مفتاح بلاد فارس: كيف وصف الرحّالة أهمية هرمز؟
كيف حافظت هرمز على مكانتها السياسية والتجارية؟ وكيف وصف الجغرافيون والرحّالة أهميتها التجارية في العصور الوسطى؟
هُرمز، أو أرمز (Ormouz)، "ومن الناس من يسمّيها هرموز بزيادة الواو"، وهي أبرز جزر الخليج الفارسي التي تقع على مسافة تبعد 5 أميال من الساحل الشرقي للخليج.
ويميّز ابن بطوطة أثناء رحلته إليها في القرن الــ 14 الميلادي بين مدينتين تحملان اسم هرمز، وبين الهرمزين في البحر 3 فراسخ. أولهما "هرمز القديمة" التي كانت تعرف باسم (موغ أستان)، وتقع على الساحل الشرقي للخليج بالقرب من مصبّ نهر ميناب المعروف بـ"جون الخبر"، على بعد 30 ميلاً من بندر عباس الحالي، وقد كانت متصلة بالخليج الفارسي بقناة بحرية كانت وقتئذ صالحة لمرور السفن المحمّلة بمختلف البضائع.
وتقابلها "هرمز الجديدة"، وهي جزيرة كانت تعرف باسم جرون (بفتح الجيم والراء) Jeroun، "وهي مدينة حسنة كبيرة لها أسواق حافلة، وهي مرسى الهند والسند، ومنها تحمل سلع الهند إلى العراقيين وفارس وخراسان".
ويشير القلقشندي إلى أنه في مطلع القرن الــ 14، "خربت هرمز العتيقة من غارات التتر، وأنّ أهلها انتقلوا عنها إلى جزيرة قريبة من البر، ولم يبقَ في هرمز العتيقة إلا قليل من أطراف الناس".
التهديدات العسكرية والاضطراب الإقليمي كانا من أبرز العوامل التي دفعت إلى نقل المدينة إلى موقع جزيري أكثر أمناً.
أما في ما يخصّ "هرمز القديمة"، فقد ارتبط تاريخها السياسي بتاريخ بلاد فارس، وخاصة إقليم كرمان الشهير، الذي خضع للدولة الخوارزمية منذ عام 1214م، ومن ثمّ دخلت هرمز القديمة بدورها تحت طاعة خوارزم.
وعندما اجتاح المغول، زمن جنكيز خان، بلدان الدولة الخوارزمية بلداً تلو الآخر، نجت كرمان من أيدي المغول وباتت أتابكية عام 1222م، تدار من قبل براق التركي القواخطائي الذي كان يحكمها نائباً عن السلطان غياث الدين بن محمد الخوارزمي.
وقد ظلّت هرمز ترتبط سياسياً، بحسب الظروف، بحكّام كرمان أو بحكّام فارس، ولو اسمياً، ويدفع حكّامها جزية سنوية.
ورغم أنّ الرحالة الإيطالي،ماركو بولو، الذي زار هرمز في القرن الــ 13 الميلادي يذكر ازدهارها الكبير وأهمية موقعها التجاري، فإنّ تبعيتها السياسية في تلك المرحلة تبدو في المصادر مرتبطة بتوازنات إقليمية متغيّرة أكثر من كونها خضوعاً ثابتاً لسلطة واحدة.
وعلى الرغم من السطوة الاقتصادية والسياسية التي فرضتها هرمز على مدخل الخليج ومدن سواحله الشرقية والجنوبية، إلا أنّ حكّامها، بشكل أو بآخر، قد دانوا بالولاء إلى الأسر الحاكمة المتعاقبة في بلاد فارس على امتداد العصور الوسطى، من الخوارزميين، ومغول فارس، والتيموريين، والقوينولو، والصفويين.
وقد تمثّلت تلك التبعيّة في ضريبة مالية تعرف بـ"المُقررية" التي كانت تحمل سنوياً من هرمز إلى حكّام فارس.
ويبدو أنّ التزام حكّام هرمز بهذه الضريبة على طول هذه الفترة الزمنية يعود إلى حكمتهم، على تعاقبهم، ورغبتهم في توفير الأمان للتجار الواصلين إليها عبر طرق خاضعة بالدرجة الأولى لحكّام بلاد فارس، وضمان تدفّق القوافل التجارية البرية منها وإليها.
وعلى هذا النحو، لم تتجاوز "المُقررية" في كثير من الأحيان كونها ضريبة تأمين تجاري، مع كونها في الوقت نفسه تعبيراً عن تبعية اسمية أو تفاوضية لحكّام فارس.
