"إسرائيل"غارقة في ثالوث السحر والدين والدم
يقترب الكتاب من منطقة لا يحبّ العقل المعاصر الاقتراب منها، منطقة تتقاطع فيها الأسطورة مع التاريخ، والدين مع السياسة، فيؤكد أنه لا يمكن فهم "إسرائيل" من دون فهم ميتافيزيقا الوجود اليهودي نفسه، ففي "إسرائيل" لا ينفصل الخطاب الديني عن السياسي.
-
"إسرائيل السحر والدين والدم"
"إسرائيل السحر والدين والدم" كتاب جديد من تأليف الدكتور محمد عبود الخبير في الشؤون الإسرائيلية، وأستاذ اللغة العبرية والدراسات الإسرائيلية بجامعة عين شمس، يكشف أسراراً عن المجتمع الإسرائيلي لا يتصوّرها أحد. فالمجتمع الإسرائيلي الذي يقدّم نفسه مجتمعاً علمانياً ديمقراطياً، يغوص في بحار متلاطمة من الغيبيّات والتصوّرات الدينية المثيرة للتساؤلات حول حقيقة "إسرائيل".
كلّ حدث تاريخي مهمّ له تفسير غرائبيّ في "إسرائيل"، ففي الوقت الذي ما زال الغموض يكتنف أسباب وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر عام 1970، تأتي أعجب الروايات وأكثرها غرابة من داخل الأوساط الدينية الإسرائيلية نفسها، لتلقي بالتهمة على رجال دين يهود، زعموا أنهم المسؤولون عن اغتيال عبد الناصر عبر قوى غيبيّة وشعوذة وسحر أسود!
يزعم رئيس الأكاديمية التلمودية العليا في القدس المحتلة أنّ ثلاثة من كبار الحاخامات هم من نفّذوا عملية اغتيال عبد الناصر! وينتمي هؤلاء جميعاً إلى حركة القَبَّالاه، المشهورة بإتقان أعمال السحر الأسود، والدجل، وصناعة الأحجبة والتعاويذ. وبحسب الرواية العبرية، ذبح هؤلاء الحاخامات بهيمة، وأحضروا كبدها وقلبها ورئتها إلى غرفة مغلقة مهيّأة بعناية لطقوس السحر الأسود. وبدأوا في استدعاء قوى عليا لتنفيذ "القصاص اليهودي" من عبد الناصر. واستخدم الحاخامات الثلاثة أسماء الذات الإلهية العبرية الواردة في مخطوط ديني نادر يُعدّ المرجع الأكبر لكلّ السحرة اليهود.
على صدى هذه القصة المنتشرة في أوساط إسرائيلية، يتجه كتاب "إسرائيل السحر والدين والدم" لنزع القشرة العلمانية التي تحيط بالمشروع الإسرائيلي لكي يصل إلى قلب "إسرائيل". يتجوّل في شوارعها ويكشف مؤسساتها ويغوص في وعيها الباطن. ويقول المؤلف إنّ الكتاب يقترب من منطقة لا يحبّ العقل المعاصر الاقتراب منها، منطقة تتقاطع فيها الأسطورة مع التاريخ، والدين مع السياسة، مؤكّداً أنه لا يمكن فهم "إسرائيل" من دون فهم ميتافيزيقا الوجود اليهودي نفسه، ففي "إسرائيل" لا ينفصل الخطاب الديني عن السياسي، بل يتبادلان الأدوار: الحاخام يضع الإطار اللاهوتي، والسياسي يترجمه إلى قوانين وقرارات. وما يبدو للعالم واقعية سياسية كثيراً ما يكون في العمق تنفيذاً لتصوّر ديني باطني، وخيوط سرية تربط بين ثالوث السحر والدين والدم.
يحاول الكتاب الجديد الإجابة عن مجموعة من التساؤلات، أهمّها: كيف استطاعت "إسرائيل" أن تبني وجودها على نصوص عمرها آلاف السنين، وأن تحوّل الحروف العبرية القديمة إلى منظومة سياسية وعسكرية واقتصادية حديثة؟ وكيف يمكن لـ "دولة" تقدّم نفسها للعالم كقوة علمية متقدّمة أن تظلّ أسيرة أساطير تتحدّث عن الجنّ والشياطين والأرواح والملائكة والطاقة الإلهية المنبعثة من الحروف والأسفار والكتب اليهودية القديمة؟!
في الفصل الأول من الكتاب رحلة أكاديمية في دروب التصوّف اليهودي، أو ما يعرف بالعلوم الباطنية اليهودية. وتحت عنوان أسرار الحروب العبرية، يوضح د. محمد عبود أنّ اليهود لا يتعاملون مع هذه الحروف باعتبارها مجرّد رموز صوتية، ولكنها قوة سحرية وطاقة نورانية هائلة، كلّ حرف له دلالة، وله قوة تؤثّر في حياة الشخص وحاضره ومستقبله.
فمن أصول الديانة اليهودية الاعتقاد بأنّ الرب أنزل التوراة على سيدنا موسى، عليه السلام، على جبل سيناء بالعبرية، وأنّ اللغة العبرية هي لغة قدسيّة، وبها تكلّم الرب مع آدم في جنة عدن عند بدء الخلق.
