هل تعكس الرواية الإيرانية الصراع مع أميركا و"إسرائيل"؟
كيف تستخدم الرواية الإيرانية الحرب والذاكرة لفهم الهوية والانتماء في مواجهة العالم؟
منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، أصبح العدو الخارجي جزءاً أساسياً من الخطاب السياسي الإيراني، خاصة الولايات المتحدة بوصفها "الاستكبار العالمي"، وكذلك "إسرائيل" التي تأتي بوصفها خصماً أيديولوجياً مرتبطاً بالقضية الفلسطينية و"الغدة السرطانية"، على حد تعبير الإمام الخميني، التي زرعها الغرب الاستعماري في قلب العالم العربي والإسلامي. غير أن الرواية الإيرانية، لم تركز على هذه الزاوية فقط بل تعاملت مع الموضوع بطريقة سردية مركبة، يتقاطع فيها السياسي بالاجتماعي والإنساني.
قبل الثورة، لم تكن الولايات المتحدة أو "إسرائيل" حاضرتين في الرواية الإيرانية بوصفهما خصمين مباشرين، ومع ذلك فإن فكرة التدخل الأجنبي كانت حاضرة بقوة في السرد. ويعود ذلك إلى التجربة التاريخية لإيران مع الصراع حول النفط والانقلابات السياسية، خاصة ما ارتبط بـالانقلاب الذي خططت له واشنطن وبريطانيا عام 1953 وأطاح بحكومة رئيس الوزراء، محمد مصدّق، وأعاد تعزيز سلطة الشاه محمد رضا بهلوي، وفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الحكم المدعوم خارجياً.
منذ الثورة الإسلامية، تحوّل العدو الخارجي إلى جزء من الهوية السياسية، حيث لم يعد مجرد عنصر في الخطاب، بل مكوّناً أساسياً في تشكيل وعي الدولة والمجتمع.
تظهر هذه الخلفية بوضوح في رواية "الجيران" للروائي أحمد محمود، والتي تدور أحداثها في مدينة الأهواز خلال خمسينيات القرن العشرين، في ظل التوترات السياسية التي رافقت تأميم النفط ومقاومة إيران للنفوذ الأجنبي، وعبرها يرسم الكاتب صورة مجتمع يعيش تحت ضغط اقتصادي شديد، ويتزامن مع وعي سياسي ناشئ لبطل الرواية خالد الذي ينتمي للحركة الوطنية، ويتخذ المقاومة نهجاً لمواجهة فكرة الاستسلام للإملاءات الخارجية. بهذا المعنى، يظهر العداء للغرب في هذه الرواية المبكرة بوصفه إحساساً تاريخياً بالهيمنة الخارجية، وأهميتها تكمن في أنها تجسد روح جيل كامل عاش لحظة سياسية فارقة في تاريخ إيران.
جزء من الهوية السياسية
مع قيام الثورة الإسلامية في إيران تغيرت طبيعة هذا الخطاب. فالثورة التي أطاحت بالنظام الملكي رفعت شعار الاستقلال عن النفوذ الأميركي، وتحول هذا الشعار إلى جزء من الهوية السياسية للدولة الجديدة، ما انعكس تدريجياً في الأدب، حيث أصبحت الولايات المتحدة تظهر في الروايات بوصفها رمزاً للهيمنة أو للتدخل في الشؤون الإيرانية.
في رواية "مدار الصفر درجة" لأحمد محمود، يستمر الكاتب في رسم صورة مجتمع يعيش تحت تأثير التحولات السياسية الكبرى، حيث يتشابك مصير الأفراد مع الصراع الأيديولوجي في البلاد. صحيح أنها لا تركز على العداء لأميركا، بقدر تأثير الحرب العراقية - الإيرانية عام 1980 على حياة الناس العاديين البسطاء، لكنها في الوقت ذاته تُصور القوى الغربية كجزء من الخلفية السياسية للأحداث، وأحد أبرز مسبباتها.
في هذا السياق، لم يعد العداء للقوى الغربية مجرد خلفية تاريخية، بل أصبح جزءاً من تفسير الحرب نفسها. خاصة مع يقين الإيرانيين بأن الحرب العراقية قامت بدعم وتوجيه غربي. تظهر هذه الفكرة في رواية "رحلة إلى اتجاه 270 درجة" لأحمد ديهقان، التي تروي تجربة مجموعة من الجنود الإيرانيين على الجبهة، معتمدةً أسلوباً واقعياً يركز على الحياة اليومية للمقاتلين، لكنها تربط هذه التجربة الفردية بالصراع السياسي الأوسع.
