مشقّة العمق في زمن السطحية الرقمية
قد يصبح حضور الوعي العميق أشبه بحرفة يدوية في زمن الصناعة الرقمية، حرفة موجودة لكنها تمارس بنطاق محدود وبجهد مضاعف. والسؤال الأكثر إلحاحاً هنا: بأيّ ثمن يمكن للفرد أن يستعيد انتباهه وسط اقتصاد يربح من تشتيت هذا الانتباه كل ثانية؟
-
"المتجوّل فوق بحر الضباب"، كاسبار دافيد فريدريش، 1817
ربما يكون التفكير العميق تجربة مرهقة، إذ يستدعي تركيزاً متواصلاً، وقد يميل إلى مراجعة المسلّمات الصامتة، وقليلاً ما يفضي إلى يقين قاطع، بل قد يترك صاحبه في مناطق رمادية متعدّدة الاحتمالات.
في المقابل، تمنح السهولة إحساساً فورياً بالفهم، وكأنها توفّر الوصول إلى جوهر الأشياء من دون جهد كبير. غير أن السهولة اليوم تتجاوز كونها اختياراً فردياً، إذ تُنتج وتُروّج عبر منصات تختصر الكتب في دقائق، ومواقع تقدّم التحليلات على شكل نقاط عاجلة، وخوارزميات تفضّل المحتوى السريع وفقاً لمقاييس المشاهدة.
من هنا، قد تكون السطحية نتيجة اختيارات سياقية أكثر منها قراراً صريحاً، خاصة في بيئة رقمية تُبنى على جذب الانتباه قبل تعميق الفهم. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يُقبل المرء على هذه السهولة مع إدراكه أن الملخص لا يعوّض الأصل؟
ربما تعود الأسباب إلى بنية تعليمية وتربوية درّبت على الإجابة النموذجية أكثر من الأسئلة المفتوحة، وإلى سوق عمل يقيس الإنتاج بعدد المنجزات في الساعة بدلاً من عمق الإنجاز، وإلى وسائل ترفيه تتنافس على الوقت بلقطات سريعة.
في هذا السياق، يصبح التفكير العميق أشبه برفاهية تتاح غالباً لمن يمتلك فائضاً من الوقت والطاقة الذهنية، بينما يكتفي آخرون بيقين سريع قد يكون مشوّهاً، لكنه يحمي من دوار الحيرة ويمنح طمأنينة مؤقتة.
ومع ذلك، قد تكون السهولة باباً للفضول أو نافذة أولى نحو العمق، غير أن الخطر يظهر حين تُتخذ هي الغاية بدل البداية.
هذا التوتر بين ثقل التأمّل وخفة البديهية قديم جداً. فالمتنبي قال منذ قرون: "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم"، وكأنّ العمق كان دائماً محفوفاً بالوحشة، والسطحية محاطة براحة وهمية.
لكنّ الجديد أنّ السهولة تحوّلت إلى نظام إنتاج، بينما كانت في الماضي عيباً فردياً. اليوم، قد تكون السهولة خياراً افتراضياً تنتجه الخوارزميات وتكرّسه المؤسسات وتضاعفه قوانين السوق، كأنّ العقل أصبح مطارداً في بيئة رقمية تُكافئ من يقلّل من تعبه ومن أسئلته.
هذا الطغيان الجديد قد يفسّر لماذا يملك خطاب البديهيات جماهير عريضة. فالمتحدّث الذي يكرّر المعلومة الجاهزة بأسلوب شيّق قد يحظى بانتشار أوسع من الباحث الذي يطرح أسئلة معقّدة لا تجيب عنها النشرة المسائية. ووسائل الإعلام قد تتحوّل إلى مرايا تعكس ما يرغب الجمهور في سماعه، فتنتج معادلات سهلة للخير والشر وتختصر الصراعات في شعارات.
