لماذا لم نعد نقرأ ببطء؟ عن الكتب والقراءة اللتين تحوّلتا إلى "مهام" يجب إنجازها

كيف حوّلت ثقافة "الإنجاز" والمقارنة القراءة من تجربة شخصية ممتعة إلى سباق تحكمه الأرقام والسرعة؟ وهل يمكن للقارئ استعادة حقه في البطء والتوقّف وسوء الفهم وترك الكتاب من دون إنهائه؟

ما الذي أفسد متعة القراءة لديك أكثر: السباق أم المقارنة أم شعور "يجب أن أنهي هذا الكتاب"؟، يبدو هذا السؤال، المتداول على عدد من صفحات الكتب والقراءة على وسائل التواصل الاجتماعي، عابراً، أو كأنه من ذلك النوع الذي يُلقى على المتابعين طلباً لإجابة سريعة، ثم يختفي تحت سيل المنشورات.  غير أن السؤال يختصر، في جوهره، تحولاً عميقاً أصاب علاقتنا بالقراءة خلال السنوات الأخيرة.

ثمة شيء تغيّر في الطريقة التي نقرأ بها: أسلوب ما، وضعية ما، مزاج ما. وثمة تغيّر في الصورة التي نكوّنها عن "القارئ الجيد"، وفي الزمن الذي نسمح للكتاب بأن يحتله من حياتنا. 

لم تعد المشكلة في الوصول إلى الكتاب، فقد صار هذا الأمر أسهل من أي وقت مضى. المشكلة تقع في ما يحدث للقراءة بعد الوصول إلى الكتاب، حين تدخل في نظام من الأرقام والمقارنات والتحديات والإنجازات، وحين يصبح القارئ معنياً بإثبات قراءته بقدر عنايته بالقراءة بوصفها فعلاً أو ممارسة.

يفتح هذا السؤال على حادثة حصلت عام 2023، عندما نظّم تطبيق "أبجد" الدورة الأولى من "تحدي أبجد للقراءة" للمشتركين. آنذاك تحولت القراءة إلى منافسة لها قواعدها وجوائزها، واعتمد التحدي نظاماً للنقاط ارتبط بوقت القراءة والنشاط داخل التطبيق، غير أن النتائج النهائية، التي سُجّل فيها إنهاء أعداد هائلة من الكتب، جعلت الكم والسرعة في صلب المنافسة.

هكذا حصلت القارئة أمل حسام، المعروفة باسم "روكسي"، على المركز الأول بعد جمع 37,680 نقطة، وسُجّل لها إنهاء 1,489 كتاباً خلال شهر واحد. وجاءت قارئتان أخريان في المركزين الثاني والثالث بعد تسجيل 1,391 و1,349 كتاباً على التوالي، إضافة إلى مئات الجوائز والاشتراكات التي مُنحت لمشاركين آخرين. 

في زمن يريد فيه الكل أن يعرف كم أنجزنا وماذا أنجزنا، قد يكون أكثر أشكال القراءة مقاومة أن نقرأ من دون أن نحصي، وأن نرفع الرأس عن الصفحة من دون أن نسأل كم بقي، وأن نترك الكتاب مفتوحاً لأن شيئاً فيه جعل الوصول إلى النهاية أقل أهمية من الطريق الذي فتحه في داخلنا.

تحولت هذه الواقعة إلى قصة احتفالية عن شغف بالقراءة يكاد يتجاوز المألوف. غير أن هذه الحكاية تكتسب دلالة مختلفة حين تُقرأ من زاوية اقتصاد الانتباه المعاصر. ما الذي يعنيه أن يصبح عدد الكتب عنصراً أساسياً في التميز في القراءة؟ وما الذي يحدث حين يُكافأ القارئ على الكمية والسرعة، بحيث يغدو الكتاب وحدة قابلة للعد، ويصبح الزمن الذي يُنفق عليه رأس مال ينبغي استثماره بأقصى كفاءة؟

لا تكمن مسألة القراءة في كثرة الكتب المقروءة، إذ قد يقرأ شخص عشرات الكتب في السنة قراءة عميقة وممتعة، وقد يحتاج آخر إلى أشهر كي ينتهي من كتاب واحد. المشكلة تبدأ حين تتحول الكمية إلى معيار للقيمة، وحين تنشأ حول القراءة أخلاق كاملة للإنجاز: تحديات، ومراتب، وحصائل، ومقارنات، واستعراض.

