"البطريرك الحويك/الله بدبِّر": سيرة طوباوي بين التمجيد والتاريخ

في زمنٍ يبحث فيه لبنان عن رموز تجمعه، قد يكون فيلم كهذا ضرورياً. لكن السينما الحقيقية، سينما الأسئلة، تنتظر فيلماً آخر عن الحويك. فيلماً يجرؤ على رؤية البطريرك إنساناً يحلم، يشك، يخطئ، ويتوب.

لبنان اليوم، لبنان الأمس

في لحظةٍ يعيش فيها لبنان تحت وطأة عدوانٍ إسرائيلي يهدم الحجر ويشظي الروح، ويخترق صمته الوطني بانقسامٍ داخلي يعيد إنتاج أسئلة الهوية والوجود، تعود سيرة البطريرك، إلياس بطرس الحويك، إلى الشاشة الفضية.

تبدو هذه العودة وكأنها أكثر من مجرد فيلم توثيقي عن ماضٍ مضى. إنها مرآة تعكس وجع الحاضر وتواريخه المتراكمة. فالانقسام الذي يرافق اليوم أي حديث عن "لبنان الكبير"، والمتمثل في دعوات العودة إلى التقوقع وصيغة المتصرفية من جهة، وفي التشرذم الطائفي الذي يستثمره العدو من جهة أخرى، يعيد إلى الأذهان تلك اللحظة التأسيسية التي عاشها الحويك قبل قرنٍ من الزمن.

كان عليه حينها أن يواجه، بإرادة فردية وإيمان برسالته، كتلة من الاعتراضات الداخلية والخارجية التي كانت تريد للبنان أن يبقى مجرد مقاطعة عثمانية أو محمية فرنسية هامشية. هذا التلاقي بين الأمس واليوم، بين سيرة البطريرك وهموم اللبنانيين المعاصرة، يمنح الفيلم راهنية غير متوقعة، ويجعله مادة خصبة للقراءة النقدية التي تتجاوز الإنصات إلى الحكاية، لتسأل: كيف تُروى سيرة طوباوي في زمنٍ يعيد إنتاج أعدائه؟

في زمنٍ تكاثرت فيه السير الذاتية على الشاشات، محاولة اختزال حيوات كاملة في ساعات معدودة، يأتي فيلم "البطريرك الحويك/الله بدبر" محملاً بثقلٍ استثنائي. إنه يحاول أن يصوغ حياة طوباوي في قالب سينمائي، في لحظة تاريخية يتزامن فيها عرضه مع إعلان الكنيسة المارونية تطويب البطريرك إلياس بطرس الحويك. هذا التزامن يشي بأنه جزءٌ من مشروع متكامل لإعادة تقديم شخصية طبعت تاريخ لبنان والكنيسة المارونية على السواء، ورافقها الجدل السياسي حتى داخل البيئة المارونية نفسها.

في جمالية الصنعة ورهان الأصالة

يُخرِج الفيلم روني مكرزل، عن نص للكاتبة سوزي الخوري حنا، وبإنتاج تنفيذي لباتريك ناكوزي. مما يلفت النظر في هذا العمل تصويره في الأماكن الحقيقية المرتبطة بحياة البطريرك، واستخدام ملابسه وأغراضه الشخصية المحفوظة في متحفه في دير العائلة المقدسة في عبرين.

هذه المقاربة، التي تمنح الفيلم هالة من التوثيقي، تحمل في طياتها مفارقة. ففي سعيها إلى تحقيق أقصى درجات الصدق المادي، قد تخون العمل فنياً، إذ تحوله من فيلمٍ روائي إلى شاهد متحفيٍ ينبض بالحياة، أو يحاول ذلك.

غير أن المفاجأة الحقيقية تكمن في المستوى البصري التقني للفيلم، فالتصوير السينمائي، بعين كاميرا حادة الرؤية، يأتي بأسلوب يتراوح بين رهابية المشاهد الداخلية في الكنائس والقصور البطريركية، واتساع المشاهد الطبيعية الجبلية التي تتنفس روح عصر الحويك. والإضاءة، بلغتها التشكيلية التي تعتمد على التباين بين الظل والنور، تمنح اللوحة البصرية عمقاً دراماتيكياً يليق بحالة الرجل الذي عاش بين دهاليز السياسة وقداديس الروح. 

والمونتاج، من جهته، ينتقل بسلاسة بين الزمنين التوثيقي والدرامي، محافظاً على إيقاع داخلي يضمن الاستمرارية السردية ويتجنب إثقال المشاهد بحشوٍ غير ضروري. 

