"واسِيْلُوهْ أَلَا واسِيْلُوْه!": عن المطر والسيل في الثقافة الشعبية اليمنية
يحظى المطر بمكانة عالية لدى اليمنيين تنعكس في ثقافتهم الشعبية. كيف؟
تمثّل الزراعة منذ أقدم العصور حتى العصر الحديث مقوّماً رئيساً من مقومات الحياة اليمنية، لا سيما الريفية منها، التي تُشكِّلُ النسبة الأكبر من المساحة السكانية.
ولأن الحياة الزراعية في اليمن، غالباً ما تعتمد على ماء المطر، الذي يقتصر هطوله في هذا البلد على فصل الصيف، فإنّ هذا الفصل، بأمطاره وسيوله، قد حظي بمكانة عالية لدى اليمنيين، انعكست في ثقافتهم الشعبية، فكان من تجلياته فيها، ما تزخر به هذه الثقافة من مرددات شعبية، ذات ارتباط مباشر، بمركزية العلاقة بينهم وماء المطر المتساقط فيه.
مناجاة التماس المطر
-
المشاقر في عمامة الرجل (أ ف ب)
من أهم السياقات الاجتماعية، التي تتجلّى فيها العلاقة بين الإنسان اليمني وغيث الصيف، تلك المرددات الشعبية، التي غالباً ما تظهر على شفاه النساء، في لحظات هطول المطر. أو قبل لحظات من سقوط قطراته، التي تتشكّل بها أجواء مبشّرة به، ثم محتفلة بتسارع كثافتها أمزاناً غزيرة:
"يا مَطَرْ امْطُرْ
قامَعِيْ مَشْقُر" [1]
تخاطب المرأة في هذه المرددة الشعبية المطر، ملتمسة منه الهطول العاجل. مع تبريرها هذا الالتماس؛ بحاجتها إلى مياهه، لتروي بها نباتها العطري "المَشْقُرْ"، الذي عادةً ما تزرعه المرأة الريفية، في مساحة صغيرة من فناء دارها، أو في أوعية مملوءة بالتراب، توضع في شرفات البيت.
وتختلف صيغة المناجاة والالتماس هذه من منطقة إلى أخرى. إذ ستجد في بعض المناطق إحلال لفظة "مشْطُرْ" محلّ "مشْقُرْ". و"المشْطُر" في المحكية اليمنية تسمية للقطعة الواحدة من الثياب، والجمع منها "مشاطِرْ".
السياق الاجتماعي والاقتصادي في الجغرافيا الساحلية والصحراوية، كان فاعلاً في صياغة نسق الثقافة الاجتماعية المتعاطية مع المطر والسيل.
واتساقاً مع هذا التحوير في هذه المرددة، يأتي التحوير في تفسير الالتماس فيها، بما تحيل عليه من حاجة المرأة، إلى غسل (الثياب/المشاطر) بماء المطر، إذ كثيراً ما تستفيد نساء بعض القرى اليمنية، من ماء سطوح المنازل، بعد أن يستعددن لهذه الاستفادة، بوضع أوعية كبيرة، تتلقّى مياه المطر المتدفقة من مزاريب سطوح البيوت. أو بما تقوم به بعض الأسر، من تثبيت لماسورة بلاستيكية، تصل بهذا الماء إلى خزانٍ قريبٍ من المنزل. وأيّاً كانت طريقة الاحتفاظ بهذا الماء، فإن الاستفادة منه، لا تعدو غسل الثياب به، أو ري ما تملكه الأسرة من ثروة حيوانية؛ إذ يغلب على محورية المناجاة في هذه المردّدة أن تأتي التماساً لسقوط المطر، والاستفادة منه في ري المساحات الزراعية:
"يا مَطَرْ امْطُرْ
للذُّرة والبُرْ"
فهنا تنحو مناجاة التماس المطر منحى تبريرياً، متعلقاً بالحاجة المباشرة إلى مياهه، في ريّ الحقول الزراعية، التي اختزلت الإحالة إليها، بإيراد اثنين من محاصيلها: (الذّرة/ والبُر).