في أحد المقاطع يقول الراوي: "كنا نعرف أن الحرب أكبر منا جميعاً، لكن كل واحد منا كان يشعر أنه يحمل وطناً كاملاً على كتفيه"، في هذا السياق السردي، يصبح الجندي الإيراني رمزاً للمقاومة في مواجهة تحالف دولي غير متكافئ، حيث تُفهم الحرب باعتبارها مواجهة بين إيران وقوى كبرى.
ساحة معركة
-
أحمد محمود
أما في رواية "الشطرنج مع آلة يوم القيامة" للكاتب حبيب أحمد زاده، فتقدم زاوية مختلفة للحرب. تدور أحداث العمل الروائي في مدينة آبادان المحاصرة خلال الحرب، حيث يعيش السكان تحت القصف المستمر من قبل نظام صدام حسين، وبالاعتماد على مزيج من الواقعية والسخرية السوداء، يتم تصوير الحياة اليومية للمدنيين في مدينة تتحول تدريجياً إلى ساحة معركة.
هكذا يظهر العداء للغرب بوصفه جزءاً من فهم الحرب نفسها. وقد عبّر أحمد زاده عن هذه الرؤية في تصريح خلال مؤتمر "بلغراد كاونتربوينت" قال فيه إن: "الحروب تحدث لأن الغرب يقدم تعريفاً زائفاً للسلام الحقيقي".
لا تختزل الرواية الإيرانية الصراع في مواجهة مباشرة مع الغرب، بل تقدّمه كخلفية لصراعات داخلية أعمق، تمسّ الهوية والانتماء وتمزّق المجتمع من الداخل.
بهذا المعنى، تعكس هذه الرواية الإيرانية تصوراً شائعاً في الأدب المرتبط بالحرب، حيث يُنظر إلى الصراعات الإقليمية بوصفها نتيجة لتوازنات دولية غير عادلة.
ورغم الحضور القوي للولايات المتحدة في الخطاب السياسي الإيراني، فإن "إسرائيل" تظهر في الرواية الإيرانية بشكل أقل مباشرة. وغالباً ما يأتي حضورها عبر الإشارة إلى الصراع الإقليمي أو القضية الفلسطينية، أو ضمن خطاب أوسع عن مواجهة المشروع الغربي.
الوطن ليس شعارات
-
محمود دولت آبادي
الرواية الإيرانية لا تختزل الصراع في ثنائية إيران مقابل الغرب بشكل مباشر، لكنها في بعض الأعمال، تظهر العداء الخارجي كخلفية لصراعات داخلية أكثر تعقيداً، ومن ذلك رواية "العقيد" لمحمود دولت آبادي، التي تدور أحداثها في السنوات الأولى بعد الثورة، حيث يركز الكاتب على مصير عائلة إيرانية تعيش انقساماً سياسياً حاداً. فالأب، وهو ضابط سابق في الجيش، يجد نفسه ممزقاً بين أبنائه الذين ينتمون إلى تيارات سياسية متعارضة، وتكشف الرواية كيف يمكن للصراعات الأيديولوجية المرتبطة بالسياسة العالمية أن تمزق المجتمع من الداخل.
في أحد المقاطع يقول العقيد: "الوطن ليس ما تقوله الشعارات. الوطن هو هؤلاء الأبناء الذين يضيعون واحداً بعد الآخر". بهذا الطرح، يحول دولت آبادي الصراع السياسي من مواجهة خارجية إلى مأساة إنسانية داخلية.
جرح اجتماعي
إلى جانب الأعمال السابقة، يمكن رصد حضور فكرة الصراع مع الغرب في عدد من الروايات والسير الأدبية الأخرى التي تناولت تجربة الثورة والحرب أو الحياة في ظل الخطاب السياسي الإيراني.
من أبرز هذه الأعمال السيرة المصورة "برسبوليس" للكاتبة مرجانة ساترابي التي تقدم صورة واضحة عن المناخ السياسي الذي نشأ بعد الثورة، حيث كان الخطاب المناهض للولايات المتحدة و"إسرائيل" جزءاً من الحياة اليومية والتعليم والإعلام.
