مقررة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة: "إسرائيل" دولة فصل عنصري

تعتقد فرانشيسكا ألبانيزي أن القضية الفلسطينية قضية سياسية يجب معالجتها وفق القانون الدولي لا كأزمة عابرة، والاحتلال الإسرائيلي ليس عابراً بل يجمع بين الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري والاحتلال العسكري في الوقت ذاته. 

  • هل يصحو ضمير العالم
    هل يصحو ضمير العالم

تبدأ فرانشيسكا ألبانيزي وهي "المقرّرة الخاصة بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة" كتابها "عندما ينام العالم: قصص، كلمات، وجروح فلسطينية مفتوحة"، الصادر عن دار هاشم لعام 2025 بشحنة من الغضب على تلك اللامبالاة التي يقابل بها البعض عمليات الإبادة الجماعية، إذ إن من الطبيعي أن يقف المرء مع الضحايا، أي ضحايا في أي ظرف،  ولكن بعد قتل اثنين وأربعين ألف روح في غزة ليس مفهوماً أن يكون هنا أحد لا يتعاطف مع غزة، إن احترام القانون الدولي يقتضي معاقبة "إسرائيل" باعتبار نظامها نظام فصل عنصري يضطهد الفلسطينيين جيلاً بعد جيل، والعمل على تقديم تصور معرفي جديد للحق الفلسطيني كصوت يرتفع بالحق ويعلو به.

وقد حاولت الكاتبة عقد مؤتمرات لتوضح رأيها بما حصل، ما عرّضها للكثير من الاتهامات هي والفلسطينيين واليهود المعارضين للصهيونية، وما يفعلونه من باب حرية التعبير المصانة في الغرب، وقد كان هناك عشرة أشخاص رافقوها في رحلة البحث عن الحقيقة لتروي قصة فلسطين، لا كناشطة، ولكن كفضول ثقافي دفعها في البداية إلى معرفة ما يحصل بشكل قانوني، وفقاً للقانون الدولي. 

تورد الكاتبة آراء وشهادات شخصيات يهودية وفلسطينية تنحاز للحق الفلسطيني ولها نشاطها المميز، مثل آلون كونفينو، الذي كان مديرًا "لمعهد دراسات المحرقة والإبادة الجماعية والذاكرة" في الولايات المتحدة، وعاموس غولدبرغ المؤرّخ في قسم التاريخ اليهودي في القدس، وهناك إنغريد جرادات غاسنر الخبيرة بالشأن الفلسطيني، والجراح البريطاني غسان أبو ستة، وسواهم، وظلال ذكرى هند رجب الطفلة ذات الستة أعوام وتقريرها الموجّه للأمم المتحدة عن الحرمان من الطفولة بالنسبة لأطفال فلسطين، وأن حماية الأطفال يجب أن تكون جوهر القضية الفلسطينية، الأطفال الذين فقدوا أهاليهم، وأسئلتهم الحارقة لماذا يحدث كل هذا؟ هل نحن بشر أقل من الآخرين؟ وما الفرق بينهم وبين أطفال العالم. 

تذكر كذلك الأطفال الإسرائيليين الذين يتربون على العنف وعلى الخوف من الآخرين ويُشحنون برؤية للعالم تقوم على العنصرية.

تشرح كيف تشير الدراسات الإسرائيلية للفلسطينيين دائماً بأنهم عرب، وتهدف بذلك إلى طمس الهوية الوطنية وتسهيل التحاقهم بالدول العربية الأخرى، وأن فلسطين غير موجودة، وتفنّد كذلك استخدام الإسرائيليين لسردية أركيولوجية في حي سلوان جنوب القدس الشرقية بأن آثار الخروج ماثلة على الجدران كجزء من العمل الاستعماري لإثبات وجودهم التاريخي قبل ألفي عام، للدفاع عن حقهم بدولة يهودية لهم وحدهم، وأنهم عادوا إلى الأرض التي طُردوا منها قبل تسعة عشر قرناً، وقد وُجد من يعرف الحقيقة ويكشف مدى تلاعبهم الأيديولوجي والسياسي بالحقائق بعد أن رأت المنازل المصادرة من أصحابها الفلسطينيين الذين يتوزعون وفق فئات تضمّ:   

عرب "إسرائيل" وهم يحملون الجنسية الإسرائيلية وسكان القدس الشرقية من دون هوية إسرائيلية وأهل الضفة الغربية وقطاع غزة الذين يحملون هوية تصدرها السلطة الفلسطينية. 

