البيت الذي تركناه
في خضم هذا الألم وهذا الغيظ، يبقى شيء واحد يمنعنا من الاستسلام لليأس. إيماننا بأن ثمة من يقاتل من أجل أن نعود. آمالنا معلقة في سواعد المقاومين الصامدين على الثغور الذين اختاروا أن يثبتوا حين اخترنا الرحيل.
في الثالثة من فجر يوم الاثنين، رنّ الهاتف. كان صوت شقيقتي يقول بقلق لا يخطئه أحد: الحرب بدأت، ماذا تنتظرون؟ أغلقت الخط، فرنّ ثانٍ، وثالث. كل مكالمة كانت تضغط على شيء في الداخل، حتى جاء الصوت الذي لا تحتاج معه إلى تفسير. دوي الطيران الحربي الإسرائيلي الثقيل يخترق الفجر الساكن فوق البيت. صوت لا يشبه أي صوت آخر، يدخل جسدك قبل أن يدخل أذنيك. أدركت أن الحرب التي لم تنتهِ أصلاً عادت بكل ثقلها، وأن البقاء لم يعد خياراً.
جمعت مع أفراد عائلتي ما أمكن في دقائق. لا تعرف ماذا تأخذ حين لا تعرف إلى متى ستغيب. أخذت الضروري وتركت ما ظننت يوماً أنه لا يمكن تركه. انطلقنا نحو صيدا مع أول ضوء. لكن الطريق لم تكن صامتة. كان الدوي يتردد في الخلفية طوال المسير، وكانت الأخبار تُفيد بغارات على قرى مررنا فيها للتو. أحياناً تنظر من نافذة السيارة إلى تلك القرى وقد صارت خلفك، وتتساءل في صمت: هل كان يجب أن نمر من هنا؟ شعور غريب أن يسير الخطر خلفك بخطوات قليلة، وأنت لا تملك إلا أن تمضي.
ثم توقف كل شيء. الطريق امتلأت فجأة بسيارات لا تتحرك. صفوف لا نهاية لها، محركات تئن، وأبواق متقطعة كأنها صرخات بلا مجيب. رأيت عجوزاً تحاول النزول من السيارة لتمشي قليلاً فلا تستطيع، ورجلاً يحمل طفله على كتفيه وينام الطفل وهو واقف من شدة الإرهاق ونازحون يتشاجرون لأن سيارة أحدهم كانت "تطحش" من دون حق وهم غير مدركين أنّ لا فرق من يسبق أولاً، فالجميع عالق في المتاهة. رأيت أماً تحاول أن تطعم أطفالها من كيس بلاستيكي على قارعة الطريق، وعيناها تتنقلان بين وجوه أطفالها والسماء بالتساوي.
أمضى الناس أكثر من 20 ساعة على تلك الطرقات. حلّ موعد الإفطار والجميع لا يزال في سياراته. لم يكن الصيام وحده ما يُنهك، بل ذلك الشعور القاسي بأنك لا تملك حتى حق بالتوقف. الطريق التي كانت تُقطع في ساعة امتدت نهاراً كاملاً، وتحوّل الانتظار إلى امتحان لا يرحم. في تلك الساعات، كانت السيارة تتحول من وسيلة نقل إلى عالم مصغّر مكتفٍ بأسوأ ما يمكن أن يجمعه الخوف والتعب والصمت.
