هوس الظهور ومرايا الفراغ

نحن نعيش في زمن المرايا اللانهائية، حيث يُنتج كلٌّ منّا صورته كسلعةٍ استهلاكية، ويستهلك صور الآخرين في دوامةٍ فارغة. التاريخ يصرخ بأنّ الحضارات التي انتصر فيها اللمعان على الجوهر كان السقوطُ نهايتها.

  • هوس الظهور ومرايا الفراغ
    أصبحت الهوية سلعة في سوق الميديا، والعرض أكثر أهمية من المضمون

في دهاليز النفس البشرية، تتشابك خيوط دقيقة بين الحاجة لإثبات الوجود وحبّ الظهور، بين الرغبة في أن تكون والرغبة في أن تُرى. ليست ظاهرة حبّ الظهور حديثة العهد؛ فقد عرفتها بلاطات الملوك وصالونات الأدب وصور الفنّ عبر العصور، لكنها اليوم تلبس ثوباً جديداً في سوق الميديا المفتوحة، حيث تحوّلت المرايا إلى شاشات، والأنظار إلى متابعين، والتحيّات إلى "لايكات". نحن إزاء تحوّل أنتروبولوجي عميق، حيث يختلط إثبات الوجود الواقعي بالتمثيل الافتراضي، والجوهر بالصورة.

في الأساس، حبّ الظهور هو محاولة لتأكيد الذات عبر اعتراف الآخر. إنه الصراع الأزلي بين الهوية الخفية والهوية المرئية، بين الباطن والظاهر. يقول الفلاسفة إنّ الإنسان كائن علائقي، يُعرِّف نفسه عبر عيون الآخرين. لكن حين تتحوّل هذه العلاقة إلى مسعى مرَضي، يتحوّل الوجود إلى صورة مجوّفة، والجوهر إلى قشرة لامعة. إنها رغبة في الهروب من طيف الزوال، في خلود زائغ تمنحه لحظة الاهتمام العابرة.

لقد ولّى زمن المرآة الواحدة التي كانت تعكس وجوهاً حقيقية في أمكنة محدودة. صرنا في عصر المرايا المتعدّدة المشوّهة أحياناً، المكبّرة أحياناً أخرى، التي تخلق واقعاً موازياً يسبح في فضاء رقمي لا نهائي. هنا لم يعد حبّ الظهور مجرّد نزوة عابرة، بل تحوّل إلى صناعة وجودية، حيث يُختزل الإنسان في سلسلة من الصور المتحرّكة، واللحظات المصوّرة، والانطباعات المؤقتة.

لقد أصبحت الهوية سلعة في سوق الميديا، والعرض أكثر أهمية من المضمون، والومضة أبلغ من العمق. في هذا البازار المفتوح، يصرخ الجميع ليُسمعوا، ويتكاثرون ليُروا، وينافسون على شيء اسمه "الانتباه" الذي أصبح العملة النادرة في زمن الفيض المعلوماتي. الصمت أصبح عيباً، والخفاء شبهة، والوجود غير الموثّق شبه عدم.

عندما يصبح الإنسان مُنتَجاً

في قلب هذه العاصفة، تنمو القيم الاستهلاكية كأعشاب سامّة في تربة الروح. لم يعد الاستهلاك مقتصراً على السلع المادية، بل امتدّ ليشمل القيم والعلاقات وحتى الذوات. وكما يحلّل الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جيل ليبوفيتسكي، فإنّ الفرد في مجتمع الاستهلاك النرجسي لم يعد يبحث عن الإشباع في الإيمان أو الأيديولوجيا العظمى، بل في العناية بالذات وعرضها، محوّلاً حياته إلى مشروع جذّاب للعرض والاستهلاك.

صرنا نستهلك صور الآخرين، ويستهلك الآخرون صورتنا، في دائرة مغلقة من الاستعراض والاستهلاك. الإنسان المعاصر ينتج ذاته كمنتج، ويغلّفها بغلاف جذّاب، ويعرضها في سوق المنافسة الوجودية. لقد تحوّلت الحياة إلى "بروفا" دائمة، حيث تُقاس القيمة بعدد المشاهدات، وتُختزل التجارب في إطار الصورة.