أما في ما يتعلّق بـ"هرمز الجديدة"، فقد اتفق المؤرخون على أنها جاءت نتيجة خراب هرمز العتيقة وانتقال أهلها إلى جزيرة جرون، ومن حينها عرفت الجزيرة باسم هرمز. إلا أننا نجد اختلافاً بين المؤرّخين حول تاريخ هذا الانتقال.
ذلك أنّ المؤرّخ حمد الله القزويني يذكر أنّ أهل هرمز انتقلوا إلى جزيرة جرون في عهد ملك هرمز المعاصر له، قطب الدين تمهتن، الذي يبدأ حكمه في عام 1319م، بينما يشير الملك والمؤرخ الهرمزي، توران شاه، إلى أنّ هذا الانتقال قد تمّ في عهد، بهاء الدين سيفين، ملك هرمز عام 701هـ / 1300 - 1301م، ويتفق معه، تاريخ وصاف، الذي يتوقّف عند عام 1311م، وهي الرواية التي تبدو أكثر ترجيحاً. ولعلّ الأدقّ أن يقال إنّ قرار الانتقال بدأ في أواخر القرن الــ 13، واكتمل في مطلع القرن الــ 14 الميلادي.
ظهرت هرمز الجديدة في مطلع القرن الـ14، وقدّر لها أن تؤدّي دوراً رائداً في التجارة بين الشرق والغرب.
كذلك، فقد تعدّدت الروايات التاريخية حول الأسباب التي دفعت ملك هرمز ورعاياه إلى الانتقال، ومنها أنّ تخريب هرمز قد تمّ نتيجة هجوم عسكري من أحد قبائل مغول فارس، على أثر الحملة التي شنّها السلطان المغولي، غازان، على بلاد الشام ومصر عام 1299م، بينما ترجّح رواية أخرى أنّ تخريب هرمز القديمة قد تمّ على يد حاكم كرمان الذي سيّر جيشاً إلى هرمز وأجبر حاكمها على التخلّي عن مدينته.
وهناك من يرى أنّ حاكم هرمز احتمى في الجزيرة نتيجة هجمات متتالية من قطّاع الطرق ذكرهم ماركو بولو باسم "الكاراوناه - Karaonahs"، ومعناها الهجناء أو المخلطون.
في المحصّلة، فإنّ السبب المباشر للانتقال لا يبدو محلّ اتفاق تامّ بين المؤرّخين، غير أنّ الثابت أنّ التهديدات العسكرية والاضطراب الإقليمي كانا من أبرز العوامل التي دفعت إلى نقل المدينة إلى موقع جزيري أكثر أمناً.
هكذا ظهرت هرمز الجديدة التي نعرفها إلى يومنا هذا في مطلع القرن الــ 14، وقدّر لها أن تؤدّي دوراً رائداً ومحورياً في التجارة بين الشرق والغرب في هذا العصر، ولفترة زمنية طويلة تتجاوز القرنين من الزمان.
وهذه المكانة التجارية المتفردة التي نالتها الجزيرة تعود، من جانب، إلى موقعها الاستراتيجي في مدخل الخليج الذي جعلها متحكّمة في مجرى السفن، وحجر الزاوية في حركة انتقال السلع الهندية إلى الغرب، ومن جانب آخر إلى السياسة التوسّعية والإدارة الذكية لحكّامها في هذه الفترة، الذين نجحوا في جعل مدينتهم، أو بالأحرى جزيرتهم، مملكة مزدهرة. وأصبح ميناء هرمز محطة رئيسية يأتي إليها التجار من شتى البقاع ومختلف الأمصار، حتى باتت أسواقها مصدراً للثروات الطائلة.
هرمز في عيون الجغرافيين والرحّالة
-
خريطة مبسّطة لجزيرة هرمز ومدينة هرمز الجديدة من عام 1747 بريشة يوهان كاسبار أركستي وهنريكوس ميركوس
أشاد الجغرافيون بعظم الحركة التجارية داخل هرمز القديمة ورواج أسواقها، ويشير ياقوت الحموي في "معجم البلدان" إلى أنها "مدينة على البحر إليها خور (خليج من البحر) على برّ فارس، إليها تُرفأ المراكب، ومنها تنتقل أمتعة الهند إلى كرمان وسجستان وخراسان".