هذه هي المفارقة التي يلتقطها السؤال، إذ يخلق السباق المقارنة، وتنتج المقارنة الشعور بالتقصير، والشعور بالتقصير يحوّل القراءة إلى واجب. يدخل القارئ، بالتالي، إلى الكتاب وفي ذهنه دائماً أن كتاباً آخر ينتظره، وأن ثمة قائمة ينبغي تقليصها، وعدداً معيناً من الكتب ينبغي بلوغه لكي يستعرض معرفته بالعناوين على "فيسبوك" أو غيره من المنصات.

يصبح الكتاب، في هذه الحالة، مهمة ينبغي إتمامها، وتصبح المتعة التي يفترض أن تمنحها القراءة شيئاً ينبغي استعادته بالقوة، بعد أن أفسدته شروط الإنجاز نفسها. تصير القراءة هنا فعلاً مازوشياً، ويمكن النظر إلى الإنجاز المحقق، المتمثل في كثرة الكتب المقروءة، بوصفه أحد مظاهر "مجتمع الاحتراق النفسي" الذي تحدث عنه الفيلسوف الكوري الألماني، بيونغ تشول هان، حيث يضغط الفرد على نفسه باسم الإنجاز والإنتاجية والتحسين المستمر.

حين تفقد القراءة حقها في التلكؤ

ثمة شيء آخر تغيّر في علاقتنا بالقراءة، أكثر خفاء من مسألة المسابقات وأعمق منها، وهو فقدان الكتاب قدرته على احتلال الزمن. لمدة طويلة ظل الكتاب يحتفظ بامتياز نادر، فقد كان يطلب من قارئه وقتاً لا يخضع لمنطق الضرورة. 

إذ يمكن لرواية أن تستولي على مساء كامل، ويمكن لكتاب فلسفي أن يؤجل الوصول إلى فكرته عشرات الصفحات، ويمكن لقصيدة أن تستدعي إعادة القراءة مرات متتالية.

بهذا المعنى، بدا الكتاب نوعاً من المقاومة الصامتة للزمن العملي، حيث يمنح القارئ فرصة لأن يتباطأ، وأن يخرج من إيقاع العالم إلى إيقاع آخر تصنعه اللغة. وهو البطء الذي يمكن العثور على أصدائه في كتاب "عن التعب" للكاتب النمساوي، بيتر هاندكه، وفي العلاقة بين البطء والذاكرة واللذة التي تأملها ميلان كونديرا في روايته "البطء".

القراءة لا تستمد قيمتها من المسافة التي قطعها القارئ داخل الكتاب، وإنما من المسافة التي قطعها الكتاب داخل القارئ.

تتعامل جوانب من ثقافة القراءة الراهنة مع هذا البطء بشيء من الريبة. هناك دائماً كتاب آخر ينتظر، ومقال لم يُقرأ، وقائمة ينبغي استكمالها، وكتب يُستحسن أن تُقرأ قبل نهاية السنة. 

حتى أن اختيار الكتاب صار مشوباً بإحساس خفي بالاستعجال. كأن القارئ يعيش دائماً متأخراً عن مكتبة لا تنتهي، وكأن المشكلة لم تعد في قلة الكتب التي نقرأها، وإنما في وفرتها التي تجعل كل كتاب غير مقروء أشبه بتهمة صغيرة.

من هذا المنطلق، يمكن فهم ظاهرة "تحديات القراءة" على نحو مختلف. إنها لا تشجع القارئ على القراءة فقط، بل تعيد تعريف العلاقة بالكتاب وفق مفهوم الإنجاز. الرقم يمنح القراءة وضوحاً لا تملكه التجربة؛ 5 كتب أو 10 أو 50 يمكن عرضها والحديث عنها والمقارنة بينها، بينما لا يمكن وضع مقدار التأثر بكتاب في قائمة. ولذلك يغدو العدد بديلاً سهلاً من سؤال أكثر تعقيداً: ماذا حدث للقارئ أثناء القراءة؟

المفارقة أن وفرة الكتب لم تجعل القارئ أكثر طمأنينة، وإنما جعلته أكثر شعوراً بأنه لم يقرأ بما يكفي. 

