كيف يصنع "الجراج الثقافي" مشهداً فنياً جديداً في الإسكندرية؟

من ملجأ من الغارات الجوية إلى "مطار" إنطلاق للفنانين المستقلين. كيف يصنع "الجراج الثقافي" مشهداً فنياً جديداً في الإسكندرية؟

على بعد دقائق من مقر معهد جوته بالإسكندرية، داخل عمارة سكنية قديمة، يقع مقر "الكاراج (الجراج) الثقافي" الذي تحوّل من ملجأ من الغارات الجوية خلال الحروب، إلى بيت فني يجمع الفنانين المستقلين، ويمنحهم مساحة حرة خارج الأطر التقليدية.

منذ إعادة هيكلته في العام 2024، يتيح "الكاراج" للفاعلين الثقافيين المحليين، ومنظمات المجتمع المدني إقامة فنية قصيرة الأجل تمتد لعدة أسابيع. 

ويقول ماتياس يوخمان، مدير معهد جوته بالإسكندرية: "يحصل المقيمون على مساحة عمل مجهّزة بالأساسيات التقنية، ومكتبة، وقاعة متعدّدة الاستخدامات، مع مرونة في أوقات الاستخدام وحرية الوصول المستمر. كما تتضمّن الإقامة ورشة تدريببة أو جلسة تطوير مهني، تهدف إلى سدّ فجوات المهارات وتعزيز استدامة المشاريع الثقافية".

إلى جانب فترة الإقامة التي تتمّ عبر التقديم، يستضيف "الكاراج الثقافي" أيضاً فنانين، بناء على طلبات محدّدة، مثل المهرجانات أو الاستخدام ليوم واحد للفعّاليات أو الورش أو البروفات، ويهتمّ بدعم الفاعليين الثقافيين الأصغر سناً، ومن الفئات الأقل تمثيلاً مجتمعياً وإعلامياً.

هذا النظام يربط بين التجريب الفردي والتبادل الجماعي، ويجعل من المكان منصة حيّة للتعلّم والعرض والمشاركة. 

القناع والرقصة على جدار "الجراج"

  • رنا سلامة في المعرض (صفحة معهد جوته على فيسبوك)
    رنا سلامة في المعرض (صفحة معهد جوته على فيسبوك)

مؤخراً، استضاف "الكاراج (الجراج)" الثقافي معرض "القناع والرقصة" الذي تقول الفنانة التشكيلية رنا سلامة عنه إنّ: "القناع هنا ليس لإخفاء الهوية، بل ليحرّر العمل ويتيح لك الاقتراب منه والتأمّل. قد يظهر في هيئة إنسان، حيوان، أو شخصية من لعبة مثل الكوتشينة أو الشطرنج. القناع ليس وجهاً نضعه، بل دور نؤدّيه، فكرة نختبئ خلفها، أو شخصية نستخدمها لنمرّ بها في حياتنا".

كلّ عمل في المعرض يمكنك الاقتراب منه والتأمّل في ما يثيره بداخلك، كلّ قطعة تفتح مساحة للتفاعل الشخصي، لتكتشف شيئاً، من نفسك أو شيئاً يلمسك بطريقة غير متوقّعة.

وتضيف سلامة في حديث مع "الميادين الثقافية": "نحن نرتدي أقنعة كلّ يوم من دون أن نلاحظ، نتحرّك من تمثيل دور ومن توقّع ما إلى آخر، في إيقاع لا ينفصل عن تفاصيل حياتنا".

وتشير سلامة إلى تجربتها في "الكاراج" قائلة إنّ: "المكان هنا وفّر لي مساحة وزمناً للتجريب الحقيقي، وفي الوقت ذاته للتواصل المباشر مع الجمهور، وخلال فترة المعرض حرصت أن تتجاوز التجربة مجرّد المشاهدة، إلى مشاركة ورش كوميكس، جلسات علاج بالفنّ، وعروض سينما. الهدف أن يكون المعرض مساحة حيّة للحركة والحوار، وتجربة فنية متكاملة وليس مجرّد عرض لوحات".

"برفورم" تفتح ساحة الفن

  • من فعاليات
    من فعّاليات "ساحة فنّ " (صفحة برفورم على فيسبوك)

شهد "الكاراج" إحدى أنجح وأثرى فترات الإقامة مؤخّراً، خلال ملتقى "ساحة فن"، الذي أقامته "مؤسسة برفورم للفنون"، حيث جاء تحت شعار "مساحات بديلة"، بما يعبّر ويتناسب مع فلسفة وطبيعة "الكاراج". 

هكذا تتحدّث إيمان زكي مديرة "برفورم" قائلة إنه: "اخترنا فعّاليات وأنشطة الملتقى بحيث تكون العروض مرنة وقابلة للتنفيذ خارج المسارح التقليدية، ركّزنا على عروض الحكي، والجلسات الغنائية/الموسيقية، والعروض التفاعلية التي تسمح بقرب مباشر من الجمهور".

واعتمد فريق "برفورم" على تصميم عروض بسيطة تتناسب مع طبيعة المكان، من دون الحاجة إلى تجهيزات معقّدة، أو تكاليف إنتاجية كبيرة، مما أثّر إيجابياً على طرق أداء الفنانين، حيث اعتمدوا بشكل أكبر على الارتجال والتواصل المباشر، مما خلق روحاً حميمية مع الجمهور، ظهرت خاصة في العرض الأدائي "أنت اللي هتحكي.. الجمهور هو البطل" التي شارك فيه أغلب الحاضرين بحكايات شخصية. 