ويصفها ابن حوقل بأنها "مجمع تجارة كرمان، وهي فرضة البحر وموضع السوق"، وفيها خليج يربط بينها وبين بحر فارس، وعلى جميع السفن المقبلة من بلاد الهند أن تسلك ذلك الخليج حتى تصل إلى ميناء المدينة.
ويشير إليها الإدريسي بكونها مدينة كبيرة كثيرة العمارة، بينما يذكر المقدسي أنّ سوق هرمز الواقع بالقرب من الجامع يشهد رواجاً كبيراً للنشاط التجاري ويعجّ بالبضائع الشرقية والغربية.
وقد كانت هرمز، بفضل رخائها واهتمام أهلها بتزيين منازلهم بالمزهريات والأواني الفخارية، وشوارعها المبلّطة المغطاة بالحُصر والسجاجيد الكبيرة، ومتنزّهاتها الممتلئة بالزهور والأشجار المتنوّعة، مثار إعجاب الرحّالة والتجار القادمين إليها.
وعلى رأس هؤلاء الرحّالة، الرحّالة العربي الشهير ابن بطوطة، الذي أقام في المدينة بين عامي 1330م و1332م، ويصفها بأنها "مدينة حسنة كبيرة، لها أسواق حافلة، وهي مرسى الهند والسند، ومنها تحمل سلع الهند إلى العراقيين وفارس وخراسان، وفي مبانيها من العجائب والحسن ما لا يوصف، وطعام ملوكها السمك والتمر، وفي أرضها دفن الصالحين والزهّاد" الذين زار ابن بطوطة مراقدهم.
خربت هرمز العتيقة من غارات التتر، فانتقل أهلها إلى جزيرة قريبة من البر.
أما عبد الرازق السمرقندي الذي زار هرمز عام 1442م، وهو في طريقه إلى الهند، فيذكرها بأنها "المكان الذي ليس له مثيل في العالم"، وأنها ملتقى التجار من مختلف البلدان الذين يجلبون معهم البضائع الثمينة والنادرة؛ فتجد فيها تجاراً من مصر وسوريا وبلاد الروم وبلاد فارس وخراسان والعراق وبلاد ما وراء النهر، كما يفد إليها أيضاً تجار من ساحل المليبار وسوقطرة والبنغال وبلاد الصين.
وقد جاءت كتابات الرحّالة الغربيين أكثر وفرة وتفصيلاً، نظراً لكثرة عدد الرحّالة الأوروبيين الذين قاموا بزيارة هرمز من بدايات القرن الــ 14 وحتى القرن الــ 16. وفي مقدّمة هؤلاء الرحّالة الراهب الفرنسيسكاني الإيطالي، أودوريك، الذي قدم إلى هرمز عام 1321م، والذي يشير إلى أنها جيدة التحصين، وأنها تمتلك متاجر كبيرة ممتلئة بالبضائع والمنتجات فائقة الجودة.
كما زارها رجل الدين المسيحي راينال Raynal، لأهداف تبشيرية، في منتصف القرن الــ 14 الميلادي، وقد أسهب هذا الرحّالة في وصف جمال المدينة وشهرتها التجارية، وأنها عاصمة إمبراطورية تشتمل على أجزاء من بلاد العرب وجزء آخر من بلاد فارس، واصفاً المنظر الذي يجده التجار الأجانب عند وصولهم إلى هرمز، وأنه أجلّ ما يمكن أن تقع عليه العين في أي مدينة في الشرق؛ فالتجار في جميع أنحاء العالم يتبادلون سلعهم ويرتّبون أشغالهم بمنتهى الأدب واللياقة، أما الشوارع فإنها مغطاة بالحصر، وفي بعض الحالات بالبسط، والأغطية الكتانية معلّقة على أسطح المنازل لتقي أهلها من حرّ الشمس الشديد.
وقد أشار الرحّالة الروسي فاناسي نيكيتين Afanasii Nikitin، الذي زار هرمز عام 1472م، إلى أنها واحدة من أكبر الأسواق التجارية في العالم، يفد إليها كثير من التجار الأجانب محمّلين بشتى أنواع البضائع، حتى إنّ أيّ شيء يُنتج في العالم حتماً يوجد في هرمز. وهو ما يؤيّده الرحّالة البندقي باربارو Barbaro الذي قدم إلى المدينة بعد ذلك بقليل، مؤكداً أنّ النشاط التجاري بها لا مثيل له في أيّ بقعة زارها.
كانت هرمز واحدة من أكبر الأسواق التجارية في العالم، حتى إنّ أيّ شيء يُنتج في العالم حتماً يوجد فيها.