ويوضح الكاتب أنّ الحاخامات يدّعون أنّ أسماء الرب بالعبرية لها قدرة خفية تُستعمل في الشدائد، وتُقضى بها الحوائج، وأنّ من يفهم مفاتيحها يُحسن التصرّف في تصاريف الكون كما يُحسن العزف على أوتار العود. وفي تفسير سفر الخروج ثاني أسفار التوراة، أنّ موسى عليه السلام عندما واجه الرجل المصري، لم يقتله بقدرته البشرية، بل كان وراء الأمر سرّ كبير، لقد استعان موسى في هذه اللحظة العصيبة بـ"اسم الرب الأعظم" ليُطلق القوة الإلهية الكامنة في الحروف العبرية، فيسدّد ضربته الساحقة!
ويرى المؤلف أنّ مثل هذه الحكايات هي وقود لا ينفد، يستند إليه الحاخامات في تثبيت مكانتهم عبر تراث كبير من الحكايات والقصص الدينية اليهودية التي تسحر العقول، وتشدّ مريديهم إليهم بحبال من الوعود والأمنيات.
أما في الفصل الثاني وعنوانه: الدين.. دماء على صفحات التوراة. فيأخذ الكتاب القارئ في رحلة شيّقة بين أسفار التوراة اليهودية، بدءاً من سفر التكوين. قبل أن يعرّفنا بالمذاهب الدينية في "إسرائيل" المعاصرة، وطبيعة الخلافات بين التيارات والجماعات الدينية المختلفة. وحقيقة الموقف العدائي الذي تتبنّاه هذه الجماعات من المسلمين والمسيحيين، ويورد أمثلة من الفتاوى العنصرية التي يروّجها رجال الدين اليهود ضدّ العرب، وضدّ أصحاب العقائد المختلفة عنهم.
ويعدّ الفصل الثالث والأخير: السابع من أكتوبر بحور الدم. هو قمة الهرم في هذا الكتاب، حيث ينقلنا الكاتب إلى العلاقة الوثيقة بين الممارسات الصوفية اليهودية، والممارسات الدينية الرسمية، وعلاقتها بالحرب العدوانية بعد السابع من أكتوبر.
ويكشف الدكتور محمد عبود بالوثائق كيف ضرب الفشل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بدءاً من جهاز الشاباك، وصولاً إلى جهاز المخابرات الحربية (أمان) الذي استقال نتيجة فضيحة جنسية منعته من أداء مهمّته ليلة السابع من أكتوبر.
يقول عبود في الفصل الثالث إنّ تحقيقات جهاز الشاباك الرسمية في عملية السابع من أكتوبر كشفت حصول الجهاز عام 2022 على خطة حماس لاجتياح مستوطنات غلاف غزة. وكانت الخطة التي حصلت عليها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مكتوبة باللغة العربية تحت عنوان "وعد الآخرة". وهو تعبير قرآني مستلهم من سورة الإسراء في القرآن الكريم. يشير إلى اجتياح ديار بني إسرائيل.
ورغم وضوح الدلالة فشل الشاباك في فهم مراد الخطة، ورموزها الخفية التي توزّعت بين السطور في سورة أجزاء من آيات قرآنية. وتشير وثيقة التحقيق التي يعتمد عليها الكتاب إلى أنّ الشاباك اعتمد على ترجمة آلية للخطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وضيّع فرصة كبيرة لإحباط مخطّط السابع من أكتوبر بسبب جهل ثقافي فادح بالسياق القرآني للآيات الواردة في خطة اجتياح المستوطنات.
أخيراً يؤكّد المؤلّف أنّ "إسرائيل" أشبه بظاهرة مزدوجة، فهي من جهة، دولة نووية متقدّمة في التكنولوجيا والعلوم، ومن جهة أخرى، مجتمع يعيش تحت تأثير نصوص قديمة وعقلية كهنوتية تحكمها أحكام الطهارة والنجاسة، والبركة واللعنة، والنور والظلام. هذا التناقض يخلق أزمة "الدولة" التي ترتدي ثياب التقدّم والحداثة، وفي الوقت نفسه، تخضع لفتاوى حاخامات يقرّرون مصير الحرب والسلام بناء على رؤى توراتيّة غيبيّة.
يذكر أنّ مؤلّف الكتاب الدكتور محمد عبود باحث أكاديمي، مترجم، وخبير في الشؤون الإسرائيلية. ويعمل مدرّساً للغة العبرية والدراسات الإسرائيلية بكلية الآداب في جامعة عين شمس، ومديراً لوحدة اللغات والترجمة بالكلية. شارك في ترجمة مشروع قومي لترجمة الوثائق الإسرائيلية الخاصة بحرب أكتوبر ضمن أعمال لجنة أجرانات المنشورة عن المركز القومي للترجمة. وله إسهامات بحثية وأدبية ونقدية عديدة، وكتب مهمة منها: التمرّد على الصهيونية في الأدب الإسرائيلي المعاصر.