عرفت الكاتبة عن قرب تغلغل الشعب الفلسطيني في بيئته، فقد عرفت الخليل مهد الصناعة اليدوية التقليدية وهي صناعة الكوفيات، وكذلك عُرفت بصناعة السيراميك والزجاج المنفوخ، وفي نابلس زيت الزيتون للأكل وصناعة الصابون والكنافة، وفي قلب كل مدينة توجد البلدة القديمة الجزء التاريخي المحاط بالأسوار، وقد أوضحت في تقريرها إلى الأمم المتحدة كيف جرى تحويل غزة بكاملها إلى سجن مفتوح عبر نظام قيود يحد من الحركة واستخدام التكنولوجيا الرقمية كتقنيات مراقبة لحياة الناس واحتجاز القاصرين والأطفال، وقد شهدت بنفسها محاكمات لقصّر ويافعين وعبّرت بأنها محاكمات تافهة تفتقد للمصداقية، بتُهمٍ مثل رمي الحجارة وتعرّض أطفال للاستجواب والأذى الجسدي الذي يترك ندوباً نفسية لا تُمحى، والقمع ضد الشعب الفلسطيني مزدوج تمارسه سلطة الاحتلال وكذلك السلطة الفلسطينية التي تمخّض عنها اتفاق أوسلو، الاتفاق الذي أعطى شرعية للاحتلال، قدّمت ألبانيزي ملفاً عن الطفولة المذبوحة في غزة، الأطفال الذين أُحرقوا وشُوّهوا وقُتلوا من جراء الحرب المشتعلة، ومن فقدان العناية الطبية وفقدان الأدوية والإسعافات الأولية وانهيار النظام الصحي بكامله، غزة مغلقة تماماً كسجن كبير لا يدخل ولا يخرج أحد منها إلا بأمرها، وهذا قبل السابع من أكتوبر ولكن جرى تجاهله. 

تتساءل من هم السكان الأصليون في هذه المنطقة؟

بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية كان أغلب القاطنين في فلسطين من العرب المسلمين مع وجود أقليات مسيحية ويهودية، وكانوا جميعاً عرباً فلسطينيين، وكانت الهجرة اليهودية بداية إلى الأراضي العثمانية، وبعدها إلى أراضي الانتداب البريطاني، وجزء من اليهود الذين هاجروا قبل قيام دولة "إسرائيل" لم يكن لديهم خيار سوى الهجرة بعيد اضطهادهم وعدم استقبالهم من قبل الدول الغربية، حيث وجدوا أنفسهم بلا مأوى. 

ويلاحَظ أن الكثير من المستوطنين يحملون لهجات أميركية أو فرنسية أو روسية، فلا هم ولا آباءهم وُلدوا في فلسطين، ومفهوم العليا أي الصعود إلى الأرض التاريخية المقدسة ما هو إلا مفهوم سياسي حديث زُرع في أذهانهم، كما حلّل المفكر اليهودي شلومو ساند.

وقد شهدت بنفسها من خلال لقائها بمسؤول منظمات "دانيال لوريا" الذي اعترف بأنه يقوم بإجلاء الفلسطينيين عن منازلهم والاستيلاء عليها وتوطين يهود فيها، من خلال شراء وبيع بيوت للفلسطينيين بسندات ملكية مشكوك فيها، والاستخدام الملغوم لتعبير أراضٍ متنازع عليها بدلاً من أراضٍ محتلة.  

