"الأمير المجنون" هاملت/طربيه: معالجة جريئة وأداء آسر

لا يكتفي العرض بإعادة تقديم النص الشكسبيري، بل يغوص في أعماقه الوجودية، محوّلاً قصر إلسينور إلى قاعة محكمة داخل ضمير الأمير الوحيد. إنه اختبار صارم لقدرة المسرح على اختزال عالم كامل من الصراع والقلق في جسد واحد.

  • رفعت طربيه في لقطة من العرض المسرحي
    رفعت طربيه في لقطة من العرض المسرحي "هاملت الأمير المجنون"

في قلب بيروت، وعلى منبر غير تقليدي هو "مقهى أخبار النهار" التابع لجريدة "النهار"، شاهدنا عملاً مسرحياً مغايراً يعيد تعريف لقاء الجمهور بتراجيديا شكسبير الخالدة. مونودراما "هاملت؛ الأمير المجنون"، التي أعادت إحياءها المخرجة لينا أبيض، مستندةً إلى رؤية الراحل جيرار أفيديسيان الأصلية (2019)، وبأداء منفرد آسر للممثل المخضرم رفعت طربيه.

هذا العرض لا يكتفي بإعادة تقديم النص الشكسبيري، بل يغوص في أعماقه الوجودية، محوّلاً قصر إلسينور إلى قاعة محكمة داخل ضمير الأمير الوحيد. إنه اختبار صارم لقدرة المسرح على اختزال عالم كامل من الصراع والقلق في جسد واحد، وأداة تشريح لضمير فرد قد يكون مرآةً لضمير مدينة أو وطن.

مونودراما الضمير

تأخذنا هذه التجربة الجريئة إلى قلب إشكالية "هاملت" الأساسية: صراع الوعي الداخلي مع فوضى العالم الخارجي. فبدلاً من حكاية الانتقام المتعددة الشخصيات، يقدم أفيديسيان ثم أبيض المسرحية كـ "ذكريات ماض"، حيث تبدأ الأحداث من اللحظات الأخيرة في حياة الأمير. هذا البعد الزمني يحوّل الصراع الدرامي التقليدي إلى استعراض هلوسي، تصبح فيه شخصيات كلوديوس وجيرترود وأوفيليا مجرد أشباح في قاعة محكمة ضمير هاملت.

لم يعد السؤال "كيف ينتقم؟"، بل أصبح "كيف يتذكر؟" و"كيف يتحمّل ثقل هذا التذكّر؟". هكذا تتحوّل المونودراما من تقنية عرض إلى استعارة جوهرية عن العزلة والجنون، حيث العالم كله لا يعدو أن يكون أصداءً في رأس الأمير الواقف على حافة الموت.

الجسد الأوركسترا

في هذا الفراغ المسرحي المكثف، يصبح جسد رفعت طربيه وأداؤه هو المعمار الدرامي الوحيد. المناجاة الخالدة "أكون أو لا أكون"، التي هي حجر الزاوية في بناء الشخصية الشكسبيرية المعقدة، تتحول هنا في أنفاس طربيه إلى أكثر من تأمل فلسفي؛ تصير رجةً جسديةً مرئية. براعة المؤدي المخضرم، خريج مدرسة المسرح اللبناني العريقة، ابن السادسة والسبعين من العمر، لا تكمن فقط في حيويته أو في تنقله بين الشخصيات بلمحات صوتية وجسدية، بل أيضاً في قدرته على تمثيل الفعل ذاته: فعل التمثيل. فهو هاملت الذي يمثل الجنون، وهو الممثل رفعت طربيه الذي يمثل هاملت الذي يمثل الجنون.

هذه الطبقات المتداخلة تظهر هاملت كممثل بارع في بلاط الحياة، يستخدم "الجنون" كسلاح وحماية، كقناع يخفي وراءه حدة وعي مدمر. أداؤه الكلاسيكي المتقن، هو تذكير بقوة المسرح الجوهرية عندما يلتقي نص خالد بحرفية ممثل يشبه الآلة الموسيقية المعقدة التي لا يقوى أحد على العزف عليها سواه. وهذا التركيز على محورية الممثل في العرض المسرحي لا يقتصر على الأداء فحسب، بل أكده طربيه نفسه بعد ختام العرض مباشرةً، موجهاً حديثه للمتفرجين ليجعل من أولوية الممثل ومحوريته حجر الزاوية الذي تلتقي عنده كل العناصر الأخرى من نص وإخراج وسينوغرافيا.

سينوغرافيا الوجدان

 

لا تقل عناصر العرض المرئية ذكاءً عن الأداء. الخلفية شاشة كبيرة تمر عليها رسوم جان مارك نحاس، وهي ليست مجرد ديكور. إنها شاشة عرض للعقل الباطن. الوجوه المشوهة، والعيون المكبوتة، والصرخات الصامتة التي تظهر على الشاشة، هي تجسيد بصري للهلوسات التي تراود هاملت.