سيول الحقول
-
تبدأ مركزية السيل في التشكل هنا من اللحظات التي تبدأ فيها سُحُب السماء في الاحتشاد
إذا كان المطر هو مركزية المناجاة في المرددة السالفة، فإن مركزية هذه المناجاة في مرددات أخرى، قد جاءت متمحورة في ما تفضي إليه غزارة المطر، من تدفق للسيول، ذات المنفعة المباشرة، في تسيير العملية الزراعية:
"سيْلُوهْ .. ألّا واسيْلوهْ
سَيْلُوهْ .. حَنّيْ الرُّويْعدْ [2]
تبدأ مركزية السيل في التشكل هنا من اللحظات التي تبدأ فيها سُحُب السماء في الاحتشاد، مصحوبة بأصوات الرعد. وقد كان للموسيقى الصوتية المتجانسة مع مشاعر النجوى دورها الفاعل، في تطويع لفظة الرّعد وتصغيرها (الرُّويْعِد). كما اكتنزت صيغة التصغير هذه نسقاً من معاني الاحتفاء الوجداني، بالمطر وبشائر وصوله. تلك (البشائر/القطرات) التي تتكاثف، فتستوعبها المرددات الشعبية، بمضامين تحيل إلى إجراءات عملية، في استثمار السيول:
سيْلُوْهْ.. عبِّر [3] وهادي
سِيْلُوه.. عبّر للواديْ
سيْلوهْ .. على بلادي
إذ تنمو مناجاة التماس المطر فتزيد معانيها التحاماً بمتغيرات واقعية، تعمل على تحويل هذه المناجاة، من سياق التوسُّل والدعاء التماساً لنزول الغيث، إلى سياق خطابي، موجّه إلى الشخص المخوّل، بضبط مسارات ماء السيل إلى مزارع الوادي.
تختلف صيغة المناجاة والالتماس من منطقة إلى أخرى. إذ ستجد في بعض المناطق إحلال لفظة "مشْطُرْ" محلّ "مشْقُرْ". و"المشْطُر" في المحكية اليمنية تسمية للقطعة الواحدة من الثياب، والجمع منها "مشاطِرْ".
وتختلف تسمية هذا الشخص من منطقة إلى أخرى، لكن (هادي) هي التسمية الأكثر شيوعاً واستخداماً، في كثير من التجمعات الزراعية الريفية في اليمن.
وبعد اطمئنان شخصية النجوى، إلى تأمين تدفق ماء السيل ــ إلى الوادي الذي يعنيها وصول الماء إليه ــ تتسع في مضامين التماسها، لتشمل بدعائها شتى الأودية في بلادها "سَيْلُوْه على بِلادِيْ". بما في هذا الاتساع من إحالة ضمنية، إلى مركزية السيل في استمرار اخضرار المزارع، وما يترتب عليه من استمرار لحياة المجتمع، الذي يستند فيها إلى محاصيل حقوله الزراعية.
بين الطبيعتين الساحلية والجبلية
-
بائعة مشاقر في تعز
تنطوي هذه المرددات الشعبية القائمة على التماس جدوى السيل على نوع من الاختلاف، بين طبيعتي البلد الساحلية والجبلية. إذ يقتصر ترديدها مكتملة، على مجتمع الطبيعة الجبلية في شمال اليمن، والمرتفعات الشمالية الغربية، ومساحات مختلفة من المناطق الوسطى. بينما يغلب الاجتزاء على ترديدها، في مجتمع المناطق الساحلية والصحراوية جنوب اليمن، بل يسود في هذه المناطق الاكتفاء بتداول هذه الجملة منها: "ألّا واسِيْلُوْهْ واسِيْلُوْهْ"
ويتّضح أن هذه المفارقة، بين الطبيعتين الجغرافيتين، عائدة إلى اختلاف تضاريسهما؛ فتضاريس المناطق الجبلية، وما يتعلق بها من خصوبة أرض زراعية في شعاب الجبال، هي تضاريس ذات جدوى اقتصادية محورية في الحياة الاجتماعية. لذلك كانت هذه الطبيعة متسقة مع احتفاء ثقافتها الشعبية بالمطر والسيول، بتلك الصيغة الاستيعابية لتفاصيل هذه الجدوى. بينما الأمر مختلف في المناطق الساحلية والصحراوية، التي تحد تضاريسها من جدوى الاعتماد على الزراعة فيها، كما توجه هذه التضاريس الاقتصاد الاجتماعي، إلى المهن والحرف والوظائف الحكومية وغير الحكومية.
