نيقولاي كوشيليوف: فنان الجداريات الخالدة في فلسطين
كيف تحوّلت زيارة نيقولاي كوشيليوف إلى فلسطين عام 1891 إلى محطة فنية وروحية وثّقت علاقة روسيا بالأرض المقدّسة؟
في خضمّ الاهتمام المتجدّد بالتراث الفني الروسي، يبرز اسم رسّام مهمّ عاشت أعماله لوقت طويل في ظلّ أسماء معاصريه اللامعة مثل ريبين وسوريكوف وكرامسكو.
هذا الفنّان هو نيقولاي أندرييفيتش كوشيليوف (1840-1918)، الذي جمع بين كونه رسام مناظر حياتية وبورتريهات، وفنان جداريات دينية ضخمة، وأحد مؤسسي المتاحف الفنية في روسيا القيصرية.
لكنّ الرحلة التي تستحقّ الوقوف عندها بشكل خاصّ هي زيارته إلى فلسطين عام 1891، تلك الزيارة التي أنتجت واحدة من أبرز دورات الرسم الديني الروسي في القرن الــ 19، وارتبطت بأكثر المواقع المسيحية قداسة. التعرّف إلى هذا الفنان وأعماله في الديار المقدّسة ليس مجرّد رحلة في تاريخ الفن، بل هو استعادة لذكرى رجل ساهم بريشته في توثيق إيمان أمّته ورؤيتها لفلسطين وعلاقتها بها.
لوحات كوشيليوف ليست مجرّد قطع أثرية، بل هي شهادة بصرية على حوار ثقافي وفني عميق بين روسيا وفلسطين في نهاية القرن الــ 19.
وُلد كوشيليوف في مدينة أرزاماس، ونشأ في نيجني نوفغورود حيث تلقّى مبادئ الرسم على يد راعية محلية، قبل أن يتجه إلى العاصمة سان بطرسبورغ لاستكمال دراسته. بدأ مسيرته الفنية كرسّام واقعي، وانضمّ إلى مجموعة "أرتيال الفنانين" التقدّمية، وشارك في معارض الفنانين "المتجوّلين".
-
امرأة شرقية (نيقولاي كوشيليوف)
لكنّ محطته الكبرى الأولى كانت مشاركته بين عامي 1865 و1878 في رسم جداريات كاتدرائية المسيح المخلّص في موسكو، وهو المشروع الضخم الذي جعل منه رساماً أكاديمياً معترفاً به. بعدها سافر إلى أوروبا، وعاد ليعمل في التدريس، ثم انخرط في العقود الأخيرة من حياته في رسم الجداريات والفسيفساءات في كنائس كبرى، منها كنيسة المخلص في سان بطرسبورغ، وكاتدرائية وارسو، وحتى لكنائس أرثوذكسية في جنيف وبوينس آيرس. لكن أول أعماله البارزة في هذا المجال، وأكثرها خصوصية، كانت تلك التي نفذها في كنيسة القديس الأمير ألكسندر نيفيسكي في قلب القدس.
كوشيليوف وفلسطين
-
بانوراما القدس (نيقولاي كوشيليوف)
تعود القصة إلى العام 1859، عندما اشترت الحكومة الروسية قطعة أرض بالقرب من كنيسة القيامة في القدس. ظلت تلك الأرض خالية لسنوات، حتى تأسست الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية عام 1882 على يد الإمبراطور ألكسندر الثالث.
باشرت الجمعية، بتمويل شخصي من رئيسها الدوق الأكبر سيرغي ألكسندروفيتش، أعمال تنقيب في الموقع تحت إشراف رئيس البعثة الروحية الروسية الأرشمندريت أنتونين كابوستين.
أسفرت التنقيبات عن اكتشاف أثري مذهل: تحت أكوام من الأنقاض، عُثر على بقايا سور مدينة قديم، وفيه بوابة بالية متآكلة العتبة، مع آثار واضحة لمفصلات البوابة وثقوب المزلاج.
سرعان ما حدّد علماء الآثار أنّ هذه البوابة هي "باب المحكمة"، أي ذلك الباب الذي كان يُنطق منه بالحكم النهائي على المحكومين بالإعدام، والذي يُعتقد أنّ المسيح اجتاز عتبته وهو في طريقه إلى الجلجلة. هذا الاكتشاف غيّر مصير الموقع، حيث قرّرت البعثة القيصرية بناء كنيسة عليه. كُرّست الكنيسة عام 1891، وغُطيت عتبة البوابة بالزجاج داخل إطار خشبي، وعرفت الكنيسة باسم "الدار الروسية" أو "ألكسندروفسكويه بودفوريه" (نسبة إلى القيصر).
