من مكارثي إلى ترامب: كيف بقيت المكارثية حية في السياسة الأميركية؟
كيف بدأت المكارثية ولماذا استمرت آلياتها في السياسة الأميركية مع وصول دونالد ترامب؟ وهل العدو كان دائماً "شيوعياً"؟
في 27 تشرين الأول/أكتوبر عام 1947، وقف كاتب السيناريو، جون هاورد لوسون، أمام لجنة الأنشطة غير الأميركية في مجلس النواب الأميركي. لم تكن اللجنة تسأله عن فيلم كتبه أو عقد وقّعه، بل عن انتمائه السياسي: هل هو الآن، أو هل كان يوماً، عضواً في الحزب الشيوعي؟
رفض لوسون الإجابة، وقال إنّ اللجنة نفسها هي التي تقف في قفص الاتهام أمام الشعب الأميركي. علا الضجيج، وضرب رئيس اللجنة، جي بارنيل توماس، بالمطرقة، ثم سحب الحرّاس الكاتب من منصة الشهادة.
خلال الأيام التالية كرّر 9 من زملائه الموقف نفسه. صاروا معروفين باسم "عشرة هوليوود"، وصارت صورتهم المدخل الأشهر إلى عصر سيحمل لاحقاً اسم رجل لم يكن قد صعد بعد إلى واجهة المشهد: جوزيف مكارثي.
هذه المفارقة هي مفتاح الحكاية. فالمكارثية لم تبدأ مع مكارثي، كما لم تنتهِ بسقوطه. الرجل منح موجة الخوف وجهاً وصوتاً وطريقة هجومية، لكنه وجد أمامه دولة بنت أجهزة التفتيش، وأحزاباً اكتشفت فائدة التخويف، ومؤسسات خاصة مستعدة لمعاقبة الناس على الشبهة. لذلك لا تختصر المكارثية في سيناتور صاخب. إنها اللحظة التي يتحول فيها الاشتباه إلى حكم، والانتماء أو المعرفة أو حتى الصمت إلى دليل اتهام.
جذور الخوف
-
كاتب السيناريو دالتون ترامبو خلال شهادته أمام لجنة الأنشطة غير الأميركية (غيتي إيميجيز)
بدأت الجذور قبل ذلك بعقود. بعد الثورة البلشفية عام 1917، عاشت الولايات المتحدة أول "فزع أحمر". تزامنت الإضرابات والاضطرابات مع تفجيرات نفّذها أناركيون، أحدها استهدف منزل وزير العدل ألكسندر ميتشل بالمر في 2 حزيران/يونيو عام 1919. ردّت الحكومة بما عُرف باسم "غارات بالمر"، وهي حملات اعتقال وترحيل واسعة استهدفت مهاجرين ونشطاء يساريين، وارتبطت بانتهاكات للإجراءات القانونية. هدأت الموجة، لكنّ منطقها بقي حاضراً: عندما يُقدَّم خصم سياسي بوصفه خطراً وجودياً، تبدو الحقوق الفردية كأنها رفاهية يمكن تعليقها.
بعد الحرب العالمية الثانية عاد الخوف في صورة أقوى. انتهى التحالف المؤقت مع الاتحاد السوفياتي، وبدأت الحرب الباردة. ثم فجّرت موسكو قنبلتها الذرية الأولى عام 1949، وانتصر الشيوعيون في الصين، واندلعت الحرب الكورية في 1950. وكانت هناك بالفعل قضايا تجسس حقيقية، من كلاوس فوكس إلى آلجير هيس والزوجين روزنبرغ. غير أن وجود خطر حقيقي لا يبرّر تحويل كل مختلف إلى جاسوس، بل إن الخطر الحقيقي كان الوقود الذي سمح بالمبالغة والخلط بين الجريمة والرأي.
المكارثية لم تبدأ مع مكارثي، كما لم تنتهِ بسقوطه. الرجل منح موجة الخوف وجهاً وصوتاً وطريقة هجومية، لكنه وجد أمامه دولة بنت أجهزة التفتيش، وأحزاباً اكتشفت فائدة التخويف، ومؤسسات خاصة مستعدة لمعاقبة الناس على الشبهة.