هذا السياق الاجتماعي والاقتصادي في الجغرافيا الساحلية والصحراوية، كان فاعلاً في صياغة نسق الثقافة الاجتماعية المتعاطية مع المطر والسيل، بتلك الصورة المتسقة مع خصوصيته، حيث غابت عنه تفاصيل ثقافة المجتمع ذي التضاريس الجبلية، وجاءت ثقافة المطر والسيل فيه، على ذاك النحو من التسارع الإيقاعي، الذي يحمل طابعاً من ضمنية الحث على الابتعاد من مجاري السيول، التي عادة ما تصل إلى هذه الجغرافيا بشكل مفاجئ، قادمة من المرتفعات الجبلية، في طريقها إلى البحر، مارّة من الطبيعة الساحلية والصحراوية، في أجواء صحوة؛ إذ يغلب على هذه الطبيعة ألّا يكون في آفاقها سحائب مبشّرة بمقدم تلك السيول.
تنمو مناجاة التماس المطر فتزيد معانيها التحاماً بمتغيرات واقعية، تعمل على تحويل هذه المناجاة، من سياق التوسُّل والدعاء التماساً لنزول الغيث، إلى سياق خطابي، موجّه إلى الشخص المخوّل، بضبط مسارات ماء السيل إلى مزارع الوادي.
كما لا تهطل على مناطقها أمطار غزيرة، تفضي إلى تدفق السيول في أوديتها، كتلك التي تصل إليها من المرتفعات الجبلية.
من زاوية أخرى، تتجلّى هذه المفارقة في ثقافة المطر والسيل، بين المجتمعين الزراعي والساحلي، من خلال انتقال تلك المرددة الشعبية المتعلقة بهذه الثقافة، من سياقها المناخي إلى سياق فني، إذ كثيراً ما ترد هذه الجملة: "واسيْلُوه ألَا واسيْلوه"، بإيقاعها المتسارع الراقص، ضمن أغاني الأعراس، في مجتمع المناطق الساحلية والصحراوية. بينما يقتصر تداول هذه المرددات، على سياقها المناخي الممطر، في مجتمع المناطق الجبلية.
[1] "المشْقُر" في المحكية اليمنية: مفردٌ جمعه "مَشاقِر"، وهي أضاميم الورد والريحان وغيرها مما يتم التزيّن به. وتوضع هذه الأضاميم فوق الرأس، فتتزيّن المرأة بتثبيتها بجانب خدّها، وتظهر من خلال ما تضعه على رأسها من خُمر ونحوها. كما يتزيّن بها الرجال بوضع تلك الأغصان، في طيات ما يعتمّون به من شالات وسمايط. يُنظر: مطهر علي الإرياني، "المعجم اليمني (أ) في اللغة والتراث، حول مفردات خاصة من اللهجات اليمنية". ط1، دار الفكر، دمشق، 1417هـ ـ 1996م، ص504،503.
[2] "حنِّيْ الرُّويْعِدْ": حنّ الرعد وتعالى صوته. وكُتبتْ بالياء، لأن المحكيّة تشبع صوت الكسرة في نطق صوت (النون) منها.
[3] "عَبِّرْ": من "العُبْرَة في الحقول: ضربٌ من قنوات الري الصغيرة، لري الأرض من سيل أو من غيل"، يُنظر: مطهر الإرياني، "المعجم اليمني". المرجع السابق، ص604.