مشروع فكري للبحث عن "حداثة إسلامية"
استفاض "الدكتور مرتضى" في بيان أزمة الأُمّة العربيّة والإسلاميّة موضِّحاً طريق الحلّ، بحسب رؤيته الخاصّة المتمثّلة في "الحداثة الإسلاميّة" الممهِّدة لطريق التقدُّم والنهضة.
-
كتاب: "نحو حداثة إسلامية مُمهِّدة: في شروط النهضة وتجاوز الاستلاب"
صدر مؤخَّراً ضمن سلسلة "دراسات الفكر المعاصر" التي تصدر عن مركز "براثا للدراسات والبحوث" كتاب مُهمّ يحمل عنوان: "نحو حداثة إسلامية مُمهِّدة ـــــ في شروط النهضة وتجاوز الاستلاب" الذي جاء في (429 صفحة). وتكمن أهمّيّة هذا الكتاب في أنّه يشير بشكل مباشر إلى مشروع "المفكّر الدكتور محمد محمود مرتضى" الفكري، الذي بدأت تتّضح معالمه مؤخّراً خلال سلسلة من الكتابات التي جاءت متفرِّقة على محاور شتّى، تعكس النواحي المختلفة للمشروع الفكري للمؤلِّف، والتي ارتكزت على: الدراسات العَقَديَّة، والدراسات القرآنيّة، والدين والحياة، والدراسات التربويّة، وتفكيك الغرب، والفكر المعاصر.
تلك المحاور التي توحي بأنّه يبحث عن رؤية متكاملة لمشروع جديد يتجاوز الخضوع للمفاهيم الغربيّة التي لم تورثنا إلّا ذلّاً وتبعيَّة مقيتة، كما يتجاوز نقائص المشاريع العربيّة الأخيرة التي باءت بالفشل في إحداث نهضة عربيّة إسلاميّة انتظرناها كثيراً ولم تأتِ بعد. ومن ثَمَّ عمل (مرتضى) على البحث من منظور مغاير إلى طريق آخر للنهضة، تمثَّل في رؤيته الخاصّة للحداثة الإسلاميّة.
وقد عبّر "الدكتور محمد محمود مرتضى" عن مشروعه العلمي في مؤلَّفات علميّة رصينة، وفي مقالات ومفتتحات المجلّات العلميّة التي تصدر عن "مركز براثا للدراسات والبحوث"، وهي: "اعتقاد"، وأمم"، و"تبيين". وتتبلور معالم هذا المشروع ليس في نقد الفكر الغربي فحسب ـــــ وإنْ كنت أرى أنّ هذه النقطة لها أهمّيّة قصوى ـــــ وإنّما في تخليص الأُمَّة وتحريرها من عبوديّة السوق، واستبداد السياسة، وثقافة الاستهلاك، وإعادة بناء الإنسان ليكون خليفة، وإعادة بناء المجتمع ليكون شاهداً، وإعادة بناء المعرفة لتكون شهادة.
وقد استفاض "الدكتور مرتضى" في هذا الكتاب في بيان أزمة الأُمّة العربيّة والإسلاميّة موضِّحاً طريق الحلّ، بحسب رؤيته الخاصّة المتمثّلة في الحداثة الإسلاميّة الممهِّدة لطريق التقدُّم والنهضة، التي رأى أنّها ستكون بمثابة نداء في ساحة مشبعة بضجيج المفاهيم المستورَدة، والمشاريع المبتورة، والنماذج الفاشلة، وأشباح النخب المهزومة. معتبراً أنّ في هذا النداء جرأةً، خاصّة بعد قرن كامل من التردّد، ومئة عام من الجدل، وخمسين سنة من تكرار الأسماء والمفاهيم والأسئلة.