وتصف ساترابي في روايتها كيف كان الأطفال في المدارس يرددون شعارات الثورة ضد الولايات المتحدة، ما يعكس حضور السياسة العالمية في تفاصيل الحياة اليومية للإيرانيين، إضافة إلى التركيز كيف يتحوّل العدو الخارجي إلى جزء من الهوية، وكيف يتوحد الشعب حول هذا العداء.
ومن الأعمال الجريئة أيضاً رواية "قراءة لوليتا في طهران" للكاتبة آذر نفيسي، وهو عمل يجمع بين السيرة والنقد الأدبي، ويصف كيف تتأثر مجموعة من الطالبات بالأدب الغربي خلال تسعينيات القرن المنصرم، وتظهر الكاتبة كيف يرفض الخطاب السياسي الإيراني الثقافة الأميركية، ويرى فيها تهديداً أيديولوجياً، لاسيما أنه يعتبرها رمزاً للفساد والغزو الثقافي.
يظهر الصراع مع الغرب في الأدب الإيراني ليس فقط كمسألة سياسية، بل كسؤال وجودي حول معنى الانتماء في عالم متغيّر، بين ذاكرة الحرب وإغراءات الحداثة.
أما رواية "نساء بلا رجال" للكاتبة شهرنوش بارسيبور فتدور أحداثها في سياق الاضطرابات السياسية التي سبقت انقلاب 1953.
ورغم أن الرواية ذات طابع رمزي يعتمد الواقعية السحرية، إلا أنها تقدم خلفية تاريخية لفهم العلاقة المعقدة بين إيران والغرب، فهي تُظهر أن التدخل الغربي لم يكن حدثاً سياسياً فقط، بل جرحاً اجتماعياً أثّر في بنية المجتمع، وفي حياة النساء بشكل خاص، كما أنها تبين أن العلاقة مع الغرب ليست صراعاً خارجياً فقط، بل صراعاً داخلياً حول الهوية والحرية.
وتقدم بارسيبور الانقلاب على مصدّق بدعم أميركي وبريطاني كحدث يزعزع الثقة بالسياسة، والإيمان بإمكانية التغيير وشعور الناس بالسيادة الوطنية، وتؤكد أن هذا الحدث التاريخي هو أحد جذور الشكّ العميق تجاه الغرب في الوعي الإيراني، والرواية تلتقط هذا الشعور من دون خطاب مباشر.
معنى الانتماء
الكاتب الإيراني رضا أميرخاني في روايته "إرميا" يقدم نموذجاً لرواية ما بعد الحرب التي تتعامل مع تجربة الحرب والهوية الوطنية في مواجهة العالم الخارجي، حيث يظهر الصراع مع الغرب ضمن سياق أوسع من البحث عن معنى الانتماء بعد الحرب.
الرواية تقدّم ذاك الصراع ليس كعداء مباشر أو شعارات سياسية، بل كجزء من أزمة هوية أعمق يعيشها جيل ما بعد الحرب العراقية ‑ الإيرانية. الرواية تشتبك مع سؤال: ماذا يعني أن تكون إيرانياً بعد حرب غيّرت كل شيء؟ ومن خلال هذا السؤال يظهر الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، كمرآة تُبرز التوتر بين الانتماء الوطني والإغراءات الثقافية الحديثة.
ويلمّح أمير خاني إلى أن الحرب خلقت هوية جماعية قائمة على التضحية والالتزام، بينما الغرب، بثقافته السريعة والسطحية، يهدد هذه الذاكرة، لذا فإن الصراع هنا ليس سياسياً، بل وجودياً يتمثل في سؤال: هل يمكن لجيل عاش الحرب أن يتصالح مع عالم لا يفهمه؟
وهكذا فإن الأدب الإيراني، منذ الثورة وحتى اليوم، لم يقدم رؤية واحدة للعداء مع أميركا و"إسرائيل"، إنما شبكة معقدة من السرديات التي تتراوح بين الأيديولوجيا والنقد، وبين التاريخ والسياسة والتجربة الإنسانية العميقة التي تفرزها الحرب وصراع الهويات في مناخات أقل ما يمكن أن يُقال عنها بأنها ولّادة لجماليات سردية عميقة.



