّس، يتحرّك، ويصدر أصواتاً ميكانيكية عضوية. 

هذه الأصوات ـــــ أنين محاور، حفيف تشغيل، زفير هوائي ـــــ تصبح جزءاً من التقسيم الموسيقي والسمعي للعرض، وتتوازى مع صوت العود والمحادثة المحكية، لتصنع سيمفونية لـ "شبه المدينة": جزء منها إنساني حميم، وجزء آلي غريب، وجزء تراثي شاهد. السينوغرافيا بهذا المعنى تصبح مجسّداً مادياً للحالة الوجودية: بيت/جسد ميكانيكي يضمّ قلوباً بشرية هشّة، وذاكرة مكان متحرّكة لا ساكنة.

من قفزات القردة إلى رقصة التواصل

في هذا الفضاء، يصبح التعبير الجسدي والحركة لغة موازية أساسية، بل تفوق الكلمات أحياناً في تعبيريّتها. تحوّل قفزات الرجل الدخيل البدائية، التي تشبه قفزات القردة، تدريجياً عبر العرض إلى حركات أكثر إنسانية، ثمّ إلى رقص معاصر. هذا التحوّل البصري هو جوهر القصة الفلسفية: تحوّل "الآخر" من كائن همجي مفترس إلى شريك في حركة وحوار جسدي.

الرقص المعاصر هنا ليس لأداء استعراضي، بل هو تجسيد لمحاولة يائسة للتواصل، وخلق إيقاع مشترك، وبناء مساحة حميمة داخل البيت/المدينة المحاصرة. لغة الجسد هذه، التي تنتقل من التوتر والريبة إلى الانسجام المؤقت، تحاور مباشرة المقاطع الصوتية للعود، وكأنّ الجسد يحاول أن يرقى إلى مستوى جمالية الصوت واللغة الغائبة، أو أن يعبّر عمّا تعجز الكلمات اليومية عن قوله.

الحبّ: مقاومة وجودية في زمن الخراب

من هذا التركيب المعقّد (شخصيات، لغة، جسد، موسيقى، ميكانيكا) تنبثق قراءتنا للحبّ في العرض. إنه ليس حبّاً رومانسياً تقليدياً، بل هو فعل مقاومة وجودية. في مواجهة واقع "شبه المدينة" المشظّى بفعل الحروب والاحتلال والمجازر والانهيار، يصبح هذا التواصل الهشّ بين الغريبين ـــــ هذا الحوار الحذر والحركة المشتركة ــــــ محاولة أخيرة لإعادة بناء معنى، وخلق دفء، والتشبّث بإنسانيتنا.

لكنّ المسرحية ترفض تقديم إجابات سهلة. فهذا الحبّ يبقى هشّاً، ومحفوفاً بالريبة، وكأنه هدنة مؤقتة مع واقع لا يمكن هزيمته. إنه يسأل: هل يكفي هذا الحبّ الفردي الهشّ لمواجهة تاريخ من الاقتحامات؟ هل يمكن بناء بيت (علاقة، هوية، مدينة) حقيقيّ على أنقاض الذاكرة الجريحة؟ العرض يترك السؤال معلّقاً، لكنه من خلال تحوّل قفزات القردة إلى رقصة، ومن خلال الحوار الذي ينشأ من الصمت، يلمّح إلى إمكانية رقيقة جداً، لكنها موجودة: إمكانية أن يكون الحبّ، بأوسع معانيه، هو الجمرة الأخيرة التي يمكن أن تشعل نار الحياة من تحت الرماد، يتجلّى ذلك في جملة النهاية حين تتذكّر المرأة بفعل الحبّ اسمها الذي كانت قد نسيته.

دعوة للتأمّل فيما تبقّى منا

"حبّ في شبه مدينة" هي أكثر من عرض مسرحي؛ إنها مرآة لواقعنا. في زمن تحوّلت فيه مدننا العربية، وعالمنا كلّه، إلى "شبه مدن" بفعل العنف والضياع، تطرح المسرحية سؤالها الجوهري: ماذا يتبقّى من إنسانيتنا؟ وكيف نختار أن نعيش؟

المسرحية لا تجيب، بل تدعونا لننظر إلى داخل "شبه المدن" الخاصة بنا. عند خروجنا من المسرح، قد نسأل أنفسنا: أيّ نوع من الحبّ لا يزال ممكناً في عالمنا هذا؟ هل نختار الحبّ كفعل مقاومة وإصرار على الحياة، أم نستسلم، ونعيش في هدنة دائمة مع الخراب؟ في النهاية، يبدو أنّ العرض يقترح أنّ الخيار نفسه، هو ما يحدّد إن كنّا سنبقى بشراً.

اخترنا لك