ويرى "مرتضى" أنّنا حتى الآن لم نلقِ بكلمتنا الخاصّة عن الحداثة؛ إذ اكتفى الجميع بالمنظور الغربي للحداثة؛ ومن حقّنا اليوم أن نقول كلمتنا عنها؛ حيث إنّ الحداثة سؤال وجودي يفرض نفسه على الإنسان المسلم الذي أفاق في قلب هذا العصر، ليجد نفسه معلَّقاً بين وحيٍ يؤمن به، وجماعات ترفض هذا الوحي، وبين حداثة تقول له: لا خلاص لك إلا بقتلك، وبين تراث يقول له: لا خلاص لك إلّا بعودتك. ومن ثَمَّ يرى "مرتضى" أنّنا بتنا أمام سؤال فلسفي يضرب في العمق: كيف نكون حداثيّين من دون أنْ نكفر بذاتنا؟ وكيف نكون أوفياء للذات من دون أنْ نعيش خارج التاريخ؟ هذا هو السؤال الذي تهرَّبت منه المشاريع الفكريّة الحداثيّة العربيّة والإسلاميّة كلّها تقريباً، لا لأنّها لم تدرك خطورته، بل لأنّها بُنيت على أرضيّة منحازة سلفاً، فالحداثة كانت دائماً الجواب الجاهز الذي يجب الوصول إليه بأيّ ثمن، حتى لو لم يُطرح السؤال أصلاً.
ويركّز الكتاب على بيان أنّ مفهوم الحداثة الغربي مفهوم ملغوم، جرى توظيفه بوصفه ثورة على الدين والإيمان لصالح العقل والعلم، وأنّه يجب أنْ يكون هكذا في كلّ الأمم. ثمّ ينتقل بنا إلى الحداثة في الفكر العربي من النهضة إلى الهزيمة، وكيف وُظِّفت على أنّه لا بدّ أنْ توضع في مواجهة التراث، فلا مجال للجمع بينهما. ثمّ توجَّه الكاتب إلى نقد المشاريع الحداثيّة العربية عند: "محمد عابد الجابري"، و"محمد أركون"، و"حسن حنفي"، و"نصر حامد أبو زيد"، و"علي حرب"، و"عبد الله العروي"، و"جورج طرابيشي"، و"هشام جعيط"، و"محمد شحرور"، و"عبد المجيد الشرفي"، رغم تأكيده أنّه لا يستهدف أنْ يكون كتابه مجرّد تحليل نقدي للمشاريع الفكريّة العربيّة السابقة، ولا مجرّد تأصيل نظري لفكرة الحداثة الإسلاميّة كما يراها هو، إنّما ليؤكِّد أزمة الفكر الإسلامي الحديث، ويقدّم شهادة على "انحراف" العقل الإسلامي بين تقليديّة عاطفيّة وحداثة مستعارة، وشهادة على الحاجة إلى تأسيس تيّار فكري جديد، لا يُعيد إنتاج ما مضى، ولا يكتفي بانتقاد الموجود، وإنّما يصوغ مشروعاً أصيلاً نابعاً من القرآن، ومتحرِّراً من عبوديّة النماذج، ومتجاوزاً للثنائيّات العقيمة، ومنطلقاً من وظيفة التمهيد بوصفها المهمّة المركزيّة للأمّة الإسلاميّة.
ثمّ يبيِّن لنا المعوقات أمام الحداثة الإسلاميّة المأمولة المتمثِّلة في الاستبداد الداخلي الذي يتمثّل في موقف الدولة العميقة الصلب في مواجهة أيّ مشروع تحرّري، والهيمنة الخارجيّة، والاستهلاك الثقافي الذي يستورد المفاهيم بدلاً من أنْ ينتجها، وأزمة الفرد المسلم المتمثِّلة في انشطار الذات المسلمة بين التراث والحداثة.