حتى إدارة الرئيس هاري ترومان، التي هاجمها الجمهوريون بوصفها متساهلة، شاركت في بناء المناخ. ففي آذار/مارس 1947 أصدر ترومان الأمر التنفيذي 9835، وأنشأ برنامجاً للتحقيق في ولاء العاملين والمتقدمين إلى الوظائف الفيدرالية. شملت التحريات ملفات مكتب التحقيقات الفيدرالي، ولجنة الأنشطة غير الأميركية، وجهات إنفاذ القانون، والمدارس وأصحاب العمل السابقين.
كان الهدف المعلن حماية الحكومة، لكنّ اتساع مفهوم "الارتباط" وسّع دائرة الاشتباه لتشمل علاقات وأنشطة سياسية وتنظيمية لم تكن في ذاتها دليلاً على التجسس أو الخيانة. هكذا انتقل الخوف من ملاحقة فعل محدّد إلى تفتيش السيرة والأفكار والعلاقات.
"هوليوود": القائمة التي لا تحتاج إلى قانون
-
أعضاء "عشرة هوليوود" عام 1947
في "هوليوود" ظهر النموذج بأوضح صوره. تمسّك الكتّاب والمخرجون العشرة بالتعديل الأول من الدستور، فاتهمهم مجلس النواب بازدراء الكونغرس، وأدانتهم المحاكم الفيدرالية لاحقاً، وقضوا أحكاماً بالسجن تراوحت بين 6 أشهر وعام.
والأخطر جاء من الصناعة نفسها. ففي 25 تشرين االثاني/نوفمبر 1947 أصدر كبار المنتجين ما عُرف باسم "بيان والدورف"، وأعلنوا وقف العشرة عن العمل، وعدم توظيف من يثبت أنه شيوعي. كانت القائمة السوداء تفاهماً غير مكتوب بين الاستوديوهات والمنتجين والرعاة على استبعاد أسماء بعينها. كان الشخص يجد نفسه مطروداً من المهنة، من غير قرار يثبت أنه عوقب أو جهة يستطيع الاعتراض أمامها.
عندما يُقدَّم خصم سياسي بوصفه خطراً وجودياً، تبدو الحقوق الفردية كأنها رفاهية يمكن تعليقها.
امتدت الدائرة إلى مئات العاملين في السينما والإذاعة والتلفزيون. بعضهم كان عضواً في الحزب الشيوعي، وبعضهم وقّع عريضة أو حضر نشاطاً مناهضاً للفاشية، وبعضهم ذُكر اسمه على لسان شاهد يريد إنقاذ نفسه. صار السؤال الحاسم ليس: ماذا فعلت؟ بل: من تعرف؟ وهل ستذكر أسماء الآخرين؟
بهذه الآلية، امتد أذى المكارثية إلى ما وراء أصحاب الأسماء المدرجة في القوائم. فقد مزّقت علاقات الصداقة والعمل، ودفعت بعض الناس إلى إدانة زملائهم كي ينقذوا أنفسهم.
مكارثي يركب الموجة
-
السيناتور جوزيف مكارثي خلال صعوده السياسي في مطلع الخمسينيات
في 9 شباط/فبراير 1950، ألقى السيناتور جوزيف مكارثي خطاباً في مدينة ويلينغ بولاية وست فرجينيا، حوّله خلال أسابيع من سياسي مغمور إلى اسم يعرفه الأميركيون، زعم فيه أنه يحمل قائمة تضم 205 شيوعيين في وزارة الخارجية. وبعد الخطاب أخذ الرقم يتغيّر: تحدّث عن 57، ثم 81، واستخدم في مناسبات أخرى أرقاماً مختلفة. ولم يقدّم قائمة ثابتة أو أدلة يمكن فحصها. ومع ذلك، تصدّرت اتهاماته الصحف، وخلال أسابيع صار واحداً من أشهر السياسيين في أميركا. وكلما طالبه أحد بإثبات كلامه، فتح اتهاماً جديداً، فتبدأ ضجة أخرى وينسى الناس السؤال عن الاتهام السابق.
صار السؤال الحاسم ليس: ماذا فعلت؟ بل: من تعرف؟ وهل ستذكر أسماء الآخرين؟ بهذه الآلية، امتد أذى المكارثية إلى ما وراء أصحاب الأسماء المدرجة في القوائم السوداء.
