كيف تولد الحكايات من ذاكرة الصغيرات في غزة؟
كتبت حنونة عن الجوع، والفقد، والخوف، وكل شيء صادفته في طريقها طوال العامين الماضيين. لكن أكثر الموضوعات التي ما زالت عالقة في ذهنها هو الجوع العاطفي.
في منزل لم يكتمل بناؤه بعد، تلتقي الكاتبة فداء أبو مريم بمجموعة من الفتيات اليافعات لتدربهن حول كيفية كتابة قصصهن التي عايشنها طيلة فترة العدوان، بهدف توثيق ما مررنَ به خلال حرب الإبادة. تراها تنقل نظرها من فتاة إلى أخرى وتبتسم، كأنها تراهن نفسها على أنهن سينجحن في خلق نصوص تفوق قدرة قريناتهن.
هكذا بدأت القصة بحسب ما تروي فداء أبو مريم لــ "الميادين الثقافية". إذ عندما طالت مدة العدوان لعامين ولم تجد سوى الكتابة كنافذة لها على العالم الخارجي، قامت أبو مريم بتدوين كل شيء تعايشه يومياً عبر النصوص، مختبرة تلك الطريقة بدايةً على نفسها. وعندما أصبحت مشاركة في إدارة مخيم للنازحين في رفح، لجأت السيدات والفتيات إليها ليروين قصصهن، فتحولت هي إلى صندوق يحتفظ بالعشرات منها، مفكرة لماذا لا أطبّق تلك الفكرة عليهن وأدفعهن إلى الكتابة؟
وتضيف "لاحظت أن السيدات والفتيات يغرقن أنفسهن بتفاصيل جلب المياه وإشعال النار، والحصول على الغذاء، ربما كي لا يبُحْنَ بأسرار يندمن على كشفها في ما بعد، متناسيات أن لهن مساحة خاصة يجب اللجوء إليها للتفريغ النفسي أولاً، ومن ثم رواية تلك القصص المنسية التي يحكمها مساران متوازيان، هما النزوح والفقد، واللذان أثرا على طريقة كتابتهن للقصص ورؤيتهن للحياة بأكملها لاحقاً".
لذلك كان النشاط يساعد الفتيات على العودة إلى أهم ما فقدنه خلال العدوان وهو المدرسة وقيمتا التهذيب والانضباط، من خلال الالتزام بالأنشطة خلال اليوم، مشيرةً إلى أن من يمتلك الرغبة يستطع تطويع القدرة، فالحدث حدث أمامهن وهن شاهدات يحتجن إلى الرواية. لذلك لم تكن تجربة الكتابة معقدة، خاصة عندما تحول التوثيق إلى وسيلة لإبعاد التفكير في أهوال ما يحدث وأثره النفسي.
كان الهاجس الحقيقي لدى الفتيات بحسب فداء، هو ماذا سنكتب وكيف؟ لذلك كانت وظيفتها تعليمهن صياغة السؤال الذي سيتمحور حوله النص. فإذا ما كنّ سيكتبن عن المدينة فعليهنّ الإجابة عن سؤال أي الأماكن: هل هو البحر؟ هنا تعود لتسأل ماذا يعني لهن البحر وكيف يربطن بينه وبين العائلة؟ مضيفة أن الفتيات كن بحاجة لاستعادة علاقتهن مع الكتابة وخاصة أنهن في هذا العمر تحديداً ربما يكتبن الكثير من النصوص ويبقينها في الأدراج طي الكتمان.
وتذكر فداء أن "الدخول إلى عالم الذاكرة، وهي أعمق منطقة في ذهن الإنسان، استلزم حينها تهيئة صحتي النفسية وصحتهن كذلك، كوننا في تلك الجلسة تحديداً سنسمع ما لا نطيق سماعه وسنرى الدموع تُذرف"، مضيفة أن هذا ما حدث عندما اجتازت فتاة في الــ 14 من عمرها هذا الاختبار أو ما يشبه "الصندوق الأسود"، فتحدثت عن فقدانها جميع أفراد عائلتها. هكذا بات الجميع ينقذ بعضه سعياً للمنافسة في دعم بعضهن وتطوير طريقتهن في الرواية والتوثيق.
مريم حنونة، وهي فتاة مشاركة بالتدريب تقول إنها لم تكن تعلم عن قدرتها على الكتابة. لكن الفكرة لمعت في رأسها من إعلان شاهدته عبر مواقع التواصل ودعمتها عائلتها، خاصة في ظل غيابها عن متابعة المدرسة، متخذة من المشاركة نافذة تخرجها من اكتئابها، ووسيلة لتغير حياتها إلى الأفضل. ذلك أنها أمضت فترة طويلة لم ترَ خلالها فتيات من ذات فئتها العمرية يقمن بالمشاركة والمنافسة الحقيقية في نشاط فكري ثقافي وثّق تفاصيل الإبادة الجماعية.
كتبت حنونة عن الجوع، والفقد، والخوف، وكل شيء صادفته في طريقها طوال العامين الماضيين. لكن أكثر الموضوعات التي ما زالت عالقة في ذهنها هو الجوع العاطفي، مردفة "عندما وصلت إلى بيتي بعد عام ونصف من النزوح كنت أشعر أنني جائعة للقاء منزلي وهو كذلك، فرحت أتفقد كل زاوية، وكل قطعة أثاث وكل غرفة، وعندما ودعته في النزوح الأخير كتبت بذات الطريقة واكتشفت أن الأشهر الأخيرة التي مكثتها فيه لم تشبع جوعي أو تطفئ حنيني إليه، إلى أن عدت مرة أخرى".
من جهتها، تتحدث مروج الجرو، وهي منسقة فريق أمواج الشبابي والمشرفة على التدريبات، أن الهدف من التدريب هو معرفة ما فعله العدوان بالفتيات في ظل غياب التعليم، فكان لا بد من الوصول إليهن والحديث معهن من خلال زيارتهن في مخيمات النزوح أو ترك إعلان عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وتتابع "مشاعر الفقد وسوداوية المشهد نالتا منهن في البداية، لكن بعد 8 جلسات بدأت الفتيات بإنتاج القصص الخاصة بهن".
وواجهت مروج صعوبات عدة أبرزها التمويل والتواصل بين الفتيات في المجموعات في ظل النزوح وانقطاع خدمة الإنترنت، والحصول على المخرجات خاصة أن التدريب تزامن مع فترة المجاعة، وهو ما أثّر على التركيز وجودة ما يكتبنَه، مستدركة أن درجة وعي الفتيات هي ما أثار انتباهها فكنّ يتلقّين المعلومة ويبحثْنَ عنها، بل ويأتينَ في اليوم التالي ليتناقشن حول كيفية توظيفها في النص، ما أعطاها إشارة حول أهمية استمرار التدريب.