ثمّ يطرح علينا مشروع الحداثة الإسلامية الذي ينطلق في مرجعيّته من الوحي بوصفه منهجاً معرفيّاً أصيلاً ينبع من وعي فلسفي عميق بطبيعة السؤال الحداثي نفسه، وبطبيعة التجربة الإسلامية الفريدة، وبطبيعة اللحظة التاريخيّة التي نعيشها اليوم. وبوصفه ـــــ أي الوحي ـــــ رؤية كونيّة شاملة، تقدّم تصوّراً عميقاً عن أصل الإنسان وغايته، وعن العلاقة بين الزمن والمطلق، ومعنى التاريخ، وموقع العقل، ووظيفة المعرفة، وقيمة الحريّة، وحقيقة التقدّم، ووظيفة الدولة، ومعنى العدالة. وحيث نقرأ الوحي بوصفه نصّاً مفتوحاً على المستقبل، يقدِّم لنا أفقاً حداثياً بديلاً يعيد تعريف الأسئلة الكبرى، ويعيد تركيب العلاقة بين العقل والروح، وبين الفرد والجماعة، وبين الحريّة والمسؤوليّة، وبين التقدّم والزمن الخُلُقي، وبين الذات والآخر، وبين السياسة والأخلاق، بعيداً عن قراءته من حيث كونه مجرّد تراث نعيد تدويره، أو مجرّد نصّ مُغلق يفرض علينا حذافير التاريخ الأوّل..
لينتهي من ذلك إلى أنّ الحداثة الإسلامية حداثة روح في مقابل حداثة المادّة، وحداثة مفتوحة لا تلغي الآخر، بل تتّسع للجميع، ومن الممكن أنْ تسع العالم أجمع في ما أسماه بالحداثة العالمية. بدلاً من تلك الحداثة الغربيّة المادّيّة التي انتهت إلى الانسداد التامّ، والموات العام بموت "الإله" مع "نيتشه ـــــ Nietzsche"، و"موت الإنسان" مع "فوكو ـــــ Foucault" و"بارت ـــــ Barthes"، و"موت المعنى" مع الهرمنيوطيقيين والتفكيكيين، أو بعبارة "مرتضى" "انتهت إلى مزيج مرير من العدميّة والاحتباس المادّي".
ثمّ ينتقل بنا في فصله السابع إلى الحديث عن الحداثة الإسلاميّة بوصفها حداثة مَهدويَّة، والمَهدويَّة هنا، ليست قضيّة طائفيّة، ولا عقيدة محصورة في جماعة، بل رؤية كونيّة تتعلّق بالعدل الإلهي، وبمستقبل الإنسان، وبإمكان قيام حضارة إنسانيّة عادلة. إنّها حداثة تعيد تعريف الزمن، لا بوصفه خطّاً صاعداً، كما عند الحداثة الغربيّة، بل بوصفه مساراً ذا غاية كونيّة مرتبطة بوعد السماء. ولهذا، فهي تمنح الإنسان موقعاً فاعلاً في بناء المستقبل، لا مجرّد مستهلك للتاريخ. إنّه الفصل الذي نعلن فيه اكتمال المشروع: حداثة تبدأ من الذات، وتشخّص الواقع، وتنقد الغرب، وتعيد تأويل النصّ، وتنتهي عند رؤية مَهْدَويَّة، تمنح الأُمّة أُفقاً جديداً للنهضة والمعنى.
وهكذا ينتهي الكتاب مع إشارة للمشروع الكامل الذي يتبنَّاه "الدكتور محمد محمود مرتضى" الذي يرفض أنْ يظلّ الفكر الإسلامي حبيس سجن استعادة الماضي أو سجن استيراد الحداثة، وكلاهما لم يورثنا إلّا تخلّفاً وتبعيّة، فلقد حان الوقت - بحسب المؤلِّف - لإعلان نهاية مرحلة البحث عن الذات، وبداية مرحلة استعادة الموقع الطبيعي للأُمّة: أن تكون شاهدة على العالم، وقائدة لمستقبله، وحاملة لمشروع العدالة المقبل.