هل شكلت هزيمة اللومبارديين بداية انكسار الحملات الصليبية؟
كيف اندفع آلاف الأوروبيين بعد سقوط القدس نحو الشرق، ثم اصطدموا بحقيقة أنّ الحماسة الدينية وحدها لا تكفي لصناعة نصر عسكري؟
كان الصليبيون يغادرون غرب أوروبا في جماعات نحو الشرق منذ عام 1096م حتى سقوط بيت المقدس في أيديهم عام 1099م، فيما عُرف تاريخياً بالحملة الصليبية الأولى.
وقد رغبت بعدها أعداد غفيرة من كلّ طبقات أوروبا في الذهاب إلى المدينة المقدّسة، إذ كان الجميع يتحرّقون إلى المشاركة في المكاسب التي تحقّقت في الشرق على يد أمراء الحملة الأولى.
ويذكر المؤرّخ اللاتيني، وليم الصوري، أنه "حينما سمع أمراء الغرب بالأمور الجليلة التي أجراها الله على أيدي عباده الذين ذهبوا للحج، وكيف نصرهم على الأهوال، اغتبطت نفوس الذين ظلوا وراءهم فرحاً بنصر إخوانهم، ومن ثمّ اتفقوا على أن يشرعوا في الخروج بحملة جديدة" [1].
وكان بابا روما، أوربان الثاني (1088 -1099)، قد بدأ قبل وفاته في الدفع باتجاه إرسال جيوش إضافية إلى الشرق، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإرغام الذين لم يوفوا بنذورهم على المشاركة في الحروب الصليبية. ومع ذلك، فإنّ الأهداف المقصودة هذه المرة كانت مختلفة عن تلك التي وضعها أمراء الحملة الصليبية الأولى.
ويبدو أنّ البابا أوربان، قبل أن تصله أخبار سقوط بيت المقدس قبل وفاته بوقت قصير، طلب، أثناء مجمع روما الذي انعقد بين 24 و30 نيسان/أبريل عام 1099، من رئيس أساقفة ميلان أن يدعو اللومبارديين للمشاركة في الحروب الصليبية. كما اقترح على أهالي ميلان غزو مصر، على أن تكون خطته أن يتقدّم الصليبيون براً إلى بيت المقدس، ثم يواصلون زحفهم نحو الأراضي المصرية.
من المثير للدهشة أنّ حملة العام 1101م، على الرغم من أهميتها وما لحق بها من نتائج أثّرت على مجرى تاريخ الحروب الصليبية، لم تُعرف اصطلاحاً في المراجع التاريخية بالحملة الصليبية الثانية.
غير أنّ البابا باسكال الثاني (1099 - 1118)، الذي خلفه، كان أكثر واقعية، حيث أعلن في خطابه في كانون الأول/ديسمبر عام 1099 الحاجة الملحة إلى مساعدة الأوروبيين الذين استولوا على الأراضي المقدّسة [2].
كان الصليبيون في الشام عندئذ في حاجة ماسّة إلى معونات بشرية لتعويض ما فُقد أثناء الحروب التي دارت مع المسلمين، ولاستئناف التوسّع داخل أراضي الشام، وحماية ما حقّقوه من مكاسب ضدّ أية محاولة انتقامية من جانب المسلمين.
ذلك أنّ الحملة الصليبية الأولى، التي دفعت نحو الشرق أعداداً كبيرة من الرجال والنساء، سرعان ما خمد زخمها بعد الاستيلاء على بيت المقدس، ولم يبقَ لمهمة ترسيخ الغزو وتحقيق الاحتلال سوى قطاعات عسكرية محدودة، بفعل الأوبئة، ونتيجة خسارة أعداد كبيرة في المعارك الطويلة، إضافة إلى عودة بعض أمراء الحملة الصليبية الأولى إلى أوروبا بعدما استتبت أمور مملكة بيت المقدس الصليبية بنجاحهم في صدّ الهجوم الفاطمي في معركة عسقلان، في 12 آب/أغسطس عام 1099.
كان الصليبيون في الشام في حاجة ماسّة إلى معونات بشرية لتعويض ما فُقد أثناء الحروب التي دارت مع المسلمين، ولاستئناف التوسّع داخل أراضي الشام، وحماية ما حقّقوه من مكاسب ضدّ أية محاولة انتقامية من جانب المسلمين.
