"إلّا فراقك يا عدن": الأغنية اليمنية وتراتيل الحنين إلى مدينة عدن
كيف صوّر أبو بكر سالم فراق عدن بوصفه وجعاً استثنائياً؟ ولماذا أصبحت عدن في الغناء اليمني رمزاً للهوية والحنين ومعنى الوجود لدى أبنائها في المهجر؟
يحتفي الغناء اليمني، لا سيما اللون العدَني منه، بمدينة عدن، ذات التاريخ الحضاري والثقافي المتقادم. إذ يتجلّى هذا الاحتفاء في عدد من الصور، التي من أهمها تلك المتعلقة بحضور المدينة وتداعيات ذكراها في وجدان أبنائها، الذين غادروها مهاجرين إلى بلدان الاغتراب، فسكنت في حناياهم باعثةً فيهم الشوق والحنين إليها.
ولعل من أبرز تجليات ذلك، ما فاضت به معاني أغنيتين اثنتين، الأولى أغنية "إلّا فراقكْ يا عدنْ"، والأخرى "يا طايرة طيري"، وكلتاهما من كلمات وألحان وغناء الفنان اليمني، أبو بكر سالم بلفقيه.
"إلّا فراقك يا عدن"
-
أبو بكر سالم
من الإشارات المتداولة إلى أغنية "إلّا فراقكْ يا عدن" أنها واحدة من أغاني الشوق والغربة، التي ارتبطت بصاحبها شعراً ولحناً وغناءً، خلال فترة إقامته في مدينة بيروت، بعيداً عن فاتنته عدن المستقرة في مشاعره أينما حل وارتحل.
تشكّلت محورية الفكرة والمعنى في هذه الأغنية، من معاني الشوق والحنين والمعاناة في بلد المهجر. وعلى ذلك فإن البُعد الجمالي الأكثر إدهاشاً، والمغري بالوقوف عليه فيها هو المدى البعيد، الذي ذهبت إليه شعريتها التعبيرية عن معاناة المغترب العدنيّ ألوان العذاب، الذي لم يكن في مستطاعه التعايش معه:
لو يمرّ العمرْ كُلّهْ في شجنْ
لو أبات الليلْ ما ذُوْق الوسنْ
كل شيْ مقبولْ ... كل شيْ معقولْ
كل شيْ.. إلّا فراقكْ يا عدنْ.
تتجلّى في السياق الشعري والغنائي هنا الرؤية الفنية في فراق عدن، بوصفه فراقاً استثنائياً لما يترتب عليه من معاناة غير مقدور على احتمالها. وقد بُنيت هذه الرؤية على نسق من انفتاح الآفاق الاحتمالية، على ما يمكن المرور به من أحوال الفراق بالغة الحزن والشجن، التي لا تصل جميعها - في هذه الرؤية - إلى مستوى الألم الوجداني، الذي تتمزق به الذات الاغترابية المفارقة لهذه المدينة الاستثنائية.
وقد تجسّد نسق الانفتاح على احتماليات المعاناة هذا، من خلال الإحالة عليه بصيغة الشمول الدلالي في جملة: "كل شيء..."، التي استوعبت الإحالة على إمكانية القبول بتداعيات أي نوع من أنواع الهجر والفراق، وإمكانية عقلنة أيّة حالٍ من أحوال العذاب: (كل شيْ مقبولْ.. كلْ شيْ معقولْ)، باستثناء هذه الحال الخاصة، المتعلقة بمعاناة فراق مدينة عدن: "إلّا فراقكْ يا عدنْ"؛ كونه فراقاً متمرّداً على سياقات الفراق المألوفة، متجاوزاً دوائر الإمكانية قبولاً وعقلنة، مرتقياً إلى دائرة خاصة به، تنتمي إلى غير الممكن، وغير المعقول، وغير المحتمل.
ونحو مزيد من إضاءة انفتاح الأفق الاحتمالي المطلق، يقدّم السياق الشعري الغنائي حالين احتماليتين، كلتاهما على مستوىً عال من استيعاب الإحالة على تلك الاحتمالية المطلقة. تمثّلت الحال الأولى، في إمكانية أن تتعايش الذات المفارقة لمدينة عدن، مع مرور عمرها كله في أشجان وأحزان متصلة.
من أهم صور احتفاء الأغنية اليمنية بمدينة عدن، تلك الصورة المتمثّلة في ارتباط المدينة بمعاني الشوق ودلالات الحنين إليها. لا سيما ما يتعلق من ذلك، بمضامين غنائية، قادمة من أعماق ذوات عدنية، انسحقت بعذاب الاغتراب، فعاشت حالمة بالعودة إلى حيث تجد معنى وجودها، الذي غادرها منذ غادرت شواطئ المدينة إلى عالم الشتات.
أما الحال الأخرى، فقد تمثّلت في إمكانية أن تتعايش هذه الذات، مع حال دائمة من السهر والحرمان المطلق من النوم. وتأسيساً على الانفتاح الاحتمالي في هاتين الحالين، تبلور نسق تأكيد لاستثنائية هذا الفراق، تداعياً مع استثنائية المدينة المرتبطة به، من خلال الإحالة على أنهما أهون على الذات العدنية من انسحاقها بفراق مدينتها، وتمزقها بنوبات الحنين والشوق إليها.
