وثائقي "زلزال 82": تفاصيل عملية "خيبر" إلى الضوء أخيراً

يمكن القول إنّ "زلزال 82" هو أول عمل توثيقي من نوعه يتناول واحدة من محطات المقاومة بمثل هذه المهنية والاحتراف والجهد الجاد.

"زلزال 82: عملية خيبر - لهيب الصنوبر"، وثائقي من إنتاج "الميادين" يروي تفاصيل عملية الاستشهادي أحمد قصير التي دمّرت مبنى الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور جنوبي لبنان عام 1982، وأطاحت بهيبة "جيش" الاحتلال لتفرض واقعاً جديداً وتطرح أسئلة كبرى لا يزال الاحتلال يبحث عن إجابات لها حتى اليوم.

رغم المكانة التي يحتلها الشهيد أحمد قصير في وجدان مجتمع المقاومة بوصفه فاتحاً لعهد الاستشهاديين، ومنفّذاً للعملية الأضخم من حيث حجم خسائر الاحتلال (سواء العدد الذي اعترف به أو ذلك الحقيقي)، ورغم تحوّل تاريخ العملية وهو 11 تشرين الثاني/نوفمبر إلى يومٍ لـ "شهيد حزب الله"، فإنه يمكن القول إنّ العملية لم تأخذ حقّها من الضوء بوصفها حدثاً مفصلياً وتأسيسياً يرتبط به كلّ ما جاء بعده من محطات كبرى.

ويعود جزء كبير من ذلك إلى طبيعة عمل المقاومة السري، وأولوية الحفاظ على أرواح من بقي حياً من المخططين للعملية وقد صاروا بعد 40 عاماً من كبار قادة المقاومة.

من هنا تأتي أهمية ما كشفه وثائقي "زلزال 82: عملية خيبر - لهيب الصنوبر"، من تفاصيل دقيقة تكشف للمرة الأولى حول ظروف العملية وأجواء التحضيرات التي سبقتها، وما أثارته من جدل في كيان الاحتلال لا يزال مستمراً حتى اليوم.

يستعرض الشريط الذي أعدّه وأخرجه أمير مهدي، حكاية الشاب أحمد جعفر قصير، ابن بلدة دير قانون النهر الجنوبية، منذ كان يعمل في السعودية لتأمين مستقبله، إلى حين تأثّره بمشاهد الاجتياح الإسرائيلي وقراره العودة إلى الجنوب لتفجير نفسه بالإسرائيليين، وشرائه سيارة من نوع بيك آب تساعده على العودة براً عن طريق الأردن.

ويكشف الوثائقي أنّ قصير الذي كان صاحب فكرة العمل الاستشهادي، وقد اقترحه على قيادة المقاومة بعد عودته عن طريق وسيط هو الاستشهادي عبد المنعم قصير، كان مسؤولاً أيضاً عن اختيار المكان، الذي رصده أثناء تنقّله يومياً على متن سيارته التي يستخدمها في نقل الخضار من مدينة صور إلى بلدته.

وعلى لسان القائد الجهادي في المقاومة الحاج علي كركي (أبو الفضل)، الذي استشهد مع السيد حسن نصر الله في العدوان الأخير، نستمع إلى المراحل التي قطعتها العملية منذ أن كانت فكرة إلى أن أصبحت زلزالاً حقيقياً ساهم في إخراجه بصورته النهائية الشهيد عماد مغنية (الحاج رضوان) ومعه الشهيدين كركي ورضا حريري. 

ويمكن القول إن ّ"زلزال 82" هو أول عمل توثيقي من نوعه يتناول واحدة من محطات المقاومة بمثل هذه المهنية والاحتراف والجهد الجاد، وصولاً إلى عرض الرواية الإسرائيلية على امتداد مساحة لا بأس بها من زمن الوثائقي، من خلال تقارير إسرائيلية كشفت وثائق وشهادات أقرّت بعد 40 عاماً بأنّ "كارثة صور" لم تكن بفعل "خلل في الغاز"، كما زعمت لجنة التحقيق الإسرائيلية في حينه، بل بفعل "هجوم انتحاري" لحزب الله.