ولم يبقَ إلى جانب جودفري دي بويون، الذي عرف بــ "الحامي" و"المدافع عن القبر المقدّس" في بيت المقدس، سوى بضعة مئات من الفرسان، بل لم تستطع الإمارات الصليبية مجتمعة تجنيد أكثر من نحو 1100 فارس. وقد دفع ذلك البابا باسكال الثاني، أثناء المجمع الكنسي المحلي الذي انعقد في ربيع عام 1100، إلى تهديد الذين هربوا من الجيش الصليبي في المشرق أثناء الحملة الصليبية الأولى بالحرمان الكنسي، ما لم يعودوا ثانية إلى المشرق لاستكمال الحرب المقدّسة.
وليس هناك شك في أنّ الانتصارات التي حقّقتها الحملة الأولى في الشرق دفعت آلاف الرجال والنساء من إيطاليا وألمانيا وفرنسا تجاه الشرق، إلا أنّ هذه المجموعات الصليبية، مع كثرة رجالها، لم تكن تضمّ سوى عدد محدود من الفرسان المحاربين، في حين تألفت في غالبيتها العظمى من أفراد من العامة.
اللومبارديون في حضرة الأمبراطور البيزنطي
-
بطرس الناسك يقود جموع الحملة الصليبية الأولى (Wikimedia Commons)
تألفت أولى تلك الحشود الصليبية التي اتجهت نحو الشرق من اللومبارديين. واللومبارديون هم إحدى القبائل الجرمانية التي استقرت في شمال إيطاليا منذ النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، واقتسموا النفوذ داخل الأراضي الإيطالية مع البابوية والإمبراطورية البيزنطية خلال العصور الوسطى.
وقد غادروا ميلان في أيلول/سبتمبر عام 1100، سالكين الطريق نفسه الذي سلكته الحملة الصليبية الأولى، تحت قيادة فريق كنسي برئاسة أساقفة ميلان. كما عيّن البابا ممثّلاً شخصياً له ومعه اثنان من المعاونين، إضافة إلى 3 من رؤساء الأساقفة، و8 أساقفة على الأقل.
وإلى جانب ذلك، كان هناك بعض القيادات العلمانية متقاربة المكانة، حيث يذكر وليم الصوري، "كيف تأججت رغبة الحج إلى الأراضي المقدّسة في صدور كثير من النبلاء المعروفين بثرائهم وبراعتهم في حمل السلاح"[3].
وبعد أن قضت تلك الجموع الصليبية فصل الشتاء في بلغاريا، تابعت زحفها حتى وصلت إلى مدينة القسطنطينية في مطلع آذار/مارس عام 1101. وقد اتبع الإمبراطور البيزنطي، ألكسيوس كومنين، مع هذه الحملة الأسلوب نفسه الذي اتبعه مع الحملة الصليبية الأولى، حيث سمح للأمراء بالمثول أمامه لأداء يمين الولاء، في حين ظلت الجيوش الصليبية خارج أسوار القسطنطينية.
وهو ما يشير إليه الصوري بقوله: "تلقاهم في القسطنطينية الإمبراطور لقاء طيباً، ومنحهم الهدايا الغالية" [4]. ورأوا في بلاطه كونت تولوز، ريموند الصنجيلي، الذي مضى إلى الإمبراطور متلمّساً معونته، ليتمكّن من العودة إلى الشام ويفتح مدينة من مدنها.
وكان ريموند الصنجيلي، وهو أحد قادة الحملة الصليبية الأولى، قد رحل إلى القسطنطينية في صيف عام 1100م، بعد أن أصابته خيبة الأمل من تحقيق طموحه السياسي في الأراضي التي دخلها في الحملة الأولى. فلم يجد ريموند وسيلة سوى التقرّب من الإمبراطور البيزنطي والدخول في خدمة أغراضه في بلاد الشام.
وفي تلك الأثناء، وصلت المجموعات الأولى من حملة 1101 إلى القسطنطينية، وقد وجد ريموند في هذه الحملة الجديدة أداة صالحة يمكن استخدامها في تحقيق أطماعه في الشام. وهو ما تمّ بالفعل بعدما أوكل إليه الإمبراطور البيزنطي الإشراف على هذه الحملة وتوجيهها إلى بلاد الشام. ويبدو أنّ أمراء حملة عام 1101 قد استبشروا بلقاء ريموند الصنجيلي، سعياً وراء الانتفاع من خبرته التي اكتسبها من مشاركته في الحملة الصليبية الأولى.
لكن سرعان ما بدأ جنود هذه الحملة أعمال النهب والسلب في بلاد الإمبراطور، والاشتباك مع جنوده، مما جعل الإمبراطور البيزنطي يعجّل بعبور جموع الصليبيين البوسفور إلى آسيا الصغرى.
لم يبقَ إلى جانب جودفري دي بويون، سوى بضعة مئات من الفرسان، بل لم تستطع الإمارات الصليبية مجتمعة تجنيد أكثر من نحو 1100 فارس.