لكن وراء كلّ هذا اللمعان الرقمي، ثمّة فراغ موحش. فكلما ازدادت الصور، قلّت الرؤية. وكلما كثرت الانعكاسات، ضاع المصدر. لقد أصبحنا نعيش في عالم من الظلال المضيئة، حيث يختلط الواقع بالوهم، والحقيقة بالتمثيل. الإنسان الذي يبحث عن ذاته في عيون الآخرين عبر الشاشات، يشبه من يبحث عن الماء في سراب الصحراء: كلما اقترب، ابتعد. السؤال المرّ: هل نستطيع أن نحبّ ذواتنا الحقيقية بما فيها من نقائص، أم صرنا نحبّ فقط النسخة المصقولة التي نعرضها للعالم؟

لو أمعنا النظر في صفحات التاريخ، لوجدنا هذا الخيط الأسود نفسه يتخلّل نسيج الحضارات. فما نظنّه طارئاً علينا اليوم، كان حاضراً بأشكال مختلفة: في استعراضات الملوك ليقينهم المزعوم، وفي صالونات الأدب حيث تنافس الشعراء على إبهار النخبة، وفي بلاطات الحكّام الذين حوّلوا السياسة إلى مسرح. لكنّ الفارق الجوهري أنّ تلك العصور كانت تحوي محاذيرها: النقد الأدبي، حدود المكان، حضور الجوهر إلى جانب المظهر. اليوم، انكسرت كلّ الحواجز، فانتقل الهوس من دائرة النخبة إلى يد العامّة، ومن الفضاءات المحدودة إلى الكون الافتراضي اللامتناهي.

ومع هذا المسار التاريخي الطويل، يتبيّن لنا أن ما نظنّه مرضاً معاصراً هو في الحقيقة ميلادٌ قديمٌ يرتدي في كلّ عصرٍ ثوباً جديداً. لقد حوّلت الميديا المفتوحة والقيم الاستهلاكية هذا الميل من نزوةٍ فرديةٍ أو امتيازٍ نخبويٍّ إلى نظامٍ كونيٍّ للقيمة، حيث صار الوجود يُقاس بالرؤية، والحضورُ بعدد "الإعجابات".

ها نحن نعيش في زمن المرايا اللانهائية، حيث يُنتج كلٌّ منّا صورته كسلعةٍ استهلاكية، ويستهلك صور الآخرين في دوامةٍ فارغة. التاريخ يصرخ بأنّ الحضارات التي انتصر فيها اللمعان على الجوهر كان السقوطُ نهايتها، لكنه يهمس أيضاً بأنّ الروح العميقة قادرةٌ، دوماً، على تحطيم المرايا والبحث عن ذاتها في صمت الكينونة، لا في ضجيج الظهور.

نحو استعادة الجوهر

ربما يكون الخلاص في إعادة اكتشاف الصمت وسط الضجيج، والخصوصية وسط العري العامّ، والعمق وسط السطحية. فالإنسان الحقيقي ليس من يظهر، بل من يكون. وليس من يلتقط الصور، بل من يترك أثراً. في زمن المرايا المتعدّدة، قد تكون الشجاعة الحقيقية هي القدرة على تحطيم المرايا كلّها، والبحث عن الذات في أعماق النفس، بعيداً عن أضواء الشاشات وصراخ الأسواق. وهنا تذكّرنا الفيلسوفة الأميركية، جوديث بتلر، بأنّ الهوية ليست معطى جوهرياً ثابتاً، بل هي أداء متجدّد؛ والخطر كلّ الخطر أن يتحوّل هذا الأداء إلى مجرّد تقليد فارغ لصورة مفرغة.

لعلنا نستعيد ذات يوم البعد المقدّس للوجود الإنساني، الذي لا يحتاج إلى إثبات نفسه بغير جوهره، ولا إلى تعريف نفسه بغير أفعاله. حينها فقط، سنفهم أنّ الحضور الحقيقي ليس في عدد المرايا التي تعكس صورتنا، بل في قدرة روحنا على أن تكون مرآة تعكس نوراً داخلياً لا يحتاج إلى إثبات. في عالمٍ يقدّس الظهور، قد تكون أعظم ثورةٍ هي أن تختفي لتكتشف من أنت حقاً، وأن تعود من رحلتك الداخلية بشيءٍ يستحقّ الظهور: حكمة، جمال، أو محبة تملأ العالم لا صوراً تستهلكه.

اخترنا لك