ليس، بل!
تظل الكلمة مملكة الإنسان. والآلة، مهما تطوّرت، تبقى مرآة تعكس ما يوجّهه إليها صانعها.
في زخم النصوص المتدفّقة من بطون الخوارزميات، تتراءى ظاهرة لافتة، وهي تقلّب الأسلوب بين طرفي النفي والإثبات، كأنّ الآلة تبحث عن يقينها في ثنائيات صارمة، تحسم بها التردّد، وتقطع الشكّ بكبسة زر.
تقدّم لنا تلك المولّدات الرقمية جملها كالقضبان المتوازية، يعلوها سؤال، ثم يردفها جواب، كمن يمشي على حبل مشدود بين نقيضين، خائفاً من كلّ موضع للريب. لا "ربما" ولا "قد" ولا "أظنّ" (والظنّ من محاسن الفطن، حتى لو كان بعضه إثماً). لغة يقينية على طريقة "يا أبيض يا أسود".
تقف هذه الأدوات الذكية اليوم في موضع الخادم الأمين، تلبّي رغبات الكاتب في لمح البصر، وتختصر عليه مسافات البحث والترتيب. الاستعانة بها تبقى في دائرة الحكمة، كاستعانة الملّاح بالبوصلة أو العطّار بالميزان، إذ تفرض ضرورتها نفسها في زمن تتسارع فيه خطى الإنتاج، وتتضاعف فيه حاجة العقل إلى معينٍ يساعد على الفهم والتركيب. العيب الحقيقي يكمن في الإفراط في الإذعان لمنطقها الجامد، الذي لا يضمر أيّ لمسة شعورية، ولا أيّ إحساس بما يولّده من صياغات وأساليب.
الخطر الأكبر في الاتكال المفرط على الآلة الذكية، إذ يحوّل الكاتب إلى ناقل أمين، يمرر ناتج الشفرات، وتلك النواتج تبقى في حاجة إلى مرور عبر مرشحات الروح. الآلة تقدّم العظام، وتترك للكاتب مهمة كسوها باللحم النابض والدم الجاري.
حين يهمل المحرّر المراجعة، وتبقى مسافات السرد معتمدة على النمط الآلي، تتحوّل الكتابة إلى معمار بارد، تقاسيمه واحدة، وإيقاعه آليّ يتكرّر. المراجعة تمنح النصوص الآلية دفء الخياطة اليدوية، وإهمال المراجعة يُبقيها في قالب الأزياء الجاهزة.
القارئ الفطن، بفطرته الواعية، يلمس في تضاعيف تلك الصياغات الثنائية (بين النفي والإثبات) أثر المفتاح الرقمي، وبصمة الإصبع البشري تتراجع. يرى العبارات تتكرّر كالصدى، وتلك المفاجآت اللغوية والالتواءات العاطفية، التي تصنع تماساً مع المتلقّي، تمنح النص حيويته، وفي النصوص الآلية تظهر الرتابة مكانها. تصير الكلمات مكشوفة كوجه القمر في ليلة صافية، وأصلها الاصطناعي يظهر للرائي بوضوح.
يبقى الطريق وسطاً. يمسك الكاتب الواعي بمقود رحلته، ويتخذ من الذكاء الاصطناعي نافذة يطل منها على آفاق جديدة، أو مصباحاً ينير له زوايا المعرفة المظلمة. التحدي الأكبر يكمن في قدرته على تخليص النص من رتابة تلك الإيقاعات الآلية، وإعادة صياغة الأفكار بعينيه هو وصوته هو. حين ينهض الكاتب بمسؤولية المراجعة، ويضفي على الجمل نبرته الخاصة، يتحوّل الناتج الخام إلى عمل يحمل دفء اليد، ويُقرأ كقصيدة، وتلك القراءة تختلف عن قراءة التقرير الحسابي.
في النهاية، تظل الكلمة مملكة الإنسان. والآلة، مهما تطورت، تبقى مرآة تعكس ما يوجّهه إليها صانعها. فما أجمل أن تكون تلك المرآة مصقولة، وأن تكون اليد التي تمسك بها ماهرة، تزيح عنها غبار التكرار، وترسم في انعكاساتها صوراً تليق بصاحبها، وتحمل ملامحه، وتخبرنا بعضاً من تجاربه وخبراته، من نجاحات أو عثرات، لأنّ ما يميّز ليس الكمال المطلق، بل النقص الذي لا يعيبه.
تلك الظاهرة اللغوية، أعني المناوبة بين دفع المعنى وقبوله، تتبدّى بأجلى صورها في أسلوب "ليس... بل..."، الذي يطرد فكرة ويحل محلها نقيضها. نقرأ في النص الآلي الواحد تكراراً لهذا النمط: بدء الجملة برفض سابق (مثل: ليست الغاية كذا)، ثم التفات إلى تأكيد آخر (مثل: بل الغاية كذا).
تتوالى هذه الاستدارة الحادة بين الطرد والجذب، كتردد البندول، فتتحوّل إلى هيكل صارم يملأ الفراغات، ويقتلع كلّ أثر للتردّد أو الالتواء. في الكتابة البشرية، تتداخل الخيوط وتتشابك، وتستغني عن ذلك الفصل المتكرّر بين النفي والإثبات، وتظهر الآلة وكأنها تطمئن فقط بعد أن تغلق باباً وتفتح آخر، وتترك خلفها أثر المفتاح ذاته على كل عتبة.
وهكذا، حين نمعن النظر في تلك النصوص، نلمس تحوّل هذه الثنائية الصارمة إلى سمة طباعية، تفضح الجمود التركيبي قبل أن تفضح المحتوى. فما أجدرَ الكاتبَ الواعيَ بأن يزيح عن كلماته هذا الرنين الآلي، ويمنحها هامشاً من الغموض الجميل، وكل معنى يكتفي بذاته وبما يحمله من إيحاء، ويستغني عن ضده للاستدلال به.
نعم، لا مفرّ من استخدام الذكاء الاصطناعي، الذي يغدو بمرور الوقت من ضروريات الحياة، لا من كماليّاتها، لكنّ اللمسة الإنسانية الذاتية هي التي تميّز كلّ فعل أو كلّ نصّ عن سواه، مانحة هذا العمل أو ذاك نكهته الخاصة وبصمته الفريدة.
"ليست" هذه الأفكار، الواردة أعلاه، أحكاماً جازمة، "بل" مجرد وجهة نظر كاتبها.