وقد اعترض اللومبارديون على تلك الأوامر الإمبراطورية بحجة الرغبة في انتظار بقية إخوانهم القادمين من الغرب. وتؤكّد المؤرّخة اليونانية، آنا كومنين، أنّ هذه الجماعات الصليبية عندما عبرت أراضي المدن البيزنطية الصغيرة، فتح اليونانيون لها أبواب المدن واستقبلها القساوسة، غير أنّ اللومبارديين لم يكتفوا بنهب الممتلكات، بل قاموا أيضاً بالاعتداء على أهالي بعض المدن [5]. فما كان من الإمبراطور إلا أنّ منع عنهم شراء المواد التموينية، فاضطروا إلى الاستجابة لنصيحة الأمير ريموند، وعبروا البوسفور في نيسان/أبريل 1101. ولم تلبث أن وصلت جموع صليبية أخرى من الفرنسيين والألمان، فعسكروا عند مدينة نيقية [6]. وتذكر بعض الروايات الوسيطة أرقاماً ضخمة لأعداد الصليبيين، غير أنّ هذه الأرقام ينبغي التعامل معها بحذر، والأدقّ القول إنّ الحملة كانت كبيرة العدد، لكنها ضعيفة التنظيم ومحدودة الفرسان المدرّبين.
وتؤكّد آنا كومنين أنه، رغم ما قام به صليبيو حملة 1101م من أعمال سلب ونهب ضدّ الدولة البيزنطية، فإنّ الإمبراطور ألكسيوس خصّص فرقة بيزنطية لتكون دليلاً لهم في طريقهم داخل آسيا الصغرى. كما قدّم لهم النصح بالذهاب إلى إخوانهم اللاتين والانضمام إلى الجيوش الصليبية، وألّا يحاولوا الانفراد بأيّ عمل عدائي ضدّ الأتراك.
ورغم أنّ ريموند الصنجيلي قد أيّد هذه الفكرة، فإنّ جموع اللومبارديين أصرّوا على مهاجمة بلاد بني دانشمند في كبادوكيا، من أجل تخليص بوهيموند، أمير أنطاكية الصليبية، من أسر الملك غازي كمشتكين. ولما كان اللومبارديون يمثّلون الأغلبية، فقد أذعن ريموند لرأيهم، وجاء قرار مواصلة الزحف مخالفاً لنصيحة الإمبراطور ألكسيوس [7].
اللومبارديون في مواجهة السلاجقة
-
منمنمة لمشهد معركة صليبية (عن الإنترنت)
وصلت الحملة إلى أنقرة ونجحت في الاستيلاء عليها في 23 حزيران/يونيو عام 1101م، ثم اتجه اللمبارديون نحو الشمال الشرقي بهدف الاستيلاء على كنغري، لكنهم عجزوا عن ذلك، فاتجهوا شمالاً نحو قسطموني على ساحل البحر الأسود [8].
وقد اتبع قلج أرسلان (1092-1107)، سلطان سلاجقة الروم، في التعامل مع هذه الحملة سياسة الأرض المحروقة التي اشتهر بها السلاجقة، فانسحب من أمام جموع الصليبيين مدمّراً في طريقه ما قد ينتفع به الصليبيون في التموين.
ويبدو أنّ السلاجقة قد وعوا الدرس جيداً هذه المرة، فاتحدت جهودهم في مواجهة جيوش الحملة الصليبية الجديدة، حيث قدّم قلج أرسلان دعمه للملك غازي كمشتكين، كما انضمّ إليهم رضوان صاحب حلب ( 1095-1113). فلما أخذ التعب والإرهاق يحلّان بالصليبيين، وبدأوا يعانون العطش والجوع، بدأت الجيوش التركية تحيط بهم من كلّ جانب وتعزلهم عن مناطق الرعي والماء.
وفي التوقيت الذي انتظره السلاجقة، في أوائل آب/أغسطس عام 1101م، قرب مرسيفان بين مدينتي أماسيا وسيواس، أطبقوا بجيوشهم المتحالفة على الصليبيين، فأصاب الذعر قلوبهم، وكان اللومبارديون أول من ولّى الأدبار.
وعبثاً حاول الأمير ريموند الصنجيلي حثّهم على الثبات والمقاومة، لكنه في النهاية اضطرّ إلى الفرار، ومعه قائد الفرقة البيزنطية، شمالاً نحو البحر الأسود، ومن هناك ركب سفينة إلى القسطنطينية. وفّرت الجماعات الصليبية الأولى من حملة 1101م أمام جيوش السلاجقة، بعدما تركوا في أيديهم صفقة رابحة من الأسرى والغنائم.
