لماذا يستعيد الإيرانيون اليوم سيمفونية "ملحمة خرمشهر"؟
يستخدمها كثيرون اليوم خلفية موسيقية لمقاطع الفيديو التي تُظهر الصواريخ الإيرانية وهي تدكّ كيان الاحتلال. فما قصة سيمفونية خرمشهر؟
كلما نفخ في الناي، تشقّقت شفاهه وتورّمت نتيجة عدم وصول الدم إليها. وكثيراً ما نزفت دماً من دون أن يشعر. فهو لا يعزف آلته وحيداً في منزله، أو على ضفة نهر أو سفح جبل.
100 عازف يصطفّون للمشاركة في المقطوعة. تصرخ مجموعة الكورال ملء الحناجر، يضرب عازفو الدف والآلات الخشبية بكلّ قوتهم، فلا يبقى أمام عازف الناي، إلا أن ينفخ من عمق وجوده، حتى تكتمل القطعة، ويكتمل معها مشهد ملحمة خطت تاريخاً من المجد لثورة تجاوزت معايير الأفول.
التلفزيون الإيراني
— Sh🪫XoO (@s20h20sh) March 17, 2026
إطلاق صاروحْ حاج قاسم للمرة الأولى بنداء يا زهراء pic.twitter.com/jnJZsCAIih
بين العنف والعنفوان، بضعة حروف لا أكثر. غير أنّ مشهداً يتمظهر هنا، يحكي قصة ملحمة لم تزل وريداً رئيساً في قلب كلّ عازف وكلّ فنان، بل كلّ قلب يحمل قضية الأرض.
فالعنف في أصله يقابل بالعنفوان والعصيان. وهذا الغضب الصادح في حناجر الفرقة وأناملهم وعيونهم الشاخصة نحو المبدع، ما هو إلا فعل مقاومة محضّ.
ملحمة خرمشهر: الذاكرة والحرب وتشكّل الأسطورة
-
المايسترو مجيد انتظامي
إنها مقطوعة صعبة. هكذا يصف الموسيقار الإيراني، مجيد انتظامي، مقطوعته الشهيرة "ملحمة خرمشهر" والتي تنتشر في هذه الأيام بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، مرفقة بصور الناس في الشارع الإيراني وفي كلّ شارع يزدحم بالأحرار الرافضين للظلم. تتماهى الموسيقى مع هتافات "الله أكبر"، على خلفيّة سحاب افتعلته نيران العدوان الإسرائيلي – الأميركي على إيران، أو خلفيّة لمقاطع فيديو تظهر الصواريخ الإيرانية وهي تدكّ كيان الاحتلال.
منذ 40 عاماً، خلق انتظامي هذه السيمفونية لترتبط في أذهان الشعب، جيلاً بعد جيل، بتحرير مدينة خرمشهر الجنوبية. في تلك البرهة الظلماء من التاريخ، حين وقف العالم بأسره خلف صدّام حسين، نهض جيل من الشباب، بلا قدرات عسكرية، وبلا إمكانات تنظيمية، وبعضهم لم تكن لحيته قد نبتت بعد، مجرّداً إلا من إرادته وإيمانه، ليدافعوا بدمائهم ولحمهم الحيّ والغضّ، عن ثورة كانت وليدة هذه الإرادة والإيمان الذي زرعه فيهم شيخ طريقة الحرية الحقيقية.
اليوم، يسجّل لأولئك المقاتلين، بأنهم كانوا عدة قليلة في وجه عالم من الاستكبار الداعم لطاغية مجرم. فمن الذي لا يحفظ اليوم أسماءهم وسمرة وجوههم وضحكاتهم الحارة حرارة شمس التراب في جنوب البلاد. إنها خرمشهر المتمرّدة السمراء، بترابها الأحمر، استغرقت 45 يوماً فقط، لتعود حرة أبية إلى أبنائها.
لا يعزف عازف الناي وحيداً، بل ينفخ من عمق وجوده وسط صخب الفرقة والكورال، حتى تكتمل الملحمة ويتحوّل الألم إلى فعل جماعي نابض بالحياة.
سيمفونية خرمشهر وليدة هذا الفضاء. المقطوعة التي يذكر انتظامي بأنه عاش خلال تأليفها، مع الأبسال الذين حملوا أرواحهم إلى الساحل الجنوبي قرباناً لإيران. هو الموسيقيّ صاحب أجمل المقطوعات الراسخة في ذاكرة الأجيال؛ موسيقى فيلم "من كرخه إلى الراين"، الذي يذكر بأنه عاش فيه شخصية سعيد، الجريح الكيميائي، وأصيب مثله، وفقد بصره معه، وآمن به وبقضيته ودوافعه بعمق، حتى صارت دوافعه هو، ذلك أنّ القضية واحدة.