لم يكن نجاحه نتيجة الخوف الشعبي وحده. فقد رأى قادة جمهوريون في هجماته وسيلة لضرب إدارة ترومان، وتردد زملاء كثيرون في مواجهته خشية أن يصبحوا هدفه التالي. حين ألقت السيناتور الجمهورية مارجريت تشيس سميث في حزيران/يونيو 1950 "إعلان الضمير"، وحذرت من استغلال الخوف والجهل والتعصّب والتشهير، ساندها في موقفها 6 أعضاء جمهوريين فقط. وكان تحدي مكارثي يحمل مخاطرة سياسية حقيقية، إذ كان قادراً على توجيه اتهامات مماثلة إلى منتقديه وتحويلهم بدورهم إلى موضع شبهة. استمد مكارثي نفوذه من خوف السياسيين من الاعتراض عليه، فمَن يشكك في اتهاماته قد يجد نفسه في اليوم التالي متهماً بالتستر على الشيوعيين. أما التحقيقات الرسمية في عدد من مزاعمه فلم تؤيد الصورة التي رسمها، ورفض تقرير الأغلبية في "لجنة تايدنغز" عام 1950 اتهاماته الأساسية ووصفها بأنها "خدعة وتضليل".
التلفزيون يكشف المشهد
-
جوزيف ولش وجوزيف مكارثي خلال جلسات الجيش عام 1954 والتي شكّلت نقطة تحوّل في سقوط نفوذ مكارثي
تسارع الانقلاب على مكارثي عندما دخل في مواجهة مع الجيش الأميركي نفسه. ففي جلسات الجيش ومكارثي عام 1954، شاهد جمهور التلفزيون أسلوبه على الهواء: المقاطعة، والإهانة، وتوسيع كل شبهة إلى مؤامرة.
وفي 9 حزيران/يونيو حاول التشهير بالمحامي الشاب فريد فيشر بسبب ارتباط سابق بنقابة قانونية وُصفت بأنها يسارية. عندها رد محامي الجيش جوزيف ولش بالجملة التي صارت عنوان النهاية: "أما بقي لديك أي إحساس باللياقة، يا سيدي؟"، وظهرت قسوة مكارثي بوضوح: كان مستعداً لتحطيم مستقبل شاب غائب لمجرد إحراج خصمه.
قبل ذلك بأسابيع، استخدم الصحافي إدوارد مورو مقاطع من خطب مكارثي نفسه ليكشف تناقضاته. وحين جاءت الجلسات المتلفزة، لم يعد السيناتور قادراً على التحكّم في صورته عبر العناوين المختصرة.
وفي 2 كانون الأول/ديسمبر 1954 صوّت مجلس الشيوخ بأغلبية 67 مقابل 22 على إدانة سلوكه رسمياً. فقد مكارثي نفوذه، ومات بعد أقل من 3 سنوات، لكنّ سقوطه لم يُعِد الوظائف والسمعة والسنوات المسروقة إلى ضحاياه.
ما بعد مكارثي
-
دونالد ترامب إلى جانب محاميه روي كوهين الذي عمل مستشاراً لمكارثي في الخمسينيات
استمرت القوائم السوداء بعده، ولم تبدأ في الانكسار إلا مع نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي. كان كاتب السيناريو دالتون ترامبو، أحد أعضاء "عشرة هوليوود" الذين طالتهم القائمة السوداء، يكتب بأسماء مستعارة بينما تفوز أعماله بالجوائز من دون أن يظهر اسمه.
وفي عام 1960 أُعلن اسمه ككاتب لفيلمي "Exodus" و"Spartacus"، وهي لحظة تعدّها نقابة كتّاب أميركا من العلامات الأساسية على تحطّم القائمة. لكنّ النقابة احتاجت لاحقاً إلى عقود لتصحيح تترات أفلام أخرى، وكأنّ استعادة الاسم كانت الجزء الأخير من استعادة التاريخ.