وقد قتل في هذه المعركة عدد ضخم من الصليبيين. ويذكر المؤرّخ ابن الأثير أنه "لم يفلت أحد من الفرنج سوى 3 آلاف هربوا ليلاً من 300 ألف" [9]، بينما يذكر وليم الصوري أنهم "وقعوا في أيدي العدو، الذي أفنى منهم بالسيف أكثر من 50 ألف نسمة ما بين ذكر وأنثى" [10]. ورغم أنّ هذه الأرقام تعكس ضخامة الكارثة في نظر مؤرّخي العصور الوسطى، فإنها لا تخلو من المبالغة المعتادة في المصادر الوسيطة.
هكذا أدّى جهل اللومبارديين بطبيعة البلاد، وعدم رغبتهم في الاستماع للنصح البيزنطي، إلى الانحراف بالحملة عن طريقها الطبيعي، مما عرّضها لهزيمة بالغة، محت الأثر الرنّان الذي تركه الصليبيون بانتصارهم على السلاجقة في ضورليم عام 1097 [11].
ورغم أنّ فرار ريموند الصنجيلي كان بمثابة إعلان نهاية تلك الحملة، فإنها لم تكن الكارثة الأخيرة. فبينما كانت جموع اللومبارديين تسعى إلى حتفها في آسيا الصغرى، كانت الجموع الفرنسية التي غادرت الأرض الفرنسية في شباط/فبراير 1101، تحت قيادة وليم الثاني، كونت نيفير، تحاول اقتفاء أثر اللومبارديين بعد عبورها البوسفور على سفن بيزنطية. وبعد أن فرغ السلاجقة من مطاردة فلول اللومبارديين، بدأوا في التقدّم نحو أولئك الصليبيين الجدد.
رغم أنّ ريموند الصنجيلي قد أيّد هذه الفكرة، فإنّ جموع اللومبارديين أصرّوا على مهاجمة بلاد بني دانشمند في كبادوكيا، من أجل تخليص بوهيموند، أمير أنطاكية الصليبية، من أسر الملك غازي كمشتكين.
وقد اتبعوا معهم الأسلوب نفسه، حتى إذا واصل الصليبيون طريقهم إلى أقصى ما يمكن أن يصلوا إليه من جوع وإنهاك، استطاعوا أن يبيدوهم إبادة شبه تامة قرب مدينة هرقلة في أواخر آب/أغسطس من العام 1101.
ويعلّق وليم الصوري على الهزائم المتتالية لصليبيي هذه الحملة بقوله: "ثمّ شاءت الظروف أن يتفرّق الصليبيون بعضهم عن بعض، وسارت كلّ طائفة منهم في طريق غير الطريق الذي سلكته الأخرى، وذلك لأنهم كانوا أشبه بذرات الرمال لا ترابط بينها، إضافة إلى أنه كان ينقصهم التنظيم الحربي" [12].
آثار هزيمة اللومبارديين على مجريات الحروب الصليبية
-
الفارس الصليبي العائد (Wikimedia Commons)
يبدو أنّ الكارثة كانت من الضخامة بحيث دفعت الصليبيين إلى توجيه الاتهامات إلى الإمبراطور البيزنطي، وتحميله مسؤولية هذه الهزيمة غير المتوقّعة، حفاظاً على السمعة التي حصلوا عليها منذ قدومهم إلى الشرق، باعتبارهم لا يُهزمون وأنّ "قوة إلهية" تساندهم.
ورغم اعتراف وليم الصوري بأنّ الإمبراطور ألكسيوس قد عامل صليبيي الحملة "معاملة طيبة"، فإنه يلقي عليه بمسؤولية هذه الكارثة التي حلّت بالحملة، ويتهمه بخيانة الصليبيين بقوله: "فأكل الحسد قلبه من نجاح الصليبيين، ومن ثمّ بعث الرسل إلى الترك يحثّهم على العمل للقضاء على الحجّاج، وينبّههم ألا يدعوا هذا الحشد يمرّ بسلام" [13].
غير أنّ هذا الاتهام ينبغي فهمه في سياق الرواية اللاتينية التي حاولت تفسير الهزيمة وإلقاء تبعاتها على البيزنطيين. ومن المؤكّد في المقابل أنّ الإمبراطور ألكسيوس لم يكن راغباً في قيام الحملة المذكورة بتخليص بوهيموند من الأسر، وهو ما تشير إليه آنا كومنين، التي تذكر أنّ سبب الهزيمة كان عدم استماع الصليبيين لنصائح الإمبراطور بأن ينضمّوا إلى اللاتين في الشام، وألا يتوغّلوا في أراضي الأتراك [14].