الفنون الأدائية كأداة للتعبير والحوار والتغيير الاجتماعي

  • أجواء فعاليات
    أجواء فعّاليات "ساحة فن" (صفحة برفورم على فيسبوك)

"برفورم" منصة ثقافية مستقلة، تأسست لدعم فنون الأداء في الإسكندرية، انطلاقاً من الإيمان بأنّ الفن أداة للتعبير والحوار والتغيير الاجتماعي. 

توضح إيمان زكي: "نعمل في المؤسسة على التدريب وبناء القدرات، وإنتاج العروض المسرحية والأدائية، وتخليق مساحات للتجريب الفني والتبادل الثقافي، نخاطب الشباب المستقلين، وجمهوراً كبيراً من المهتمين بالفنّ بشكل عامّ".

وتضيف: "ولدت فكرة "برفورم" من احتياجنا لسدّ فجوة واضحة في مشهد فنون الأداء المستقلة خارج المركزية الثقافية".

تطوّرت المؤسسة منذ تأسيسها من مبادرة تدريبية صغيرة، إلى منصة متكاملة للتدريب والإنتاج والدعم الفني.

وتؤكّد زكي في مقابلة مع "الميادين الثقافية" دور "الكاراج الثقافي"، كإحدى المحطات الهامة في دعم وتطوّر المشروع: "وفّر لنا مساحة للتجريب والتعلّم من أخطائنا، بالاحتكاك المباشر مع الجمهور، مما وسّع تأثير برفورم الفني والمجتمعي".

أصبح "الكاراج" نقطة لقاء، وليس مجرّد مكان عرض، وساعد على تكوين مجتمع فني صغير يتعلّم من بعضه ويدعم بعضه، وذلك من خلال الوجود اليومي للفريق والاحتكاك المباشر مع الناس، ومشاهدات ونقاشات فنانين وفاعلين ثقافيين آخرين لتدريبات وعروض "برفورم"، وهو تأثير جماعي ومستدام، يتجاوز فكرة أيّ مشروع منفرد.

تعبّر إيمان عن رضاها وامتنانها لتجربة "الكاراج"، وتقول "كانت الإقامة واحدة من أكثر التجارب حيوية، مقارنة بمساحات وبرامج شارك فيها الفريق سابقاً، بخلاف المسارح أو البرامج المنظّمة بشكل صارم"، مشيرة إلى احتياجه إلى تطوير في البنية التقنية، ودعم أطول المدى، يضمن استمرارية العمل وتأثيره، حيث كانت كبيرة، لكنها دفعت الفريق لإيجاد حلول بديلة بإمكانيات محدودة.

"الجراج" كتعبير عن مشهد الفن الإسكندري البديل

  • كيف يصنع
    يأتي تأسيس "الجراج الثقافي" باعتباره استجابة مباشرة لتحوّلات أعمق في خريطة المساحات الثقافية في الإسكندرية

في مدينة تعاني تراجع المساحات المتاحة والميسورة للفعل الثقافي المستقل، ظهر "الكاراج (الجراج) الثقافي" كمحاولة لإعادة التفكير في علاقة المكان بالإبداع، المشروع الذي أطلقه معهد جوته بالإسكندرية عام 2019، بتمويل من وزارة الخارجية الألمانية، تحت اسم "6 باب شرق" لم يكن مجرّد امتداد لنشاط المعهد، بل مساحة مستقلة للتجريب والعمل الذاتي.

إيزابيل بيغلاو، مديرة البرامج في "جوته"، والمسؤولة عن برنامج "الجراج الثقافي"، عن إنجازه منذ إعادة هيكلته: "استضفنا 7 إقامات فنية في عام 2024، و8 في 2025، شملت تخصصات متنوّعة مثل: فنون المسرح، المنظمات البيئية، الرقص، الفنون البصرية، وقد تمكّنت جميع المجموعات من تطوير مشروعاتها، وعرضها بشكل ملموس خلال فترة الإقامة، وكنا حريصين على شمول الفئات المهمّشة وغير المعروفة".

ويأتي تأسيس "الجراج الثقافي" باعتباره استجابة مباشرة لتحوّلات أعمق، في خريطة المساحات الثقافية في الإسكندرية، في علاقة المدينة بإنتاجها الثقافي، فمع تراجع المساحات المستقلة، وارتفاع كلفة تشغيلها، صارت فكرة المساحة البديلة ضرورة عملية للفنانين، أكثر منها اختياراً جمالياً. من هنا يطرح "الكاراج" نموذجاً يعتمد على الإتاحة المؤقتة والعمل التشاركي، وربط الإقامة الفنية بالتدريب والانفتاح على الجمهور.

بداية من اختيار الموقع الذي يحمل طبقات متراكبة من التاريخ والذاكرة في الاستخدام. هذا التحوّل من فضاء تمّ تصميمه للحماية والانغلاق، إلى مساحة مفتوحة للتجريب والتبادل الفني يعكس فلسفة المشروع نفسها، التي تراهن على إعادة توظيف الأماكن المهمّشة، خارج الاستخدام المؤسسي التقليدي، فالمكان بطبيعته غير النمطية، يفرض على الفنانين أشكالاً وأنماطاً مختلفة للعمل، ويشجّع على التفكير في الفضاء بوصفه عنصراً فاعلاً في العملية الإنتاجية الإبداعية والثقافية، لا مجرّد خلفيّة محايدة فقط.

اخترنا لك