في هذا السياق، جاء دور الفنان كوشيليوف. في عام 1891، وبطلب من الجمعية الفلسطينية الأرثوذكسية الإمبراطورية، بدأ العمل على سلسلة من 18 لوحة زيتية ضخمة (يبلغ قياس كلّ منها نحو 2×3 أمتار) لتزيين جدران الكنيسة العلوية.
التعرّف إلى نيقولاي كوشيليوف وأعماله في الديار المقدّسة ليس مجرّد رحلة في تاريخ الفن، بل هو استعادة لذكرى رجل ساهم بريشته في توثيق إيمان أمّته ورؤيتها لفلسطين وعلاقتها بها.
وتتناول هذه الدورة موضوع آلام السيد المسيح، بدءاً من "الصلاة في بستان الجثسيماني" وصولاً إلى كنيسة القيامة. أُنجزت هذه اللوحات بين عامي 1891 و1899، وقد حرص كوشيليوف على أن يكون كل مشهد فيها متطابقاً بدقة مع النص الإنجيلي، واضعاً في أسفل كل لوحة اقتباساً من الإنجيل مع إشارة إلى الإصحاح والآية، مما يعطيها طابعاً تعليمياً وتوضيحياً بعيداً من التفسيرات الفلسفية أو الأدبية التي كانت سائدة في عصره.
لضمان دقة تصويره، زار كوشيليوف فلسطين في صيف عام 1891. خلال إقامته في القدس، لم يكتفِ باستلهام الأجواء الروحية، بل أنجز أيضاً سلسلة من الدراسات التصويرية للمناظر الطبيعية مثل "بحيرة طبريا"، و"غور الأردن"، و"دير القديس سابا"، و"منظر للقدس القديمة".
-
غور الأردن عام 1891 (نيقولاي كوشيليوف)
وتقدّم هذه الأعمال البانورامية جانباً آخر أقلّ شهرة في موهبته، حيث يظهر فيها كوشيليوف كرسّام مناظر طبيعية أكاديمي متأثّر بالرومانسية المتأخّرة، يستخدم التباينات الدرامية بين الضوء والظل، وهو ما يختلف عن أسلوب معاصره فاسيلي بولينوف، الذي كان يفضّل الرسم في الهواء الطلق بألوان أكثر إشراقاً.
إنّ دراسات كوشيليوف لفلسطين، المحفوظة اليوم في متاحف نيجني نوفغورود وأومسك ومتحف التاريخ الديني في سان بطرسبورغ، تشكّل مثالاً نادراً وغير مدروس بما فيه الكفاية لعمله كرسّام مناظر طبيعية، وتكشف عن وجه جديد من إبداعه.
كما حملت هذه الزيارة قصة إنسانية فريدة، تجلّت في لقائه بالأرشمندريت أنتونين كابوستين، الشخصية المحورية في شراء الأراضي لروسيا في فلسطين.
إنّ دراسات كوشيليوف لفلسطين، المحفوظة اليوم في متاحف نيجني نوفغورود وأومسك ومتحف التاريخ الديني في سان بطرسبورغ، تشكّل مثالاً نادراً وغير مدروس بما فيه الكفاية لعمله كرسّام مناظر طبيعية، وتكشف عن وجه جديد من إبداعه.
دوّن الأب أنتونين في مذكّراته تفاصيل طريفة عن جلسة رسم البورتريه التي أصرّ عليها كوشيليوف قبل مغادرته القدس. يصف الأرشمندريت كيف حاول الاعتذار، لكنه استسلم لحزن الفنان، ويعلّق بدهشة على النتيجة: "خرجت صورة كاملة ومثالية لهشاشتي، تماماً كما تطلّع إليَّ أحياناً من المرآة".
-
قرب القدس (نيقولاي كوشيليوف)
ويضيف الأرشمندريت نكتة عن أصل كوشيليوف المتواضع، مشيراَ إلى أنه "فنان ماهر من أرزاماس، أتى إلى سان بطرسبورغ لدراسة الفن وكان معه 8 روبلات فقط".
هذا البورتريه، التي أُنجزت في تموز/يوليو عام 1891، لا تزال محفوظة في البعثة الروحية الروسية في القدس، وعُرضت مرة واحدة فقط للجمهور في معرض تريتياكوف الفني في موسكو عام 2001.
إلى جانب دورة الآلام في كنيسة الدار الروسية، هناك عمل ضخم آخر يختزل عبقرية كوشيليوف، وهو لوحة "دفن المسيح" (406×557 سم) التي أنجزها في روما. عمل الفنان على هذه اللوحة لسنوات، وهي تقدّم مشهداً فنياً نادراً: موكب الجنازة المهيب الذي يحمل جسداً مغطى بأكفان بيض، محاطاً بمشاهد الحزن العميق من السيدة العذراء، ومريم المجدلية، ويوحنا اللاهوتي، ويوسف الرامي، ونيقوديموس، وصولاً إلى الطفل الذي يحمل أدوات الآلام.