ولا شكّ أنّ حملة اللومبارديين عام 1101م كانت لها نتائج خطيرة أثّرت على مجريات تاريخ الحروب الصليبية. وكان أهمّها تقوية الروح المعنوية لدى الأتراك المسلمين، مما شجّعهم على تسديد عدة ضربات في ما بعد للصليبيين في أعالي بلاد الشام، فضلاً عن استعادة سيطرتهم على آسيا الصغرى، مما أغلق الطريق البري مرة أخرى أمام الصليبيين.
في التوقيت الذي انتظره السلاجقة، في أوائل آب/أغسطس عام 1101م، قرب مرسيفان بين مدينتي أماسيا وسيواس، أطبقوا بجيوشهم المتحالفة على الصليبيين، فأصاب الذعر قلوبهم، وكان اللومبارديون أول من ولّى الأدبار.
وقد ساعد ذلك على زيادة نشاط المدن التجارية التي اعتمد عليها الصليبيون اعتماداً كبيراً للوصول إلى الشرق عبر البحر. كما أكّدت الانتصارات التي أحرزها السلاجقة عام 1101م أهمية توحيد الجبهة الإسلامية في مواجهة خطر الفرنجة.
ومن ناحية أخرى، فقد أبرزت حملة 1101م مدى أهمية النجاح الذي أحرزه الفرنجة أثناء الحملة الصليبية الأولى، إذ إنّ فشل اللومبارديين عمل على زيادة قيمة الإنجازات التي حققها الصليبيون بين عامي 1097م و1099م. فمن المؤكد أنّ الغرب الأوروبي فطن إلى أنّ أمراء السلاجقة كانوا في حالة نزاع وخصام في ما بينهم أثناء الحملة الصليبية الأولى، في حين تحالف الأمراء السلاجقة في آسيا الصغرى وشمال الشام ضدّ الصليبيين عام 1101م. إضافة إلى ذلك، فإنّ الكارثة التي حلّت باللومبارديين حرمت الإمارات الصليبية الناشئة في بلاد الشام من آلاف المقاتلين، الذين كانت في أمسّ الحاجة إليهم، خاصة مملكة بيت المقدس.
ومن المثير للدهشة أنّ حملة 1101م، على الرغم من أهميتها وما لحق بها من نتائج أثّرت على مجرى تاريخ الحروب الصليبية، لم تُعرف اصطلاحاً في المراجع التاريخية بالحملة الصليبية الثانية. فمن المتعارف عليه تاريخياً أنّ الحملات الصليبية التي خرجت من الغرب إلى الشرق في المدة الواقعة بين نهاية القرن الــ 11 ونهاية القرن الــ 13 عددها 8، وأنّ الحملة التي قدمت إلى الشرق وهاجمت دمشق عام 1147م قد عُرفت اصطلاحاً بالحملة الصليبية الثانية.
غير أنّ تلك الحملات لم تكن وحدها كلّ الحملات الصليبية، فلم يمرّ عام تقريباً من دون تحرّك جموع صليبية جديدة، وبعض هذه الجموع فاق في كثرة أعداده أو في أهمية نتائجه بعض الحملات الصليبية التي فازت بالترقيم.
والواقع أنّ الترقيم التقليدي للحملات الصليبية جاء لاحقاً، ولم يشمل كلّ التحرّكات الصليبية الكبرى، ولذلك بقيت حملة 1101م، رغم أهميتها، خارج هذا التصنيف العددي المعروف.
المصادر
[1] وليم الصوري: الحروب الصليبية، ترجمة حسن حبشي، القاهرة، 1992، ج2، ص 212.
[2] جوناثان ريلي سميث: الحملة الصليبية الأولى وفكرة الحروب الصليبية، ص227-229.
[3] وليم الصوري: الحروب الصليبية، ج2، ص 213.
[4] المصدر نفسه ص 214.
[5] آمال حامد زيان: الإمبراطور الكسيوس الأول كومنين والحملة الصليبية الأولى، ص140.
[6] سعيد عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبية، ج1، ص280.
[7] آمال حامد زيان، مصدر سابق، ص328-329.
[8] سعيد عبد الفتاح عاشور، مصدر سابق، ص 281.
[9] ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج9، ص29.
[10] وليم الصوري، مصدر سابق، ص 214.
[11] سعيد عبد الفتاح عاشور، مصدر سابق، ص 281-282.
[12] وليم الصوري، مصدر سابق، ص 215.
[13] المصدر نفسه.
[14] آمال حامد زيان، مصدر سابق، ص 332.