تستطيع تطبيقات القراءة أن تسجّل أن القارئ توقف، ومدة بقائه على الصفحة، وسرعة انتقاله منها، وربما عودته إليها، لكنها لا تستطيع أن تعرف، على وجه اليقين، ما الذي حدث في ذهنه أثناء ذلك التوقف. 

ربما لهذا تبدو القراءة المعاصرة أقرب فأقرب إلى عبء أخلاقي. ينبغي أن نقرأ، وينبغي أن نقرأ الكتب الأكثر مبيعاً، وينبغي أن نواكب الجديد، وينبغي أن نعرف ما يقرأه الآخرون. ثم ينبغي، بعد ذلك، أن تكون لدينا آراء في ما قرأناه.

شيئاً فشيئاً، تختفي من القراءة تلك المساحة الضرورية التي تسمح بأن نقرأ لمجرد أننا اشتهينا القراءة. يصبح بذلك الكتاب واجباً ثقافياً، وتصبح المكتبة قائمة بما ينبغي فعله، وتتحول المتعة إلى مكافأة مؤجلة بعد إنجاز المهمة.

حين يصبح القارئ صورة

  • بيتر هاندكه
    بيتر هاندكه

يتصل التحوّل الذي طرأ على القراءة بتحوّل آخر لا يقلّ أهمية: انتقالها من فضاء الخصوصية إلى فضاء العرض. لقد صار الكتاب موضوعاً للصورة بقدر ما هو موضوع للقراءة. تظهر الأغلفة على "إنستغرام"، وتُرتّب الكتب في صور مقصودة، وتُعرض القوائم الشهرية والسنوية، ويُعلن عن عدد الكتب المقروءة، وتُبنى حول القراءة مجتمعات من المتابعين والمشتركين.

ولا تكمن المسألة في أن يقرأ الإنسان في الشاطئ أو المقهى أو غيرهما من الأماكن العامة، فهذه ممارسة طبيعية وقديمة، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها صورة الكتاب المعروضة، وطريقة تنسيقها ونشرها، أهم من العلاقة التي نشأت فعلاً بين القارئ والنص.

لدى شريحة من القرّاء، لم يعد مهماً أن يقرأ المرء فقط، بل أصبح مهماً أيضاً أن يظهر بوصفه قارئاً.

دخلت القراءة، إذاً، في اقتصاد الهوية. الكتب التي نضعها أمام الآخرين تقول شيئاً عنا. إنها تعكس ذوقنا، وموقعنا الثقافي، وما نريد أن نُعرَّف به. تتحول المكتبة إلى رأسمال رمزي يمكن عرضه وتراكمه. هكذا، لم يعد الكتاب مجرد وسيط بين القارئ والعالم، بل أيضاً وسيطاً بين القارئ والجمهور.

لدى شريحة من القراء، لم يعد مهماً أن يقرأ المرء فقط، بل أصبح مهماً أيضاً أن يظهر بوصفه قارئاً. 

هذه النقلة تفسر جانباً من الهوس المعاصر بقوائم القراءة. إن القائمة لا تخبرنا فقط بما قرأه شخص ما، بل تقدم نسخة مختصرة من شخصيته الثقافية. كلما ازدادت الأسماء فيها، ازدادت كثافة الصورة التي يريد صاحبها أن يصنعها عن نفسه. القراءة هنا تقترب من منطق العلامة التجارية: مجموعة من الاختيارات المتكررة تصنع هوية يمكن التعرف إليها وتداولها.

من المفارقات أن الكتاب كان تاريخياً واحداً من أكثر الأشياء قدرة على توفير العزلة. ينسحب القارئ إليه، ويختفي داخله، ويخرج من الزمن الاجتماعي قليلاً.

أما اليوم، فقد يتحول الكتاب أحياناً إلى وسيلة لإعلان الحضور الاجتماعي. يقرأ القارئ أمام جمهور، ويشارك ما قرأه، ويقيس نفسه بالآخرين، ويستقبل التفاعل معهم. لقد انتقلت القراءة، في جانب منها، من كونها فعلاً يحدث في الخفاء إلى أداء ثقافي يمكن عرضه باستمرار.