استعادة أعمال كوشيليوف وترميمها وعرضها من جديد، كما يحدث اليوم في كنيسة الدار الروسية بالقدس ومتحف نيجني نوفغورود، ليس مجرّد عمل متحفي، إنما إحياء لذكرى فنان كرّس حياته لخدمة الجمال والإيمان، واستحقّ بجدارة أن نتعرّف إلى إسهامه القيّم في تاريخ الفن ورسم صورة فلسطين المقدّسة.
أهدى كوشيليوف هذا العمل الضخم للمتحف الفني في نيجني نوفغورود عند افتتاحه عام 1896، وسُجّلت كأول قطعة في مقتنياته. لكنّ اللوحة عانت من الإهمال لاحقاً، فبعد الثورة البلشفية، ومع تجاهل الفن الديني، ظلت اللوحة ملفوفة على بكرة خشبية لأكثر من 70 عاماً. تعرّضت للتشوّه والرطوبة، وفقدت أجزاء من طلائها. في تسعينيات القرن الماضي، وبعد ترميم معقّد استخدم فيه تقنيات الحاسوب الحديثة، أعيدت اللوحة إلى مكانها كقطعة مركزية في قاعة كوشيليوف الخاصة (المونوغرافية) بمتحف نيجني نوفغورود الفني.
لماذا ظلّ كوشيليوف مجهولاً؟
-
بورتريه ذاتي لنيقولاي كوشيليوف
يبقى السؤال الأهم: لماذا يعتبر فنان بهذا الحجم والإنتاج غير معروف على نطاق واسع مقارنة بمعاصريه؟
تكمن الإجابة في تداخل عدة عوامل. أولاً، حجم وطبيعة إنتاجه: معظم روائعه موجودة إما داخل كنائس يصعب الوصول إليها، مثل كنيسة ألكسندر نيفيسكي في البلدة القديمة بالقدس حيث يتحكّم الاحتلال الصهيوني بطرق الوصول إليها، أو في متاحف إقليمية (نيجني نوفغورود، أومسك) وليس في متاحف العاصمتين الكبرى.
ثانياً، التغيّرات الأيديولوجية بعد الثورة الروسية عام 1917: النظام السوفياتي الجديد تجاهل الفن الديني الأكاديمي بالكامل، وركّز بدلاً من ذلك على فن الواقعية الاشتراكية وعلى روّاد حركة "المتجوّلين" الذين اعتبروا أكثر "تقدّمية" في نقدهم الاجتماعي.
ثالثاً، طبيعة الفترة الفنية التي عاش فيها: كان كوشيليوف يمثّل الأكاديمية المتأخرة، أي الجيل الذي جاء بين عمالقة الواقعية الاجتماعية (ريبين، سوريكوف) وبين الحركات الطليعية (الرمزية، المستقبلية). وبالتالي، وجد نفسه محصوراً بين تيارين قويين، كلاهما لم يعطه حقه. والسبب الأخير، ربما، هو اختفاء تحفته المركزية "دفن المسيح" عن الأنظار لمدة 70 عاماً جعل حتى مؤرّخي الفن ينسون وجودها.
لضمان دقة تصويره، زار كوشيليوف فلسطين في صيف عام 1891. خلال إقامته في القدس، لم يكتفِ باستلهام الأجواء الروحية، بل أنجز أيضاً سلسلة من الدراسات التصويرية للمناظر الطبيعية مثل "بحيرة طبريا"، و"غور الأردن"، و"دير القديس سابا"، و"منظر للقدس القديمة".
اليوم، ومع عودة الاهتمام بالفن الأكاديمي المنسي، ومع الانفتاح على الدراسات التراثية الدينية، يكتسب عمل كوشيليوف أهمية جديدة. لوحاته ليست مجرد قطع أثرية، بل هي شهادة بصرية على حوار ثقافي وفني عميق بين روسيا وفلسطين في نهاية القرن الــ 19.
-
مشهد من فلسطين (نيقولاي كوشيليوف)
وتتميّز هذه الأعمال بالرقة الخاصة في الملامح، والإشعاع الدافئ والناعم المحيط بالأشخاص، على حدّ وصف الباحثة، فيرا بودوفا.
كما أنّ دراساته لفلسطين تقدّم لنا وثيقة فريدة لمنظر طبيعي للأماكن المقدّسة قبل 130 عاماً. إنّ استعادة أعمال كوشيليوف وترميمها وعرضها من جديد، كما يحدث اليوم في كنيسة الدار الروسية بالقدس ومتحف نيجني نوفغورود، ليس مجرّد عمل متحفي، إنما إحياء لذكرى فنان كرّس حياته لخدمة الجمال والإيمان، واستحق بجدارة أن نتعرّف إلى إسهامه القيّم في تاريخ الفن ورسم صورة فلسطين المقدّسة.