أما الرحّالة بيرو دي كوفيلها Pero de Covilhã، المكلّف من قبل ملك البرتغال يوحنا الثاني باستكشاف تجارة الشرق ومصادرها وطرقها، فقد قام بإرسال رسالة إلى ملكه عام 1487م يخبره فيها بازدهار ورخاء مدينة هرمز بفضل تجارتها؛ فهي المكان الذي تنتهي إليه القوافل التجارية المقبلة من بلاد الهند والصين، وهو الأمر الذي جعل منها واحدة من أغنى مدن الشرق.
وهو ما يؤكّده أيضاً الرحّالة الصيني، ما هوان Ma Huan، الذي زار هرمز مرات عديدة خلال النصف الثاني من القرن الــ 15 الميلادي، وقال إن أهلها يتمتعون بالثراء نتيجة رواج تجارة بلادهم، التي لا ينقطع عنها المسافرون الغرباء من البحر والبر، ويذهبون جميعاً إلى السوق ويشتركون في البيع والشراء وتبادل السلع.
-
مدينة هرمز الساحلية رسم تخطيطي من عام 1572
ثم مع بداية القرن الــ 16 الميلادي، حيث زار الرحّالة الإيطالي، فارتيما Ludovico Di Varthema، هرمز، ووصفها بأنها مدينة نبيلة فائقة الجمال، رغم عدم توفّر الماء العذب فيها، وأنها تمتلك ميناء بحرياً مميّزاً جعل منها مركزاً تجارياً من الدرجة الأولى، حتى إنّ عدد السفن المتجهة إلى هذا الميناء كان يبلغ أحياناً 300 سفينة مقبلة من بلدان مختلفة.
أما الرحّالة والسفير البرتغالي إلى بلاد الصين، تومي بيرس Tome Pires، فيذكر أنّ هرمز هي مفتاح بلاد فارس، وأنها تتمتع بالغنى، وأهلها أناس متحضّرون بطبيعتهم ويألفون الغرباء، وأنه بفضل التجارة المزدهرة داخل المدينة وجدت بها طبقة مترفة داخل المجتمع تمتلك منازل حسنة البناء. في حين يشير المؤرّخ والرحّالة البرتغالي دوارتي بربوزا Duarte Barbosa، إلى أنّ تلك المدينة تشتمل على مبانٍ وبيوت حسنة البناء، مبنية بالحجارة ومطلية بماء الكلس. أما شوارع وميادين المدينة فقد اتسمت بالجمال والتنظيم، وأهلها "حسنو المظهر؛ يرتدون قمصاناً بيضاء طويلة من القطن الرائع، وسراويلهم أيضاً من القطن الفخم، وفوق هذا يرتدون ملابس من الحرير غالية الثمن، إلى جانب الملابس القرمزية، ويضعون شاشاً فخماً على خصرهم".
على هذا النحو، أبهرت هرمز جميع من زارها من الرحّالة خلال الفترة الممتدة من القرن الــ 14 الميلادي وحتى بدايات القرن الــ 16، وقد شهدوا جميعهم على كونها من أعظم مراكز التجارة في المنطقة والعالم المعروف آنذاك، وأنّ ازدهار وشهرة المدينة وثراء سكانها يعود في المقام الأول إلى النشاط التجاري الضخم الذي شهدته المدينة آنذاك.
ذلك الأمر يجعلنا نؤكّد أنّ هرمز الجديدة لم تفقد شهرة ورونق هرمز القديمة، بل على النقيض من ذلك، فقد فاقتها أهمية وازدهاراً.
المصادر
- إبراهيم محمد سليمان: نشاط هرمز التجاري وسيطرتها على أهم مراكز التجارة في منطقة الخليج، من القرن 8هـ/14م إلى بداية القرن 10هـ/16م، مجلة التاريخ والمستقبل، العدد 75، يناير 2024م.
- إبراهيم محمد سليمان: هرمز الجديدة، وعلاقتها التجارية الخارجية في الفترة من 1300م إلى 1515م، مجلة التاريخ والمستقبل، عدد يناير 2011م.
- حامد زيان: الحياة في الخليج في العصور الوسطى في ضوء مشاهدات الرحّالة ابن بطوطة، دبي.
- ليلى عبد الجواد إسماعيل: هرمز في العصور الوسطى، حصاد 4، اتحاد المؤرّخين العرب، القاهرة، 1996م.
- نعيم زكي فهمي: طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب "أواخر العصور الوسطى"، القاهرة، 1973م.

