معيار البيتكوين البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي

كان الدافع الحقيقي لإنشاء عملة البيتكوين هو طرح شكل من العملة الإلكترونية بنظام نظير إلى نظير، لا يتطلّب الثقة في أطراف ثالثة لإجراء التحويلات، ولا يمكن تعديل عرضها من قبل أيّ طرف آخر.

  • معيار البيتكوين البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي
    معيار البيتكوين البديل اللامركزي للنظام المصرفي المركزي

يساعدنا هذا الكتاب على فهم اقتصاديات البيتكوين لكونه تكراراً رقمياً للعديد من التقنيات التي استخدمت لتؤدّي دور النقد عبر التاريخ، ويتطلّب استخدامها كفاءة تقنية عالية، وتحوط فيها مخاطر قد تجعلها غير مناسبة للعديد من الناس.  وبهذا فإنّ البيتكوين يجري وظائف البنك المركزي الحديث بشكل آلي، عن طريق برمجتها في شفرات لامركزية موزّعة على آلاف من أعضاء الشبكة، بحيث لا يمكن لأيّ منهم تغيير الشفرة من دون موافقة البقية. 

تعريف البيتكوين:

البيتكوين هو أحدث تكنولوجيا تؤدّي دور النقد ـــــ إنّه اختراع سخّر الإمكانيات التكنولوجية الموجودة في العصر الرقمي من أجل حلّ مشكلة لا تزال قائمة منذ الوجود البشري، وهي كيفيّة نقل القيمة الاقتصادية عبر الزمان والمكان. ولكي نفهمه بشكل أوضح يجب أن نفهم معنى النقد، إنّ أبسط طريقة ليتبادل الناس القيمة هي تبادل السلع القيّمة فيما بينهم،  وتدعى طريقة التبادل المباشر هذه "المقايضة"، وهي فعّالة لتبادل السلع الصغيرة ذات العدد القليل من السّلع والخدمات المنتجة، أما في اقتصاد أكبر حجماً وأكثر تطوّراً، فتُتاح الفرصة أمام الأفراد للتخصّص في إنتاج  المزيد من السلع وتبادلها مع عدد أكبر من الأشخاص ـــــ وهم أشخاص لا تربطهم علاقات شخصية، وغرباء لا يمكن بشكل عملي  إقامة علاقات تجارية أو تقديم خدمات أو إقامة مصالح معهم، فكلما كبر حجم السوق ازدادت فرص التخصص والتبادل.

النقد البدائي 

حجارة "الراي" كانت تشكّل النقد فيما مضى، وهي عبارة عن أقراص دائرية كبيرة الحجم في منتصفها ثقب، وهي مختلفة الأحجام، بلغ أعلى وزن لها أربعة أطنان مترية، كانت هذه الحجارة تستورد من بالاو، أو غوام في جزيرة ياب التي تعدّ اليوم جزءاً من ولايات ميكونيزيا الموحّدة. وهذه الحجارة مهيبة، بسبب جمالها وندرتها، لكنّ الحصول عليها كان صعباً للغاية، لأنّ العمل يتضمّن عملية شاقة من عملية التحجير يليها الشحن بالطوافات والقوارب. ويتطلّب نقل بعض الحجارة مئات الأشخاص، يمكن لمالك الحجر استخدامه كوسيلة للدفع من دون الحاجة لنقله: فكلّ ما سيحدث هو فقط إعلام المالك لجميع سكان المدينة بنقل ملكية الحجر إلى المرسل إليه المستفيد، وستعترف المدينة بأكملها بملكية هذا الحجر. عمل هذا النظام النقدي بشكل جيد لقرون أو حتى لآلاف السنين بالنسبة لسكان جزيرة ياب.

تلي حجارة الراي الخرز الزجاجي، الذي كان يعرف "بخرز العبيد" استكشفه التجّار الأوروبيون والمكتشفون عندما زاروا غرب أفريقيا في القرن السادس عشر، ومن بعده جاءت الأصداف البحرية التي كانت تستخدم في أميركا الشمالية وأفريقيا وآسيا، وتظهر لنا الروايات والمعلومات التاريخية بأنّ الأصداف البحرية الأكثر قابلية للبيع كانت غالباً تلك الأصداف الأكثر ندرة والتي كان يصعب الحصول عليها، حيث أنّ هذه الأصداف كانت تحتفظ بقيمتها أكثر من تلك التي يمكن العثور عليها بسهولة، والجدير ذكره أنّ السكان الأميركيين الأصليين والمستوطنين الأوروبيين الأوائل استخدموا الأصداف من وامبوم بشكل كثيف وكبير، ذلك لأنّ الحصول عليها أيضاً بالغ الصعوبة. كذلك كانت الماشية شكلاً من أشكال النقد القديمة، وتثمّن بسبب قيمتها الغذائية، وهي إحدى أكثر الممتلكات قيمة، وهي قابلة للبيع عبر الأماكن، بسبب سهولة نقلها، إلا أنّ كبر حجمها وعدم إمكانية تقسيمها بسهولة لم تكن صالحة على المدى التطوّري، تبعها الملح. ومع تقدّم العلم والعمل باستخراج المعادن، طوّرت البشرية شكلاً جديداً من أشكال النقد وهي المعادن، إذ يمكن صناعتها وتقسيمها ونقلها بسهولة.