وعلى ما في صيغة الانفتاح الاحتمالي - في هاتين الحالين - من فضاء دلالي بعيد ومُفْرَغ من عوامل توافره، إلّا أن الاستئناس بهما قد أفلح في التعبير عن الأثر البالغ، الذي يتركه فراق مدينة عدن في الذوات المهاجرة منها.
"يا طائرة طيري"
-
عدن منتصف القرن الماضي (عن الانترنت)
بمضامين العذاب الاغترابي نفسه - المحتدم بشوق الذات العدنيّة إلى مدينتها -تشكّلت سياقات أغنية الشوق الأخرى للفنان نفسه، أبو بكر سالم بلفقيه، "يا طايِرةْ طيْري". وقد استهلت هذه الأغنية فضاءها التعبيريّ، عن أحوال الحزن القاتمة في حياة المهاجر العدَني، بهذه الصيغة من المناجاة الشجية:
يا طايرةْ طيريْ على "بنْدر عدنْ" [1]
زادَ الهوى، زادَ النَّوى
زاد الشّجنْ.
تستوعب هذه الدفقة الغنائية الإشارة إلى ذروة الألم الوجداني، الذي وصلت إليه حال ابن مدينة عدن بعد مفارقته إياها. وقد أحال السياق الشعري على هذه الذروة من خلال استخدامه تقنية التكرار، التي تجلّت في تكرار معنى الزيادة في كل من: (الهوى/ النوى/ الشجن). ومن متوالية ارتفاع نِسَبِ هذه القيم الوجدانية في الذات، تشكّل نسق تعبيري، متسق مع طبيعة هذا الارتفاع المتسارع في تأثيره المباشر في عاطفة الغربة المكانية.
تمثّل ذاك النسق في صيغة الخطاب الموجّه إلى آلية السفر (الطائرة)، بعد أن أضفت عليها شعرية المعنى طبيعة إنسانية، ارتقت بها إلى مستوى التمكّن من سماع من يناديها والاستجابة لحاجته.
لم يعد لدى الذات الاغترابية اليمنية متسع للتعايش مع مزيد من الفرقة. لذلك كان من وسائل الشكوى لديها والبحث عن مخرج من أشجانها الاغترابية مخاطبتها الطائرة حيناً، وحيناً آخر توجيه الخطاب إلى الطيّار، بصفته المتمكن من توجيه مسارها.
واستناداً إلى أنسنة الجماد (الطائرة) في هذه المساحة الجمالية، التمست منها الذات الاغترابية الإقلاع والتوجّه إلى (بندر عدن) المكان الأثير الذي تتغنّى به وتهفو إليه. كما يتجلّى في جوهر هذا الالتماس الشعريّ استناده إلى عدد من العوامل الفاعلة فيه، تلك التي تنتظم في حال وصلت فيها عاطفة الحب إلى أقصى مداها، واضطرمت بتطاول المسافة الزمنية الفاصلة بين المدينة والذات المنتمية إليها. تلك الذات، التي بلغت حالاً من الحزن، الذي تعاظم فيها، فلم يكن في طاقتها احتماله:
عَ الهجر ما قْدِرْشْ انا [2]
أشوفْ يومي سنةْ [3]
إذ لم يعد لدى هذه الذات (الشعرية/الغنائية/الاغترابية) متسع للتعايش مع مزيد من الفرقة، بعد أن ضاقت بالزمن، الذي تجاوز فيها واقعيته، وتماهى في حالها المستعرة بالشوق، فتطاول يومها إلى ما يساوي سنة كاملة.
لذلك؛ كان من وسائل الشكوى لديها - والبحث عن مخرج من أشجانها الاغترابية - مخاطبتها آلية قطع المسافات (الطائرة) حيناً، وحيناً آخر توجيه الخطاب إلى العامل على هذه الآلية (الطيّار)، بصفته المتمكن من توجيه مسارها.
-
عدن في ستينيات القرن الماضي (بيتر توماس)
وبذلك، حظي بنوع من الاهتمام في خطاب أغنية الحنين إلى مدينة عدن، سواء في هذه الأغنية، التي كان من سياقاتها مخاطبته وحثه على الإسراع في تجاوز المسافات: "يا طيّار عجّل بالمسير". أو في غيرها من الأغاني اليمنية، التي عبّرت عن أحوال فراق مدينة عدن، من مثل أغنية "يا طيّار خذني عدن"، التي كتب كلماتها الشاعر شائف محمد الخالدي، وغنّاها كثير من الفنانين.
وبذلك، فإن من أهم صور احتفاء الأغنية اليمنية بمدينة عدن، تلك الصورة المتمثّلة في ارتباط المدينة بمعاني الشوق ودلالات الحنين إليها. لا سيما ما يتعلق من ذلك، بمضامين غنائية، قادمة من أعماق ذوات عدنية، انسحقت بعذاب الاغتراب، فعاشت حالمة بالعودة إلى حيث تجد معنى وجودها، الذي غادرها منذ غادرت شواطئ المدينة إلى عالم الشتات.
[1] "يا طايْرة": يا طائرة. "بندر عدن": الميناء أو مرسى السفن.
[2]عَ الهجر: على الهجر. "ما قْدِرْشْ": لا أستطيع.
[3] "أشوف": أرى.