مكسيم ديكو وحق القارئ في أن يخطئ

في هذا السياق، تكتسب أفكار مكسيم ديكو، صاحب كتاب "في مديح القارئ السيئ" حول "القراءة السيئة" أهمية خاصة. ذلك أن القارئ الذي يصفه ديكو يخرج عن الصورة المثالية التي تجعل القراءة ممارسة لها قواعد واضحة، وتفترض أن هناك طريقة صحيحة لاستقبال النص وتأويله.

القراءة السيئة، في هذا التصور، تفتح المجال أمام قارئ يسيء الفهم، وينحرف عن مقاصد النص، ويقرأ وفق حاجاته وتجربته، وربما يخرج من الكتاب بما لم يكن موجوداً في نية مؤلفه أصلاً. 

ولا يقتصر مفهوم ديكو على الخطأ العرضي في فهم النص، بل يتناول أيضاً التماهي معه، وإسقاط تجربة القارئ عليه، والانحراف عن التأويل الذي قد تفرضه المؤسسة النقدية أو سلطة المؤلف.

كأن القارئ يعيش دائماً متأخراً عن مكتبة لا تنتهي، وكأن المشكلة لم تعد في قلة الكتب التي نقرأها، وإنما في وفرتها التي تجعل كل كتاب غير مقروء أشبه بتهمة صغيرة.

قيمة هذه الفكرة اليوم أنها تدافع عن مساحة من الفوضى داخل القراءة. فالقراءة التي تُفرض عليها معايير الأداء تحتاج دائماً إلى قارئ يمكن قياسه: قارئ يقرأ العدد المطلوب، ويكمل الكتاب، ويتابع تقدمه، ويصنع قائمة واضحة بما قرأ. 

أما القراءة التي يصفها ديكو فتستعيد للقارئ حقه في أن تكون علاقته بالكتاب غير منتظمة. قد يترك كتاباً بعد 50 صفحة، وقد يعود إليه بعد سنوات، وقد يقرأه بطريقة لا تشبه ما تقترحه المؤسسة النقدية أو السوق الثقافية.

هذا القارئ يصعب تحويله إلى بيانات. إنه لا يقرأ وفق مسار يمكن التنبؤ به، ولذلك يحتفظ بشيء من استقلاله.

رولان بارت والقراءة التي ترفع الرأس

يصل هذا المعنى إلى صياغة أكثر رهافة عند رولان بارت، وتحديداً في نصه "كتابة القراءة"، حيث يتحدث عن القراءة التي تجعل القارئ يرفع رأسه عن الصفحة بسبب ما تثيره فيه من أفكار وصور وتداعيات.

هناك لحظة في القراءة يتوقف فيها القارئ عن متابعة السطر، لا لأن النص فقد اهتمامه، وإنما لأن النص دفعه إلى مكان آخر. جملة تستدعي ذكرى، وفكرة تفتح سؤالاً، وصورة تستحضر تجربة قديمة. يرفع القارئ رأسه عن الصفحة، ويبدو كأنه توقف عن القراءة، بينما يكون قد دخل في أكثر أشكالها عمقاً.

تستطيع تطبيقات القراءة أن تسجل أن القارئ توقف، ومدة بقائه على الصفحة، وسرعة انتقاله منها، وربما عودته إليها، لكنها لا تستطيع أن تعرف على وجه اليقين ما الذي حدث في ذهنه أثناء ذلك التوقف. لا تعرف أن 10 صفحات قد تحتاج إلى يوم كامل، ولا أن جملة واحدة يمكن أن تستولي على ذهن القارئ ساعات. 

كما لا تقدر أن تميز بدقة بين قارئ أنهى كتاباً بسرعة ولم يترك الكتاب فيه أثراً، وقارئ قرأ بضع صفحات ثم ظل يعيش معها طويلاً.

الكتاب نوع من المقاومة الصامتة للزمن العملي، إذ يمنح القارئ فرصة لأن يتباطأ، وأن يخرج من إيقاع العالم إلى إيقاع آخر تصنعه اللغة. 