هذا الحضور البصري المتماسك يكمله عمل الموسيقى التصويرية للمؤلف غارو كيكليان، التي تتنقل برهافة بين المشاهد، معتمدة على نسيج من التراتيل المارونية المعروفة التي تمنح الفيلم هالة روحانية أصيلة، وممزوجة بمقطوعات موسيقية تصويرية تواكب الإحساس الداخلي للشخصية والحدث من دون فرض استعراضي، فتارة ترتقي مع النشيد الكنسي، وتارة تهبط مع همس السياسة في الغرف المغلقة، مؤدية دورها كعنصر درامي يفوق كونها مجرد خلفية صوتية.

كل ذلك تحقق على رغم ميزانية تبدو متقشفة، مما يجعل إنجاز المخرج مكرزل جديراً بأكثر من تنويه، إذ استطاع، بحرفية وذكاء، أن يصنع من التحدي المادي فرصة للإبداع، موجهاً الكاميرا نحو التفاصيل الحميمية بعيداً من الاستعراض الباذخ.

يؤدي دور البطولة الممثل المخضرم، نقولا دانيال، الذي جسّد شخصية البطريرك منذ توليه مسؤولية البطريركية. وهنا يستحق الممثل الإنصاف، فقد قدم أداء ممتازاً تجاوز التقليد إلى مستوى من الاندماج الروحي في الشخصية، معززاً ذلك بتشابه فعلي لافت مع البطريرك الحويك في الملامح والهيئة، مما منح المشاهد شعوراً بالمعايشة أكثر منه بالتمثيل.

ولم يقف أداء الطاقم التمثيلي عند نقولا دانيال، بل امتد إلى بقية الممثلين الأساسين الذين أدوا أدوارهم بتجسيد مقنع، لا سيما في المشاهد الجماعية، حيث بدا التكامل الأدائي واضحاً، وكأن كل ممثل قد امتص روح المرحلة التي يتحدث عنها الفيلم.

كما يلفت الانتباه الطفل الذي جسّد مرحلة الطفولة المبكرة للحويك، فقد كان أداؤه طبيعياً مفعماً بالبراءة والصدق، بعيداً من التكلف الطفولي الذي يقع فيه كثير من الأعمال عندما تستدعي ممثلين صغاراً. لقد حمل على كتفيه الصغيرين عبء اللحظات التأسيسية في سيرة قديس، وأداها بإحساسٍ يفوق سنّه، مما جعل مشاهد البداية من أكثر مشاهد الفيلم تأثيراً. إلا أن هذا السعي الدؤوب للأصالة لم يشمل التفاصيل الجمالية كافة؛ فاللحى والمكياج بدا بوضوح أنها مستعارة وغير طبيعية، وكأنها قناع مسرحي يفصل بين وجه الممثل وشخصية البطريرك، مما يخلق شرخاً بصرياً يناقض ذلك الصدق المادي الذي سعى إليه العمل في مواضع أخرى.

بناء الأسطورة بين التقديس والتبجيل

  • "البطريرك الحويك/الله بدبِّر": سيرة طوباوي بين التمجيد والتاريخ

يكمن التحدي الأكبر لهذا الفيلم في ثنائية الشخصية التي يعالجها. فالبطريرك الحويك (1843 - 1931)، إلى جانب أنه رجل الدين، يحضر أيضاً بصفته "مؤسس لبنان الكبير"، الذي حمل قضية لبنان إلى "مؤتمر السلام" في باريس ودافع عن حق اللبنانيين في كيان مستقل ضم إليه ما يُعرف بالأقضية الأربعة، وسط انقسام سياسي وشعبي حول هذا الأمر، وانتقادات طاولته من اليمين واليسار، من القوميين العرب والشوفينيين المحليين. وبهذا، يصبح الفيلم أكثر من مجرد سيرة ذاتية، إنه بيان سياسي في قالبٍ ديني، أو العكس.

وقد صرحت الرئيسة العامة لراهبات العائلة المقدسة، الأم ماري أنطوانيت سعادة، أن رسالة الفيلم هي أن: "تعرفنا على الطوباوي البطريرك الياس من زاوية جديدة هي الأقرب إلى شخصيته وتاريخه وهي التي خطت مسيرة قداسته".

غير أن السؤال يبقى هل تقدم هذه "الزاوية الجديدة" رؤية نقدية، أم أنها مجرد إعادة إنتاجٍ للخطاب الرسمي الذي يخلع على البطريرك هالة من العصمة؟ يلقّب الحويك بـ"رجل العناية" لاتكاله على الله في كل ما يقوم به، وشعاره كان "إلهي رضاك" "والله بدبِّر"، وهي صفات تجعل تجسيد شخصية إنسانية تعرف الهفوات والتساؤلات مهمة شاقة على المخرج والكاتب.