ابتدعت "إسرائيل" تهمة معاداة السامية لكل من يقوم بانتقاد سياساتها العنصرية ويتهم الفلسطينيين بمعاداة السامية لأنهم في الحقيقة يناضلون لأجل العدالة، فمعنى السامية هو العداء والكراهية لليهود فقط لكونهم يهوداً، لكنه حُوِّر ليشمل كل من ينتقد "إسرائيل" على الرغم من وجود كثير من اليهود المعادين للصهيونية، ورغم محاولات الالتفاف على الموضوع فقد أصدرت الكاتبة وأصدقاؤها ووقعوا على "إعلان القدس بشأن معاداة السامية" ويتضمن فقط الكراهية لليهود لأنهم يهود فقط من دون دمج بذكرى المحرقة اليهودية وانتقاد دولة "إسرائيل". 

وقد تبنّى الإعلام الصهيوني اتهامها بمعاداة السامية إثر ذلك، وإثر طلبها التمويل من الأمم المتحدة إبان قيام "إسرائيل" بقتل 500 طفل وموت ألفي شخص وأحد عشر ألف جريح في يوم واحد، وقد أوضحت التمييز بين اليهود المطالبين بحدود من النهر إلى البحر لما فيها من "مخالفة صريحة للقانون الدولي"، وبين اليهود غير المرتبطين بالسياسة الاستعمارية لدولة الاحتلال. 

فالوضع المعقد لليهود الإسرائيليين إذ قد يكونون ضحايا ومعتدين في الوقت ذاته، وفق آلون كونفينو الذي أوضح أن ثمة رابطة قوية تربط اليهود بفلسطين وبالقدس كتاريخ وثقافة، ولكن هذه الرابطة لا تعني امتلاكهم للأرض.  

القضية الفلسطينية قضية سياسية يجب معالجتها وفق القانون الدولي لا كأزمة عابرة، والاحتلال الإسرائيلي ليس عابراً بل يجمع بين الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري والاحتلال العسكري في الوقت ذاته. 

تضيء الكاتبة على قوانين دولية للبلاد الواقعة تحت الاحتلال: وهي وجوب الحفاظ على رفاه السكان المحتلين بفتح التاء لا إخضاعهم وتغيير هويتهم، كما يستوجب عليهم عدم الإخلال بوضع الإقليم والإطار القانوني للسكان، لتخلص إلى القول إن "إسرائيل" دولة فصل عنصري والاتفاقيات الدولية تصنّف ما حصل بأنه جريمة ضد الإنسانية، رغم المد الإعلامي الذي يروّج لـ"إسرائيل" باعتبارها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، والتعمية عن مجازرها وسياساتها، وترويج القول بأن فلسطين شعب بلا أرض لأرض بلا شعب، وسواها من الأكاذيب، ومع ذلك فإن تأييدها للمقاومة لا يبرّر العنف ضد المدنيين الإسرائيليين، ولكنها تعتبره رد فعل شعب تعرّض للتدمير والإبادة في مراحلها الأخيرة، ففي فلسطين اليوم لم يعد هناك مجال للمقاومة، فلا تتوفر لديهم أسلحة تواجه جيشاً يمتلك أقوى أسلحة في الشرق، مدعوماً من أعتى قوة في العالم. 

تضيء الكاتبة على ثورية إنغريد جرادات غاسنر من حيث اشتغالها على القانون الدولي، إذ فككت ذاك القانون وأعادت تركيبه لتعزيز الحقوق وضمان الحماية، وخاصة بالنسبة للاجئين الذين يرون أنفسهم خارج وطنهم، وبالأخص منجزها الأخير "دفاعاً عن المدافعين" ككشف تدريجي، وهي بذلك تصف خفايا متدرّجة لإلمامها بالقضية الفلسطينية وشبّهتها بمن يقشّر طبقات البصل. "إسرائيل" جزء من المشروع الإمبريالي الغربي مثل سائر المستعمرات التي عُرفت في مرحلة سابقة، وتفنّد مصالح بعض الأوروبيين الذين تتقاطع مصالحهم الاقتصادية مع مصالح "إسرائيل" لذلك هم يتغاضون عن المذبحة القائمة كي يساهموا بتوتير العلاقات معها. 

الصدمة ليست ما يحدث للمرء من الخارج وإنما ما يحدث بداخله استجابة لحدث مؤلم من شأنه الانفصال عن الذات والآخرين، وعندما تطور مجموعات معينة نظرة إلى العالم إثر الخوف، وهذا ما يغذّي شعوراً بالتهديد وعدم الثقة في مشابهة إبادة المحرقة اليهودية مع إبادة الفلسطينيين في غزة. 

