لماذا تستهدف "إسرائيل" التراث الثقافي والتاريخي في إيران ولبنان وغزة وسوريا؟
من إيران إلى لبنان وسوريا وغزة.. هل تستهدف "إسرائيل" الآثار والتراث في هذه البلدان بدافع "عقدة نقص حضاري"؟
دمّر العدوان الأميركي - الإسرائيلي الجاري على إيران، والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وقبلهما في قطاع غزة، مواقع أثرية عالمية، وذلك خلال عمليات ممنهجة لإبادة الهوية الثقافية والتاريخية للشعوب العربية والإسلامية في ما يمكن وصفه بـ"مذبحة التراث العالمي".
ووفق خبراء تحدثوا مع "الميادين الثقافية"، لا يعتبر استهداف التراث خلال الحروب مجرد أضرار جانبية لآلة الحرب، إنما ركن أصيل في عقيدة قتالية إسرائيلية تتصرف بلا أخلاق وتسعى لاقتلاع الإنسان من أرضه بهدم تاريخه، بينما يرى آخرون أن هذا السلوك يعكس "عقدة نقص حضاري" متأصلة في كيان بلا جذور يعاني تاريخياً من عقدة التاريخ والجغرافيا.
تراث إيران في دائرة الخطر
-
تعرض قصر غولستان لأضرار كبيرة
هكذا طال التدمير قصر غولستان في إيران، وهو مجمع ملكي تعود أصوله إلى العصر الصفوي، واكتسب أبرز ملامحه الحالية في القرن الــ 19 خلال العهد القاجاري، إذ تحطمت نوافذه المزخرفة وتضررت بعض عناصره الداخلية.
ويقع هذا القصر في قلب طهران التاريخي، وهو مدرج على قائمة منظمة "اليونيسكو"، ويتكوّن مجمعه الحالي من 8 مبانٍ رئيسية تحيط بالحدائق.
وامتد العدوان على التراث الإيراني إلى أصفهان، حيث تأثرت مبانٍ تاريخية من العهد الصفوي، بينها قصر "جهل ستون" العائد إلى القرن الــ 17، وهو مدرج ضمن ملف الحدائق الفارسية في اليونسكو، كما تضرر ميدان إمام في أصفهان المعروف أيضاً باسم "نقش جهان"، وهو من أبرز الساحات التاريخية في العالم، ويضم قصر عالي قابو ومسجد الإمام ومسجد الشيخ لطف الله ومدخل القيصرية. وكذلك مجمّع قصر سعد آباد التاريخي في شمال طهران.
استهداف التراث خلال الحروب ليس مجرد أضرار جانبية، بل جزء من عقيدة تهدف إلى اقتلاع الإنسان من أرضه عبر تدمير ذاكرته وتاريخه.
وتقول "منظمة التراث الثقافي" في أصفهان إن "جهل ستون" من أكثر المواقع تأثراً، بينما وجّه رضا صالحي أميري، وزير التراث الإيراني، رسالة إلى منظمة "اليونيسكو"، مؤكداً أن بلاده سترفع تقريراً يوثّق تلك الاعتداءات.
وبحسب مهرناز شهباز، خبيرة التراث الإيراني، فإن هذا الإرث معروف لتجنب استهدافه، إلا أن العدوان الإسرائيلي - الأميركي طال أهم المواقع التاريخية في أصفهان.
طمس هوية غزة
-
دمرت "إسرائيل" مواقع أثرية في البلدة القديمة في غزة
قبل إيران، لم تسلم ذاكرة غزة الحضارية من محاولات طمسها. فقد عمد الاحتلال إلى تدمير المعالم الأثرية والتاريخية، وضرب مواقع ثقافية متعددة في مناطق متفرقة في محاولة ممنهجة لاقتلاع جذور الفلسطينيين الممتدة لآلاف السنين.
ودمرت "إسرائيل" مواقع أثرية في البلدة القديمة في غزة، التي تضم أحياء الشجاعية والزيتون والتفاح، وامتد التدمير إلى قصر الباشا الذي يعود طابقه الأول إلى منتصف القرن الــ 13 في عهد الظاهر بيبرس، كما طاول مقتنيات أثرية من عصور متعددة.
وطال التدمير المسجد العمري الكبير، وهو أكبر وأقدم مسجد في قطاع غزة، ومكتبته التي كانت تحتضن مجلدات وكتباً نادرة، إضافة إلى تدمير سوق القيسارية الملاصق. كما تضررت كنيسة القديس برفيريوس، وهي إحدى أقدم الكنائس في غزة، إلى جانب دير القديس هيلاريون/تل أم عامر الذي يعود إلى القرن الرابع الميلادي، كما لم تسلم مواقع أخرى مثل المقبرة الرومانية ومسجد السيد هاشم ودار السقا الأثرية والمدرسة الكمالية وميناء البلاخية.
وامتد التخريب إلى المراكز الثقافية، وطال الاتحاد العام للمراكز الثقافية الذي يضم نحو 63 مؤسسة ثقافية، إضافة إلى جمعية غزة للثقافة والفنون، وهيئة دار الشباب للثقافة والتنمية بجباليا، وجمعية النوى بدير البلح، وجمعية الثقافة والفكر الحر بخان يونس، ومجمع الكرامة للثقافة برفح.