لهذا تجاوزت كلمة "المكارثية" صاحبها. فالمكتبة الرئاسية لأيزنهاور تعرضها باعتبارها نشر اتهامات الخيانة أو التخريب من دون اكتراث كافٍ بالأدلة. وفي مقالته الشهيرة "الأسلوب البارانويدي في السياسة الأميركية"، وصف المؤرخ ريتشارد هوفستاتر نمطاً يقوم على المبالغة المحمومة والارتياب والخيال التآمري.
صاحب هذا الخطاب يرى خصمه عدواً يهدّد المجتمع كله، ويعتبر غياب الأدلة علامة على أن المتآمرين نجحوا في إخفاء آثارهم.
وكلمة "بارانويدي" عند هوفستاتر تصف طريقة في الكلام السياسي وليست تشخيصاً نفسياً. صاحب هذا الخطاب يرى خصمه عدواً يهدّد المجتمع كله، ويعتبر غياب الأدلة علامة على أن المتآمرين نجحوا في إخفاء آثارهم.
استمرت طريقة مكارثي بعد خروجه من المشهد. وكان روي كوهين حلقة الوصل الأوضح بين عصر مكارثي وعصر ترامب. عمل كوهين مستشاراً رئيسياً لمكارثي، وشارك معه في استجواب الشهود وإهانتهم، وفق تاريخ جلسات مكارثي المنشور على موقع مجلس الشيوخ.
وبعد نحو 20 عاماً، أصبح محامي دونالد ترامب وأحد أقرب مرشديه، وتنقل شهادات وثّقها برنامج "فرونت لاين" أنه شجّعه على مواجهة الاتهامات بالهجوم المضاد وعدم التراجع، كما يوثق تحقيق لبرنامج "فرونت لاين".
ظهر أثر هذه المدرسة بوضوح في خطاب ترامب السياسي. خلال حملة 2024 الانتخابية، استخدم ترامب تعبير "العدو من الداخل" في وصف خصوم سياسيين، وقال إن هذا العدو قد يكون أخطر من خصوم خارجيين مثل روسيا والصين، ملوّحاً في سياق الحديث باضطرابات محتملة باستخدام الحرس الوطني، وإذا اقتضى الأمر الجيش.
وبعد عودته إلى البيت الأبيض، أفادت وكالة "أسوشيتد برس" بأنّ متقدّمين لوظائف في الإدارة خضعوا لتدقيق في مواقفهم السياسية ومنشوراتهم على وسائل التواصل، وسُئل بعضهم عن دعمهم لترامب ومدى حماسهم لتنفيذ أجندته.
التشابه مع المكارثية في عهد ترامب أقل تعلقاً بتطابق الخصوم أو الظروف التاريخية، إذ يرتبط أكثر بطريقة العمل نفسها: توسيع معنى الخطر الداخلي، ثم نقل الصراع السياسي من مناقشة الأفعال والسياسات إلى اختبار الولاء، وصولاً إلى استخدام قوة المؤسسات في هذا الصراع.
تغيّرت أسماء الخصوم منذ الخمسينيات. تراجعت تهمة الشيوعية، وحلّت مكانها عبارات مثل "اليسار الراديكالي" و"الدولة العميقة". وبقيت الطريقة مألوفة: يُقدَّم المعارض باعتباره خطراً على البلاد، وتغدو درجة الولاء السياسي موضعاً للفحص في الوصول إلى بعض مواقع السلطة.
وفي الولاية الثانية لترامب لم يبقَ الصراع في مستوى الخطاب وحده، إذ اتخذت الإدارة إجراءات رسمية ضد مكاتب محاماة ارتبطت بخصومه أو بمحققين سابقين، شملت قيوداً على التصاريح الأمنية وبعض أشكال التعامل الحكومي. وقد واجهت هذه الإجراءات طعوناً قضائية وانتقادات دستورية، فيما دافعت الإدارة عنها باعتبارها استخداماً مشروعاً لصلاحيات السلطة التنفيذية.
هكذا يصبح التشابه مع المكارثية أقلّ تعلّقاً بتطابق الخصوم أو الظروف التاريخية، بل مرتبطة أكثر بطريقة العمل نفسها. أي توسيع معنى الخطر الداخلي، ثم نقل الصراع السياسي من مناقشة الأفعال والسياسات إلى اختبار الولاء، وصولاً إلى استخدام قوة المؤسسات في هذا الصراع.