ملحمة خرمشهر، لا يراها انتظامي مجرّد مقطوعة موسيقية حماسية، وإنما هي بالنسبة إليه "كلّ الحكاية". فهو لم يؤلّفها من باب الدعم لهذا الخط ولا ترويجاً للفكر المقاوم كما يحمل عليه البعض. إنما هي قضية الموسيقيّ أن يلهم الأجيال، ويضرم في صدورهم نار النهوض والقيام، مثلما تلهم بطولات المقاتلين في الجبهات، شعوب العالم الحرة. هنا، لا فرق بين عود المايسترو وسلاح المقاتل.
هكذا رصفت نوتات سيمفونية خرمشهر، نوتة خلف نوتة، على سلّم العزة والكرامة الوطنية، مستحضرة في أذهان كلّ إيراني، أنبوب الأوكسيجين الذي رافق ضحايا الضربات الكيميائية ولم يزل. مستحضرة کلّ التشوّهات التي لم يسلم منها حتى الأجنّة في أرحام الأمهات. كلّ ذلك الإجرام والطغيان يتكثّر في خاطر انتظامي في لحظة خلق ذاك الأثر، فيغدو مرآة لغضب الناس المتماهي مع وجعهم ومعاناتهم التي لم تنتهِ بانتهاء الحرب.
هكذا ارتبطت سيمفونية خرمشهر بالذاكرة الإيرانية، مثلها مثل "رائحة قميص يوسف"، ومثل صور الشهداء وأسمائهم التي نقشت في الوجدان، ومثل صور الإمام الراحل وخطاباته وصوته.
استحضار الملحمة اليوم: الفن كسلاح
إنّ ما دفع الذاكرة الإيرانية إلى استحضار هذه المقطوعة اليوم، هو تشابه اللحظتين؛ لحظة انتصار الثورة مرة ثانية على إجرام البعث المدعوم أميركياً عام 1982، ولحظة انتصارها، للمرة الثالثة بعد عقود، على إرادة كسرها من قبل "إسرائيل" وأميركا اليوم في العام 2026.
سيمفونية هي أعتى أثراً من الصواريخ والنيران. ثمّة موسيقى حماسية تضخّ الدم في وجدان الشعوب، وتذكّرهم بمجدهم، وبحقيقة أنهم لم يقوموا عبثاً في وجه الظلم. وهذا ما فعله في الأيام القليلة الماضية، مغنيّ البوب الإيراني، محسن جاووشي، الذي خرج بعمل معبر بعنوان "حسبي الله"، أشاد فيه علي لاريجاني، لما لمس فيه من أثر حماسي خالد. وسيكون هناك المزيد بلا شك، على امتداد أيام الحرب وساعاتها. فالموسيقى هنا فعل مقاومة وردة فعل على إرادة الكسر والهيمنة.
هذه السيمفونية التي سمّاها مبدعها بالملحمة، هي على حدّ تعبيره، معركة بذاتها. ألا يخوض الفنان غمار الحرب وساحة المعركة بآلته؟ أليست كلّ آلة بيد العازف سلاحاً؟ أليست خشبة المسرح ساحة لمعركته؟
ملحمة خرمشهر ليست مجرد مقطوعة موسيقية، بل ذاكرة حيّة تختزن تضحيات جيل واجه الحرب بإرادته وإيمانه، فصارت الموسيقى مرآةً للبطولة.
هنا تولد المعزوفات الخالدة، التي حدّثنا عنها السيد الشهيد علي الخامنئي، تلك المعزوفات التي ترتقي بروح الإنسان إلى عنان السماء، لتمسي لغة إنسانية تلتقي عند معاجمها الحضارات.
لعلّ سيمفونية خرمشهر تشبه ثورة الخميني الراحل، والخامنئي الشهيد.. وهي ثورة الإنسانية في وجه الظلم كلّه، في كلّ زمان ومكان. لعلّ هذا ما يجعلها خالدة خضراء ولّادة ملهمة، لأنها لم ترتبط بالسلطة والسياسة ونزعة الهيمنة.
كذلك هذا اللحن الخالد، ومثله ألحان ستخلق اليوم وغداً وكلّ يوم، حيثما وجد الطغيان، لتخطّ حكاية الحرية الحمراء والعصيان المقدّس، وانتصار الدم على السيف، ولحظة انتصار العشق على العقل، واسترداد الأرض بأيدٍ فارغة وقلوب عامرة.
في لحظات المواجهة، تتحوّل الموسيقى إلى سلاح، تبعث الروح في الشعوب وتذكّرها بقدرتها على النهوض، لتصبح المعزوفة نفسها معركة ضد النسيان والانكسار.
تقف مجموعة الكورال على السلّم الأخير أعلى الفرقة، بأزيائهم الجنوبية رجالاً ونساء، يحملون بأيديهم عصياً يضربون بعضها ببعض على وقع الموسيقى، في مشهد تتحد فيه الحناجر والأنامل والأنفاس، على اختلاف ألوانها وأطيافها، لتخلق أثراً يتجاوز الزمان والمكان، يحكي قصة النهوض على طريقته.