بدأ عرض الفيلم في صالات "غراند سينما" في لبنان ابتداءً من 20 آب/أغسطس 2026، بحضور البطريرك، مار بشاره بطرس الراعي، والسفير البابوي وشخصيات سياسية ودينية وفنية. هذا الحضور الرسمي الرفيع المستوى يمنح الفيلم صبغة مؤسساتية، لكنه قد يحدّ أيضاً من جرأته الفنية. فالفيلم الذي يُعرض تحت مباركة البطريركية معرّض لأن يبقى أسير التمجيد أكثر مما هو ساع إلى السرد الموضوعي.

رسالة راهنة في زمن التشرذم

غير أن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن الفيلم لا يقف عند حدود السيرة والتقديس، بل يقدم، في صميم سرده، خطاباً وحدوياً صريحاً يؤكد أن لبنان يكون لبناناً بكل طوائفه ومناطقه. وهذه الرسالة، في هذا التوقيت تحديداً، تحسب للعمل وتحسب لكل القائمين عليه، إذ تتعالى في المشهد السياسي اللبناني أصوات تقسيمية شاذة تدعو إلى العودة إلى صيغة لبنان الصغير زمن المتصرفية، متناسية أن كيان لبنان الكبير الذي سعى من أجله الحويك قام على التعددية، وعلى الامتداد الجغرافي، بعيداً من الانعزال والتحجيم.

ففي لحظة تعصف فيها رياح التقسيم الطائفي والمناطقي بالوعي الجمعي، وفي وقت يستهدف فيه العدوان الإسرائيلي وحدة الأرض والشعب معاً، يأتي هذا الفيلم كتذكير بجوهر الرسالة التي تجاوزت الضيق إلى الأفق الوطني الجامع.

لقد لاقى عرض الفيلم "ترحيباً كبيراً من الحضور الذين نوهوا بالاحترافية التي أنجز فيها من كتابة وإخراج وموسيقى". غير أن الاحترافية وحدها، مهما بلغت، لا تكفي لمنح العمل قداسة فنية. فالسينما، في أسمى تجلياتها، فن التساؤل، فن الكشف، فن تقديم الإنسان في تناقضاته، بعيداً من التبجيل والتغطية والوحدات المقدسة.

في انتظار فيلم آخر

  • البطريرك إلياس الحويك
    البطريرك إلياس الحويك

يبقى فيلم "البطريرك الحويك/الله بدبِّر" عملاً يستحق الاحترام لجهده في التوثيق واهتمامه بالتفاصيل المادية والأصالة التاريخية، ولوقفته الوطنية الصادقة التي تلتقي مع روح العصر في مقاومة خطابات التجزئة.

غير أن السؤال الذي يطرحه الفيلم من دون أن يجيب عليه يبقى: كيف للسينما أن تروي حياة قديس من دون أن تُقدسه؟ وكيف تمنحنا البطريرك الحويك إنساناً قبل أن تمنحنا إياه طوباوياً؟

ربما كان الفيلم ليحظى بمزيد من الموضوعية والغنى لو أضيفت إليه شهادة توثيقية من خارج البيئة المارونية، صوت آخر من مؤرخ أو سياسي أو أكاديمي ينتمي إلى طائفة أو خلفية فكرية مختلفة، ليس بالضرورة لينقد، بل ليقدم وجهة نظر أخرى تؤيد دور الحويك من زاوية مغايرة.

ذلك أن وجود مثل هذه الشهادة كان ليكسر أحادية الخطاب، وليؤكد أن الحويك لم يكن بطلاً لطائفته وحدها، بل شخصية تلتقي عليها القراءات المختلفة والمتناقضة أحياناً، مما يمنح العمل قيمة مضافة في زمن بات فيه التعدد مطلباً منهجياً، قبل أن يكون ضرورة وطنية.

في زمنٍ يبحث فيه لبنان عن رموز تجمعه، قد يكون فيلم كهذا ضرورياً. لكن السينما الحقيقية، سينما الأسئلة، تنتظر فيلماً آخر عن الحويك. فيلماً يجرؤ على رؤية البطريرك إنساناً يحلم، يشك، يخطئ، ويتوب. فيلماً يضع "الله بدبر" في سياقه البشري، قبل أن يضعه في سياقه الإلهي.

اخترنا لك