لم تكن هذه المرة الأولى. وهذا وحده كان كافياً ليجعل كل شيء أكثر إيلاماً. حين تعيش النزوح مرتين في أقل من سنتين، لا تعود تشعر بالإرهاق فحسب، بل بشيء أعمق وأقسى، غيظ أعجز عن وصفه، من أن حياتك بأكملها باتت تُعاد من البداية في كل مرة تظن فيها أنك التقطت أنفاسك. كنت تجلس في تلك السيارة وتتذكر المرة الماضية، نفس الطريق، نفس التعب، نفس السؤال الذي لا جواب له: إلى متى؟
إلى متى يُباح لهذا العدو الإبادي أن يمزق سماءنا كيفما شاء؟ أن يقرر من فوق بأن هذه القرية تُمحى وهذا الحي يُدك وهذه العائلة تُهجَّر؟ الطيران الحربي الإسرائيلي لا يخترق فجرنا بالخطأ، بل باستهداف مدروس وبارد يعرف تماماً ما يفعله. يحاول كسر إرادة الناس، ويحرق ذاكرتهم، ويجعل البقاء في أرضهم ثمنه الدم. هذه ليست حرباً بالمعنى الذي يتساوى فيه طرفان، بل عدوان تمارسه آلة عسكرية متفوقة على شعب يريد فقط أن يعيش في بيته.
أما الغيظ الذي يعتصرك في السيارة فليس غيظاً مجرداً. له عنوان واضح ووجه معروف وتاريخ طويل من الإفلات من العقاب. تنظر إلى أطفال يبكون على قارعة الطريق وتعرف أن أحداً لن يُحاسَب على هذا المشهد، أن العالم سيراه ويمضي، وأن هذا الألم سيُطوى كما طُويت آلام من سبقونا على هذه الطرقات نفسها.
وفي الخلفية دائماً، خوف لا تجرؤ على البوح به بصوت عالٍ: خوف أن يبتلع هذا الحريق البيت الذي تركته، وأن يطال من تحبهم ممن اختاروا البقاء أو لم يجدوا طريقاً للرحيل. وتتذكر أصدقاءك ومعارفك الذين استشهدوا في الحرب الأخيرة وتدرك أن هذا الخوف ليس وهماً، بل هو ذاكرة مُجرّبة، ذاكرة من عرف الفقد مرة ويرتجف من أن يعرفه مجدداً. الحرب لا تأخذ منك البيت فقط، بل تأخذ منك اليقين بأن من تحب بخير، وتتركك عالقاً بين مكانين، لا مطمئناً على ما خلّفت، ولا قادراً على الاندماج بما أمامك.
كتب غاستون باشلار في "جماليات المكان" أن البيت ليس مجرد جدران وسقف، بل هو الكيان الأول للوجود الإنساني، والمكان الذي يتعلم فيه الإنسان أن يحلم. حين تُجبر على مغادرته فجأة، لا تفقد مكاناً فحسب، بل تفقد الطريقة التي كنت تفهم بها نفسك. وتذهب حنة آرندت إلى أن الحروب لا تدمّر البيوت وحدها، بل تهزّ الإحساس الجوهري بأن العالم مكان يمكن الوثوق به وبناء الحياة فيه. وهذه ربما هي أعمق خسارة في النزوح، ليست خسارة الأشياء، بل خسارة الشعور بأن للأشياء معنى ثابتاً.
واليوم، بعد أن استقرّ بنا المقام في مكان ما ، ما زال الشعور نفسه قائماً. على الطاولة أمامي هاتف يضج بأخبار الحرب العاجلة، وخلف النافذة سماء لا أعرفها بعد. نزحنا بأجسادنا، لكن البيت الذي تركناه ما زال يسكننا. أحياناً في اللحظات الهادئة، تسمع في داخلك صوت الباب حين كنت تفتحه كل يوم، وتشم رائحة البيت بكل ما فيه، وتدرك أن ما فقدته ليس مجرد مكان، بل إيقاع حياة كامل لن يعود كما كان.
لكن في خضم هذا الألم وهذا الغيظ، يبقى شيء واحد يمنعنا من الاستسلام لليأس. إيماننا بأن ثمة من يقاتل من أجل أن نعود. آمالنا معلقة في سواعد المقاومين الصامدين على الثغور الذين اختاروا أن يثبتوا حين اخترنا الرحيل، الذين يحمون ما تركناه خلفنا بأرواحهم. وما يُبقي الغائب متعلقاً بأرضه هو اليقين بأن هناك من لم يغادر، ولن يغادر.