حتى الملابس التي صممها بشارة عطالله، والمتغيرة بحسب الحالة التي يجسدها طربيه/هاملت، تتحوّل إلى خريطة لتحوّلات الشخصية النفسية. وحضور الشخصين الصامتين على المسرح، اللذين يشبهان ظلين أو ملقنين، يعمق إحساس العزلة والانشطار؛ فهما حضور غائب، شاهدان على حوار الأمير مع أشباحه، ما يخلق سينوغرافيا وجودية تعبّر عن الوحدة المطلقة، ورغم مشاركتهما المباشرة في أحد المشاهد إلا أن بنية العرض الأساسية، والحضور الآسر لرفعت طربيه تجعل العمل مستحقاً لصفة المونودرامي.

نص العالم.. همس المدينة

لا ينسى العرض جذوره اللبنانية. فاقتباس أفيديسيان، المستند إلى ترجمات عربية مرموقة لجبرا إبراهيم جبرا وآخرين، لا يهدف إلى "تعريب" النص فحسب، بل إلى توطين المأساة. عندما يكسر طربيه الجدار الرابع، ويتوجه مباشرة لمخاطبة المتفرجين فإن هاملت ينتقل فجأة من قصر إلسينور إلى فضاءات بيروت.

السؤال الشكسبيري المجرد عن الخيانة والموت والوجود، يكتسب نبرة محلية تحيلنا على بعض ما عاشته بيروت واستطراداً لبنان من أزمات طاحنة. هذه اللحظة تؤكد الرؤية الإخراجية التي تحوّل المونولوج الداخلي إلى خطاب جماعي، ويصير جنون الأمير مرآةً لجنون جماعة.

محنة الضمير 

عرض "هاملت؛ الأمير المجنون" هو إنجاز يتجاوز النجاح التقني. إنه محاولة جريئة لاختزال ملحمة شكسبير الإنسانية في جوهرها المأساوي الأكثر قتامة: صوت الضمير المعذب في عالم تتعاظم فيه الهيمنة والوحشية وخيانة الإنسانية في دهاليز الحكم وأروقة القصور.

أمام هذا الأداء المتقن، والرؤية البصرية الموحشة، والمعالجة الذكية للنص، يجد المتلقي نفسه أمام سؤالين: أحدهما شكسبيري كوني عن معنى الوجود، والآخر محلي موجع عن معنى الوطن الذي يعيش منذ عقود تراجيديا أين منها تراجيديا شكسبير، وخديعة تضاهي بأشواط خديعة هاملت. وهذا هو بالضبط ما يجعل من هذه المونودراما فعلاً مسرحياً حياً وضرورياً. إنها تثبت أن هاملت لم يمت؛ فهو يعود دائماً، في كل عصر وكل مدينة، بأقنعة جديدة، ليواجهنا كمرآة تعكس صورتنا الحقيقية بلا تجميل ولا تزييف.

الصحيفة كمنصة مسرحية

لا يمكن اختزال حدث هذا العرض في حدود أدائه الاستثنائي أو معالجته الجريئة فحسب، بل يتعداه إلى سياقه المكاني الحيوي الذي يشكل بياناً ثقافياً بحد ذاته. استضافة مقر جريدة "النهار" للعرض في "مقهى أخبار النهار" تحوّل الفعل المسرحي من حدث منعزل في قاعة مسرح تقليدية إلى ظاهرة مجتمعية حاضنة.

في زمن تشهد فيه بيروت، رغم كل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، نهوضاً مسرحياً لافتاً يعتمد على الإرادة والإبداع الخلاق أكثر من اعتماده على الموارد المادية، تأتي هذه الخطوة لتؤكد دور الثقافة كضرورة وجودية وليس كرفاهية. فهي لا تكتفي بتغطية المشهد الثقافي، بل تشارك في صياغته فعلياً، محوّلةً فضاءها الخاص إلى منصة حية للفعل المسرحي.

يمثل المسرح في بيروت تحدياً ساطعاً لإحباطات الواقع، وإعلاناً بأن صمود الإبداع هو أحد أشكال صمود المدينة نفسها.

وفي هذا العرض بالذات يلتقي العمل الصحافي بالحس المسرحي، ليتساوى القارئ والمتفرج في حيز واحد، تطرح فيه الأسئلة الشكسبيرية الصالحة لكل زمان ومكان. ولنتذكر دائماً بأن المسرح الجاد، العميق فكرياً والمتقن فنياً، لا يزال قادراً على أن يكون ملجأ التأمل وموئل الأسئلة الكبرى، حتى في أصعب اللحظات التي يمر بها وطن.

اخترنا لك