لم تسلم غزة من محاولات الطمس، حيث دُمّرت مواقع أثرية ودينية وثقافية في البلدة القديمة، في سياق سعي ممنهج لمحو الهوية الحضارية للشعب الفلسطيني.
ويقول الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن استهداف المعالم الأثرية ليس مجرد أضرار جانبية لآلة الحرب الصهيونية، إنما ركن أصيل في عقيدة إسرائيلية بلا أخلاق تسعى لاقتلاع الإنسان من أرضه عبر هدم تاريخه.
واعتبر صادق أن هذا السلوك يعكس "عقدة نقص حضاري" لدى الصهيونية، فحين "يرتعب المحتل من مئذنة في غزة تعود لألف عام، يسعى إلى اغتيال الذاكرة الجماعية للشعوب لفرض روايته الزائفة".
تدمير متعمد لتراث وآثار لبنان
-
طال التدمير مدينة بعلبك وهي مدينة تاريخية تضم أحد أبرز مجمعات المعابد الرومانية
وخلال الحرب على لبنان، ارتكب الاحتلال عمليات تخريب ممنهجة للإرث الإنساني والحضاري، إذ طال التدمير عشرات المواقع والمباني التاريخية والدينية والأماكن الأثرية في الجنوب، فضلاً عن الشوارع والأسواق والحارات التراثية التي قل نظيرها في العالم.
وطال التدمير مدينة بعلبك، وهي مدينة تاريخية تضم أحد أبرز مجمعات المعابد الرومانية في المنطقة، كما طال محيط قلعتها الخارجية ومعالم تاريخية مجاورة مثل ثكنة غورو ومبنى المنشية التاريخي، وأصيبت قبة دورس الأثرية وأوتيل بالميرا بأضرار.
كذلك استُهدفت مدينة صور الفينيقية، التي يرجع تاريخ تأسيسها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وأدرجتها "اليونيسكو" على قائمة التراث العالمي عام 1984، فضلاً عن مواقعها التراثية من الحقبة الرومانية، وأبرزها مناطقها الأثرية البرية والبحرية. كما شمل التدمير مواقع تراثية أخرى في الجنوب، بينها أسواق ومقامات ومساجد وكنائس تاريخية.
وشمل التدمير سوق النبطية التجاري التراثي، ومنطقة بئر النبي شعيب في قضاء مرجعيون، وتجريف أحواض المياه التاريخية والساحة والطريق المؤدي إلى الآبار، في حين تضررت أحياء وقرى قديمة مثل صفد والقوزح، وبعضها جرى تجريفه بالكامل.
يسعى الاحتلال إلى نزع الشرعية التاريخية عن المناطق الأثرية العربية، عبر تقزيم الميراث وتحويله إلى فلكلور، في محاولة لفرض هيمنة ثقافية على حساب الهوية الأصيلة.
أما في المنطقة الحدودية فقد تم تدمير مكتبات تضم كتباً قديمة ومخطوطات، وأماكن دينية في بلدات مثل ميس الجبل والعديسة وحولا وبليدا وعلما الشعب.
ويضع لبنان "الدرع الأزرق" على عدد من مواقعه التراثية لحمايتها خلال الحروب، لكن "إسرائيل" لا تذعن لذلك وتتجاهله.
إسقاط القلاع التاريخية لجغرافيا بلا ذاكرة في سوريا
-
جانب من أضرار مدينة تدمر التي تعرضت للتدمير على يد "داعش"
لم تختلف وحشية تنظيم "داعش" حيال التراث السوري عن سلوك "إسرائيل" التي تستنزف هذا التراث بغارات قرب الحواضر التاريخية السورية، فطالت غارة في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2024 عدداً من الأبنية في مدينة تدمر التاريخية، ما ألحق بها أضراراً تُضاف إلى الكارثة التي تسبب بها "داعش" من قبل.
وهناك 6 مواقع سورية مدرجة على قائمة التراث العالمي، وقد أدرجتها "اليونيسكو" كلها على قائمة الخطر منذ عام 2013 بسبب الحرب في البلاد، وهي: تدمر، والمدينة القديمة في حلب، والمدينة القديمة في دمشق، ومدينة بصرى، وقلعة الحصن وقلعة صلاح الدين، والقرى الأثرية في شمال سوريا.
وقد ألحق تنظيم "داعش" دماراً واسعاً خصوصاً بمدينة تدمر، بينما تضررت مواقع سورية أخرى بفعل الحرب عموماً، لا بفعل "داعش" وحده.
ويرى خبير الآثار المصري، عبد الرحيم ريحان، أن "إسرائيل" تحاول "نزع الشرعية التاريخية عن المناطق الأثرية العربية لأنها تعلم أن تاريخها المختلق لا يصمد أمام أصالة الوجود التاريخي والحضاري للشعوب".
ولفت إلى أن الاحتلال يهدف إلى فرض هيمنة ثقافية بتقزيم الميراث العربي وتحويله إلى فلكلور بلا هوية أو تاريخ، كما يتبع سياسة "الأرض المحروقة" ثقافياً.
ويوجد على لائحة التراث العالمي في الدول العربية 97 موقعاً مدرجاً لدى "اليونيسكو"، فيما تقع مواقع عدة في "مناطق نزاع مسلح" أو تحت تهديد مباشر من الحرب.