مقاطعة الروايتين الإسرائيلية واللبنانية ببعضهما تظهر بوضوح بعد كل هذه السنوات مدى مصداقية المقاومة ودقة روايتها، مقابل الجنوح الإسرائيلي الدائم إلى إخفاء الخسائر وتأجيل الإعلان عنها، وهو ما يفسّر الإحساس الدائم بتفوّق وهمي تنكشف هشاشته بعد وقت يطول أو يقصر، ويعرض الشريط شهادات لخبراء إسرائيليين يجدون في رواية الغاز - بمعزل عن كونها وليدة تضليل إعلامي متعمّد أو قناعة حقيقية لدى لجنة التحقيق – سبباً في نجاح العمليات التالية من عملية مدرسة الشجرة إلى عمليتي الاستشهاديين حسن قصير وعلي صفي الدين، والتي كانت في مجموعها سبباً في دفع الاحتلال إلى الانسحاب عام 1985 إلى ما عُرِفَ بالشريط الحدودي.

ويتميّز الوثائقي باستخدام معدّيه المتقن لتقنيات الذكاء الاصطناعي في إعادة توليد مشاهد حيّة لأبطال تلك المرحلة بالاستناد إلى صور فوتوغرافية بجودة غير عالية، وهو ما أضاف إلى غنى المادة بالمعلومات بعداً بصرياً جذاباً وسلاسة في عرض الوقائع والمعلومات، إضافة إلى مشاهد تمثيلية.

ميثم قصير: توقيت مثالي

أحد المساهمين في إعداد الشريط، ميثم قصير، وهو ابن شقيق الشهيد أحمد قصير، كشف أنّ الشهادة المصوّرة لـ "الحاج أبو الفضل" جاءت لتتوّج ما يقارب 80 مقابلة غير مرئية مع أشخاص شهدوا تلك المرحلة وواكبوا العملية وتداعياتها، مشيراً إلى أنها لم تكن معدّة للعرض بطبيعة الحال، ولكنّ استشهاده قبل إنجاز العمل وعرضه، جعل عرضها متاحاً، وكذلك الإشارة إلى دور الشهيد فؤاد شكر.

وإذا كان العمل قد استغرق شهوراً، بحسب ميثم قصير، فإنّ توقيت عرضه الذي كان مرتبطاً بموعد إنجازه قبل أي شيء آخر، جاء مثالياً، بالتزامن مع رواج المنطق الذي يبرّر السعي إلى نزع سلاح المقاومة بعجزها عن منع العدوان والحفاظ على توازن الردع الذي كان قائماً بعد عدوان تموز 2006، فالعملية الهائلة بنتائجها وتداعياتها جرت بينما يرزح الجنوبيون تحت وطأة احتلال يعدّ عليهم أنفاسهم، أما السلاح المستخدم فيها فلم يكن صواريخ حديثة الصنع مقبلة من وراء الحدود بل صواريخ إسرائيلية غير منفجرة جمعتها المقاومة، وسيارة بلا فرامل، وفقاً لما ورد في شهادة الحاج علي كركي.

وإذ يكرّس الوثائقي بطولة أحمد قصير، بوصفه شاباً جنوبياً خطَّط ورصد ونفَّذ عملية هزَّت كيان الاحتلال، لا مجرد عنصر انتدبه تنظيم مسلح لتنفيذ مهمة ضدّ هذا الاحتلال، فإنه ينصف المقاومة في المقابل ويظهر الجهد الكبير الذي بذلته قيادتها العسكرية في التخطيط للعملية كي تخرج بالصورة التي خرجت عليها، بحيث ينأى الأمر تماماً عن كونه تبنياً صورياً لاندفاعة شاب نفّذ عملاً فردياً بحماسة وإخلاص.