لكنّ المفارقة الأعمق أننا خرجنا من كهف أفلاطون التقليدي*، حيث النور يُبثّ اليوم في كل مكان، لكنه شديد التشتيت، لدرجة أننا قد نصنع بأيدينا ظلالاً رقمية وننشغل بها.
ومن يخرج من هذه الغرفة المزدحمة بالمؤثرات قد يجد فوضى معلبات لا تقل تعقيداً، وقد يكتشف أن الخارج نفسه جزء من لعبة الإبهار. وبالتالي، يصبح التمييز بين العميق والسطحي مهمة شاقة تتطلب مهارات نقدية، مما يعيد إنتاج فجوة بين نخبة تمتلك حاسة تمييز وجمهور عريض يتلقى ما يُقدّم له.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن نصاً كهذا، بلغته المجردة وفقراته الطويلة، قد يخاطب في الغالب من هم داخل دائرة الاهتمام بالفكر، وقد يمرّ على غيرهم كضجيج إضافي. وهذه نخبوية معرفية يصعب تجنّبها بالكامل، لكن الإشارة إليها تذكّر بأن نقد السطحية يحتاج إلى قنوات أخرى وبوابات مختصرة تنقل جوهر الأسئلة من دون تفريغها.
وهذا العزل النخبوي قد يكون سبباً في تراجع تأثير المفكرين والأدباء في المشهد العام، مقابل بروز خطاب السطحيين الذين أتقنوا لعبة الاختصار والإيقاع. فالمثقف، بثقله المعرفي ومنطقه الشرطي، قد يُقصي نفسه عن فضاءات التأثير التي تخضع لقوانين الانتشار، بينما يزدهر من يقدّم المعلومة كخبر عاجل والرأي كشعار جاهز. غير أن استمرار هذا التراجع قد يكون نتاج جمود في الأدوات وليس في المضمون. ومن هنا، يمكن لأصحاب العمق أن يتعاملوا بمرونة أكبر مع أدوات العصر الرقمية، بفهم لغتها البصرية وإيقاعاتها الزمنية وقدرتها على خلق التعلق. فالمطلوب قد يكون اجتياز السطح بذكاء، على سبيل المثال عبر تحويل الفيديو القصير إلى مدخل للدهشة، والتغريدة إلى بوابة للتساؤل، واستخدام الخوارزميات لنشر الأسئلة لا الإجابات. فالعمق قد يظل حياً حين يتعلم أهله كيف يصوغون حدّتهم بلغة يألفها العصر، ليُحدثوا في الضجيج فرقاً، بدل أن يئنّوا في صمت بعيد.
في المحصّلة، قد يصبح حضور الوعي العميق أشبه بحرفة يدوية في زمن الصناعة الرقمية، حرفة موجودة لكنها تمارس بنطاق محدود وبجهد مضاعف. والسؤال الأكثر إلحاحاً هنا: بأي ثمن يمكن للفرد أن يستعيد انتباهه وسط اقتصاد يربح من تشتيت هذا الانتباه كل ثانية؟ قد يكون هذا الثمن يومياً عبر تخصيص نصف ساعة للقراءة الصامتة، أو تجاهل الموجات العاجلة غير المهمة. وهذا ثمن شخصي بالأساس. وإن اتسعت دائرة من يدفعونه، قد يتحوّل السؤال من فردي إلى جماعي، وقد تتغيّر معادلات السوق الثقافي ببطء. فالعمق يحتاج إلى كثافة حضور ذهني يقلّ مع التشتّت، ويزداد مع التفرّغ.
* كهف أفلاطون: أسطورة فلسفية يصوّر فيها أفلاطون البشر كسجناء منذ الولادة في كهف، لا يرون إلا ظلالاً لأشياء تمر خلفهم، فيعتقدون أنّ هذه الظلال هي الواقع الكامل. الخروج من الكهف يعني تحمّل مشقة المعرفة ورؤية الحقيقة المجرّدة، لكنه غالباً ما يكون مؤلماً ومربكاً في البداية.