قلة من الناس تعرف أن كندا كانت مسرحاً للإبادة الجماعية للسكان الأصليين قبل أن يأتي الأوروبيون ويفرضوا ثقافتهم ولغتهم كشعوب " الانويت والميتس والإيروكوا والأنيشينابي، وينظر كحدث بالغ الأهمية إلى اكتشاف أميركا، ولكنه كان على حساب إبادة الشعوب الأصلية في تلك الأماكن. 

بنود منع جريمة الإبادة الجماعية والعقاب عليها في القانون الدولي: 

1-الإبادة الجماعية جريمة سواء كانت أيام السلم أم في الحرب ممنوعة ويعاقب عليها. 

2-الإبادة الجماعية هي إبادة بقصد التدمير الجزئي أو الكلي لجماعة ما إثنية أو عرقية أو دينية أو قومية أو عنصرية وتتضمن: 

أ-قتل أعضاء من الجماعة.  

ب-إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء الجماعة. 

ج-إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يُراد بها تدميرها مادياً بشكل كلي أو جزئي. 

د-فرض تدابير تحول دون إنجاب الجماعة للأطفال أو نقل أطفالها إلى جماعة أخرى. 

وقد نصّت الأعراف والقوانين الدولية على عقوبات على مرتكب الإبادة الجماعية وعلى من تآمر لارتكابها وعلى من قام بالتحريض عليها أو المشاركة بها أو حتى محاولة ارتكابها، والعقوبة تقع سواء على حكومات أم أفراد. 

تُعرف الإبادة الجماعية بأنها فعل إجرامي يلحق الدمار بكل شيء، الماضي والحاضر والمستقبل، فكل ما في غزة يُسوّى بالأرض "تُصوّر غزة اليوم أشبه بنصب تذكاري للإبادة الجماعية، إذ لم تعد مكاناً صالحاً للحياة، فالإبادة الجماعية يدركها ضحاياها، وعلى مدى وهم السلام بلا حقوق، وتصوير الفلسطينيين كمجموعة إرهابية قتلت فيها "إسرائيل" في عام 2023 أكثر من سبعة عشر ألف طفل بلا أي مبالاة.

وزادها اقتراح ترامب بإنشاء غزة سياحية على البحر بعد تطهيرها من سكانها، التطهير العرقي والتحريض على التهجير القسري صار عادياً في نظر العالم الحر. 

والأشد خطرًا، كيف تسهم منظمات حقوق الإنسان في تعزيز الاحتلال من دون قصد، من خلال التدخل لتصويب قرارات معينة، ما يظهر دولة الاحتلال بمظهر المتجاوب ويحول دون إدانتها، لذلك تهيب بهم، بالمنظمات الحقوقية والإغاثية، أن يكون لهم شهاداتهم المحقة من أجل الضحايا، وخاصة في الأماكن التي لا يسمح لغيرهم في الدخول إليها.  

حلّل إيال وايزمان أن الاستعمار الصهيوني يقوم بتحسين ظروف الحياة في بعض المناطق لتشجيع اليهود القادمين، ويقوم بتدمير حياة المقيمين ويجعلها سيئة من خلال الهدم والبناء، لا فقط في العشرين سنة الماضية، بل يتطرق إلى التدمير الممنهج بعد الـ 23 من أكتوبر 2023، حيث إن قطاع غزة يواجه تنمية معكوسة، فمن انقطاع مستمر بالكهرباء والماء وتدمير البنية التحتية وعهود من تخريب المياه الجوفية وإفقار الناس وتقويض النظام الصحي، يقابلها اكتظاظ سكاني نتيجة عدم رغبة السكان بالهجرة الطوعية. 

وقد كان رد الأكاديمي رفعت العرعير الذي استشهد وبيده القلم بأن " غزة تردّ بالكتابة، تردّ الضربات بالكتابة، غزة تحكي القصص حتى لا ينسى الناس، كوسيلة إبداعية وربما وحيدة لبناء واقع جديد، فلا أحد حرّ حتى يتحرر الجميع. 

اخترنا لك