المعادن النقدية: 

كانت المعادن الثلاث الأوسع انتشاراً والتي تمّ استخدامها لهذا الدور هي الذهب، الفضة، والنحاس وقد استخدمت كقطع نقدية لنحو 2500 عام وحتى أوائل القرن العشرين، أي منذ عهد الملك اليوناني كرويسوس الذي كان أوّل من قام بصك قطع نقدية ذهبية، وهذه العملة كانت أكثر قابلية للبيع والاستمرار عبر الزمن لمقدرتها على الاحتفاظ بقيمتها العالية في وزن خفيف. والجدير ذكره أنّ الاستقرار الكيميائي للذهب يشير إلى أنّ كلّ كمية الذهب التي استخرجها البشر لا تزال تقريباً ملكاً للناس حول العالم، فكانت البشرية ولا تزال تجمع كنزاً متزايداً من الذهب على شكل مجوهرات، وقطع نقدية وسبائك، وهي لا تستهلك أبداً ولا تصدأ أو تتحلّل، واستحالة تصنيع الذهب من مواد كيميائية أخرى، تعني أنّ الطريقة الوحيدة لزيادة عرضه هي باستخراجه من الأرض. وهي عملية مكلفة، وسامّة، وغير موثوقة، عمل فيها البشر منذ آلاف السنين بعوائد متناقصة باستمرار، وهذا يعني أنّ المخزون الحالي من الذهب الذي يمتلكه الناس حول العالم هو نتاج آلاف السنين من إنتاج الذهب. وهو أكثر بكثير من الإنتاج السنوي المتجدّد. فعلى مدى العقود السبعة الماضية وبوجود إحصائيات موثوقة نسبياً، حافظ معدل نمو العرض هذا على نسبة 1.5% ولم يتجاوز  2% أبداً.

العصر الجميل 

يقول المؤلف: إنّ نهاية الحرب الفرنسية البروسية عام 1871 وما ترتّب على ذلك من تحوّل جميع القوى الأوروبية الكبرى إلى معيار واحد ـــــ وتحديداً الذهب ـــــ قد أدّت إلى خلق فترة من الازدهار والرخاء تزيدنا إذهالاً مع مرور الوقت، وحتى بإعادة النظر إليها، ويمكن الادّعاء بأنّ القرن التاسع عشر ـــــ ولا سيما النصف الثاني منه كان أعظم فترة شهدها العالم من الازدهار البشري والابتكارات والإنجازات، والدور النقدي للذهب كان محورياً فيها، ومع إبطال الصفة النقدية للفضة ولوسائط التبادل الأخرى استخدمت غالبية الكوكب المعيار النقدي الذهبي نفسه مما سمح بتطوير الاتصالات والنقل، وشجّع على جمع رأس مال عالمي وتجارة لم يسبق لها مثيل.

البتكوين كنقد رقمي:

كان الدافع الحقيقي لإنشاء عملة البيتكوين هو طرح شكل من العملة الإلكترونية بنظام نظير إلى نظير، لا يتطلّب الثقة في أطراف ثالثة لإجراء التحويلات، ولا يمكن تعديل عرضها من قبل أيّ طرف آخر. بعبارة أخرى، أنّ البتكوين سيجلب ميزات النقد المادي المرغوبة إلى عالم التكنولوجيا الرقمية، وتتطلّب هذه التقنية عمليتي "الإثبات والتحقّق"؛ أي أنّ الميزة التشغيلية الرئيسية للبيتكوين هي التحقّق، وعلى هذا يجب تسجيل كلّ تحويل من قبل جميع أعضاء الشبكة بحيث يتشاركون جميعهم في سجل مشترك يحتوي على جميع الأرصدة والتحويلات، وعندما سيقوم عضو من الشبكة بتحويل مبلغ إلى عضو آخر يمكن لجميع أعضاء الشبكة التحقّق من امتلاك المرسل لرصيد كافٍ، ثم تتنافس العقد لتكون أول من يقوم بتحديث السجل وإضافة كتلة جديدة من التحويلات كلّ عشر دقائق، ولكي تتمكّن العقدة من إضافة كتلة من التحويلات إلى السجل، يجب عليها أن تنفق طاقة المعالجة على حلّ المسائل الرياضية المعقّدة التي يصعب حلّها، ولكن يسهل التحقّق من صحة هذا الحلّ، وهذا ما يدعى بنظام إثبات العمل POW، وفقط بعد إيجاد حلّ صحيح يمكن إدخال كتلة والموافقة عليها من قبل جميع أعضاء الشبكة، على الرغم من أنّ هذه المسائل الرياضية لا علاقة لها بتحويلات البيتكوين، إلا إنه لا غنى عنها لتشغيل النظام، حيث تجبر العُقد على إنفاق طاقة المعالجة من أجل توثيق التحويلات، وسيتمّ إهدار هذه الطاقة إذا ما قامت هذه العقد بإدراج تحويلات احتياطية، وبمجرّد أن تحلّ العقدة نظام إثبات العمل بشكل صحيح وتعلن عن التحويلات، تصوّت عُقدة الشبكة الأخرى على صحته، وبمجرّد تصويت الأغلبية لصالح الموافقة على الكتلة، تبدأ العُقد بإيداع التحويلات إلى كتلة جديدة ليتمّ ربطها بالكتلة السابقة، والقيام بحلّ نظام إثبات العمل الجديد للكتلة الجديدة، ومن ثمّ تحصل العقدة على "مكافأة الكتلة" والتي هي بيتكوين جديد تتمّ إضافته إلى العرض الحالي، إضافة إلى كلّ رسوم التحويلات التي يتمّ دفعها من قبل الأشخاص الذين يحوّلونها، يطلق على هذه العملية "التعدين".