أمير مهدي: السرد طريقاً للتوثيق

معدّ العمل ومخرجه أمير مهدي تحدّث لـ "الميادين الثقافية" عمّا واجهه الفريق من صعوبة في جمع السردية الكاملة للعملية، وهو ما تطلب بحثاً طويلاً ومقابلات مع الأفراد الذين عاصروا تلك الحقبة وكانوا على تماس مباشر مع أجواء العملية من مقاومين، أو شهود عيان، من المعتقلين الذين كانوا على سطح المبنى أثناء انفجاره وسواهم.

ويشير إلى أنّ الأهمّ هو شهادة القائد "أبي الفضل" التي تمّ تصويرها على مراحل متعدّدة وكانت تعدّ "مادّة داخلية" يمكن فقط الاستفادة من محتواها قبل أن يخرجها استشهاده إلى العلن، وهي المادّة الأساسية التي تمحور حولها الجهد البحثي كلّه على أهميته وشموله واتساعه. فضلاً عن الاستفادة في البحث والإعداد ومقاطعة المعلومات من الكتاب الذي وافق على إعداده السيد نصر الله عن الاستشهادي قصير قبل عملية "طوفان الأقصى" ولم يبصر النور بعد.

ويلفت مهدي في حديثه معنا إلى أنه اعتمد في كتابته للنص طريقة السرد تماشياً مع الرواية المسجّلة للشهيد كركي، واستناداً إلى مئات المقابلات التي جرى تفريغ مضمونها وقراءته قبل البدء بالكتابة.

ويلخّص مهدي طريقة العمل على الوثائقي بثلاثة خطوط؛ أولها المادة الأرشيفية النادرة التي حصل فريق العمل عليها ومعظمها لم يعرض من قبل، وبجودة مقبولة، والثاني هو تصوير مشاهد في الجنوب في مواقع تحاكي الأماكن التي وردت في الشهادات، وصولاً إلى شراء سيارة "بيجو" من البقاع مماثلة للتي استُخدِمَت في العملية، وتغيير لونها، ثمّ البحث عن ممثّلين يمتلكون بعض الشبه بالشهداء مغنية وكركي وقصير، لافتاً إلى مدى صعوبة التصوير وخصوصاً استخدام "الدرون" في الجنوب في ظلّ الظروف الحالية.

أما الخط الثالث فهو مشهديات الذكاء الاصطناعي التي أنجزت في وقت قياسي بالتعاون بين فريق "الميادين" ونجحت في تظهير الفترة التي جرت فيها الأحداث بلا زيادة ولا نقصان.

ويأمل مهدي في ختام حديثه معنا أن يكون العمل لائقاً بذكرى شهيد عظيم يملك كلّ ذلك الأثر الكبير في وجدان المقاومة وأهلها، برمزيته العالية التي تختصر كلّ الشرفاء والمقاومين الذين صنعوا من الضعف قوةً في تلك الحقبة، إلى أيّ طيفٍ من أطياف المقاومة وتشكيلاتها انتموا.

هؤلاء هم صنّاع "زلزال 82"

إلى جانب المعدّ والمخرج أمير مهدي، شارك في إنجاز "زلزال 82" كلّ من شيراز حايك (منسّقة إنتاج) والمصوّرين حيدر وحسين قانصو وعلي سبيتي، إضافة إلى يوسف عبدو (غرافيكس)، وعدي سعد (تمثيل)، وحسن حجازي (ترجمة من اللغة العبرية)، وجعفر شعيب (أداء صوت)، وحسين حجازي (تسجيل صوت)، وعلي الموسوي (موسيقى)، وضامن ضامن (ميكساج)، إضافة إلى مساهمة خاصة من ميثم قصير ومرتضى كركي و"آثار الشهداء".

اخترنا لك