تكشف صورة بارت عن فارق أساسي بين القراءة بوصفها إنجازاً والقراءة بوصفها تجربة. في الأولى، التوقف خسارة في معدل التقدم. 

أما في الثانية، فقد يكون التوقف هو اللحظة التي يتحول فيها النص إلى تجربة شخصية. القراءة لا تستمد قيمتها من المسافة التي قطعها القارئ داخل الكتاب، وإنما من المسافة التي قطعها الكتاب داخل القارئ.

لهذا يبدو الشعور بوجوب إنهاء الكتاب علامة على اختلال أعمق. لماذا ينبغي للقارئ أن ينهي كل كتاب بدأه؟ ومنذ متى صار الكتاب مهمة لها موعد تسليم؟ 

يمكن لكتاب أن يؤدي وظيفته في الصفحة الخمسين، ويمكن لرواية أن تفقد ضرورتها في الصفحة المئة، ويمكن لقارئ أن يعرف أن عليه أن يغادر كتاباً بعدما أخذ منه ما كان يحتاج إليه.

لا يحمل ترك الكتاب بالضرورة معنى الفشل، بل قد يكون أحياناً علامة على أن القارئ استعاد حقه في تحديد العلاقة التي يريدها مع النص.

استعادة بطء القراءة

المشكلة، إذاً، لا تتعلق بوجود التطبيقات أو وسائل التواصل الاجتماعي في حد ذاتها. إنها تتعلق بالمنطق الذي قد ينتقل معها إلى القراءة، وهو منطق السرعة والقياس والمقارنة والتحسين المستمر. حين تصبح القراءة جزءاً من هذا المنطق، يتحول فعل كان يسمح للإنسان بأن ينسحب من اقتصاد الإنجاز إلى نسخة أخرى منه. يقرأ القارئ كي ينجز، ثم يعرض إنجازه، ثم يقارنه بإنجاز الآخرين، ثم يشعر بأنه تأخر، فيقرأ أكثر كي يلحق بالركب.

على هذا النحو، تصبح القراءة عملاً إضافياً يؤديه الإنسان بعد يوم العمل، بل تصبح عملاً قائماً بذاته، ويصبح العذاب فيها مختبئاً وراء استعراض فحولي يشبه مسابقة "الفورمولا 1".

يخلق السباق المقارنة، وتنتج المقارنة الشعور بالتقصير، ويحوّل الشعور بالتقصير القراءة إلى واجب.

تحتاج القراءة اليوم إلى استعادة حقها في البطء، وربما إلى استعادة حقها في "السوء" أيضاً: أن تكون قراءة غير مكتملة، وغير قابلة للعرض، وغير قابلة للمقارنة، ولا تخضع لمقياس خارجي. 

يحتاج القارئ إلى أن يستطيع ترك الكتاب، كما يحتاج إلى أن يتمكن من العودة إليه، وأن يقرأ كتاباً واحداً طوال عام إذا اقتضى الأمر، وأن يقرأ في يوم واحد كتاباً آخر، من دون أن يشعر بأن أحد الشكلين أكثر شرعية من الآخر.

ربما تكون المهمة الأكثر إلحاحاً اليوم هي استعادة الزمن الضائع من الحساب. أن يصير في الإمكان قراءة كتاب من دون أن يتحول إلى إنجاز، ومن دون أن يتحول القارئ إلى لاهث يركض وراء الكتب لقياس ذاته وثقافته. فالقراءة التي تخضع تماماً لمنطق السباق تفقد شيئاً من قدرتها على مقاومته.

المشكلة تبدأ حين تتحول الكمية إلى معيار للقيمة، وحين تنشأ حول القراءة أخلاق كاملة للإنجاز: تحديات، ومراتب، وحصائل، ومقارنات، واستعراض.

في زمن يريد فيه الكل أن يعرف كم أنجزنا وماذا أنجزنا، قد يكون أكثر أشكال القراءة مقاومة أن نقرأ من دون أن نحصي، وأن نرفع الرأس عن الصفحة من دون أن نسأل كم بقي، وأن نترك الكتاب مفتوحاً لأن شيئاً فيه جعل الوصول إلى النهاية أقل أهمية من الطريق الذي فتحه في داخلنا.

اخترنا لك