إنّ البيتكوين هو المثال الحيّ لشكل جديد من أشكال الحياة، انه يتنفّس ويعيش على شبكة الإنترنت. يعيش لأنه يستطيع أن يدفع للأشخاص مقابل إبقائه حيّاً. يعيش لأنه يقدّم خدمة حيّة مفيدة يدفع الناس له كي يقدّمها، يعيش لأنّ أيّ شخص في أيّ مكان يمكنه تشغيل نسخة من شفرته. يعيش لأنّ جميع النسخ العاملة تتحدّث مع بعضها البعض، يعيش لأنه إذا تمّ إيجاد نسخة تالفة منه فسيتمّ التخلّص منها بسرعة من دون ضجة أو فوضى، يعيش لأنه يتسم بالشفافية بشكل جذري، حيث بإمكان أيّ شخص رؤية شفرته وما الذي تفعله بالضبط هذه الشفرة.

لا يمكن تغييره، لا يمكن الجدال معه، لا يمكن التلاعب به، لا يمكن إتلافه، لا يمكن إيقافه، لا يمكن مقاطعته حتى، وإذا دمّرت حرب نووية نصف كوكبنا فسيستمرّ بالعيش من دون انقطاع، وسيستمرّ بالدفع للأشخاص من أجل إبقائه حيّاً.

 وبالنتيجة: يملك مبرمجو البيتكوين دافعاً قوياً للالتزام بالقوانين المتفق عليها لكي يتمّ تبنّي شفرتهم البرمجية، كما يجب على المعدنين أيضاً الالتزام بقوانين الشبكة المتفق عليها لكي يحصلوا على تعويض عن الموارد التي صرفوها على نظام إثبات العمل، وأعضاء الشبكة أيضاً يملكون دافعاً قوياً للبقاء على تلك القوانين، المتفق عليها لكي يتمكّنوا من تصفية تحويلاتهم على الشبكة.

  ماذا يعني البيتكوين ولِمَ يصلح، وما هي المسائل المتعلّقة به. ماذا يعني النقد والتفضيل الزمني والنقد الحكومي، كيف يتعامل نظام المعلومات الرسمالية، ما علاقة النقد السليم بالحرية الشخصية، ما هي المعادن النقدية، وكيف كان النقد البدائي. مواضيع مهمة، يتناولها هذا الكتاب القيّم في صفحاته الثلاثمئة والعشرين.

 في النهاية أقول إنّ المتابعة في معرفة العرض والقيمة والتحويلات، وما هو مخزن القيمة، والتسوية الدولية المتصلة بشبكة الإنترنت، وهل يعدُّ تعدين البيتكوين تبذيراً، ولماذا ليس بوسع أحد تغيير البيتكوين، وهل يستطيع البيتكوين التوسّع. هل البتكوين للمجرمين، كيفيّة قتل البيتكوين، القرصنة، كسر خوارزمية الدمج، العملات البديلة، تكنولوجيا سلسلة الكتل، تسديد الدفعات بشكل رقمي، التطبيقات المحتملة لتكنولوجيا سلسلة الكتل، العقود، والعوائق الاقتصادية لتكنولوجيا سلسلة الكتل. كلّها فضاءات معرفية جديدة استقطابية للقارئ ليعلم المزيد وبالتفصيل عن هذه التكنولوجيا الجديدة. إنه كتاب ممتع جداً.

اخترنا لك