كتّاب في "غزة خلف الخطوط" يواجهون الموت بشهادتهم

أدباء عبروا من خلال كتاب "غزة خلف الخطوط" من قلب الحدث ومن واقع معاناتهم وجراحهم وتشردهم عن جرائم الإبادة وجحيم الموت الذي يحدث ملء العين والنظر. 

  • مواجهة الموت بالكتابة   في كتاب
    مواجهة الموت بالكتابة  في كتاب "غزة خلف الخطوط" –يوميات الحرب على غزة

من قلب الوجع ومن قلب الدمار وثق 24 كاتباً غزاوياً يوميات الحرب على غزة، كيف رأى كل منهم جرائم الإبادة الصهيونية بلحظة الخطر ومن خلال تجربة ذاتية وهم يروون تفاصيل ما عاشوه وما مروا به، حيث بدت هذه اليوميات بوح حقيقي لتجربتهم وسط الهول الذي كان، فالذي يهم هنا الحالة الإنسانية في تمزقها واضطرابها بعيداً عن الصنعة الفنية وإن كانت تفر من شجونهم وجراحهم في الكتاب الذي أصدرته وزارة الثقافة الفلسطينية تحت عنوان "الكتابة خلف الخطوط –يوميات الحرب على عزة". 

المشاركون في هذا الكتاب توزعت شهاداتهم بين السرد والقصة والمونولوج والشعر ومن مشاهد مسرحية بدت كنزف حكائي متواصل، نصوص كتبت من هناك وليس عن هناك تحت القصف والتدمير. 

فقدد سعى عاطف أبو سيف الذي تعلم في مدرسة يافا حي التفاح بغزة لتوثيق التراث المادي وغير المادي للمدينة عبر الكتابة عن غزة المدينة التاريخية في أوج الخطر وهي تمانع المحو والإلغاء كتنويع على المقاومة وكنوع من التوثيق بالحبر والدم وهو الشاهد الذي رأى على مدار خمس وثمانون يوماً، غزة المحاصرة من البر والبحر والجو، والطائرات ترمي قنابــل من الفســفور المحــرم دوليــاً تحــرق الأخضــر واليابــس وتدمر المباني، غزة التي تستقبل حمم الجحيم من كل صوب والعالم صامت صمت القبور، وصوت الصواريخ والقيامة والجنون والموسيقا ينذر بلحظة النهاية والعدم. 

منازل آهلة بالسكان ومربعات السكنية بأكملها تهدمت على أصحابها، وحتى مشفى الشفاء لم يسلم من القصف، آلاف من الجرحى والمرضى والأطفال الخدج الذين حكم عليهم بالموت بالوقت الذي ظنوا أنه المكان الأكثر أماناً، لا نعرف هل نرثي البيوت والأماكن أم نرثي الأهل والأقارب أم نرثي أنفسنا. 

ثم يليها محنة التشرد والنزوح والبحث عن مكان آمن حيث لا أمان في أي مكان، ولا نعرف إن كنا قادرين أن ننجـو ونتعافـى وننسـى.

 تقول آلاء عبيد وهي حامل وبيديها طفلين تركض بهما هنا وهناك وقد انهار منزل العائلة ورحلت الجدة مع بيتها دون وداع من أحد رغم أن لها من الأحفاد خمسين، كذلك تعبر ديانا الشناوي عن اغتيال ذاكرة المكان، البيت العتيق وذكرى الجد والعم بانقطاع سبل الحياة الطبيعية وانقطاع كل شيء الكهرباء؛ والوقود؛ والخبز؛ والتموين مقيدون بين الحصار والموت تعبر عنها فاتنة الغرّة حيث يصبح توفر أوليات الحياة مثل السكر والماء كنزاً عظيماً وغريزة الجوع تصبح أكثر بروزاً تفتح فمها على اتساعه. 

يولد الغزاوي تحت الأنقاض وفي المقبرة وتحت القصف، مجانين يأكلون النار ويشربون الدمع، يصرخون بالعرب والمسلمين ودعاة السلام، ترى ألا يؤرقهم كل هذا الموت والضحايا والنار المستعرة.

يوميات لكل منهم حكاية عذاب وشقاء، فمن نجا منهم لم يعد يرى طعماً للحياة بعد فقدانه أهله وبيته وأحباءه إذ يموت البعض ليبقى آخرون يجترون جراحهم وآلامهم في رحلة الدمار والهرب والنزوح. 

يصف أكرم الصوراني معاناة النزوح من البيت إلى الشارع إلى الخيمة وإلى الركام، ثم إلى اللا شيء وكلها أهون من معاناة الجوع ومحاولات الحصول على الغذاء والدواء ومياه الشرب وأوليات النظافة، هذا إذا لم نتحدث عن فقدان الأدوية ومستلزمات الإسعافات الأولية وتفشي الأمراض نتيجة فقدان الحياة الصحية الطبيعية.

يكتب إبراهيم حمدان "أن يختار لك القدر ألا تموت في الحرب، لأنّ نجاتك من هذا الموت المحقّق ستنبت أسبابًا للموت لم تكن تتربّصك من قبل، كاليأس، والاكتئاب، ولعلّ أسوأهما معقود في سؤال لماذا نجوت أنا من دون غيري؟".

أما طلعت قديح فهو يعبر بأسئلة على مقام الحدث "أين نذهب؛ أين ننجو؛ أي هاوية نهوي إليها، وقف إطلاق النار بات حلماً، عزيزة هي الحياة؛ قاهر هو الموت" ويضيف بأن قضية فلسطين قضية إنسانية وجودية قبل أن تكون شيء آخر. 

ولا يكتفي مصطفى النبيه أن يصور ألوان من الوجع في رحلة خلع الفلسطيني من أرضه وقتله وتدمير بيته، ولكن هناك الأسوأ وهي إهانة الموتى في رحلتهم الأبدية تجلى في إجرام الاحتلال ليس تجاه الأحياء وحسب بل تفننه بنبش القبور وخطف الجثامين والتمثيل بها، كذلك ساهم الفنان ميسرة بارود بلوحات من يومياته التي يرسمها عن الحرب بشكل يومي سواء عل غلاف الكتاب أو على صفحته بالفيس بوك.

يتحدث البعض عن الزنانة التي تزن في الفضاء تبحث عن أثر حياة لتنهيها وعن بيت لم يهدم لتحوله إلى أنقاض، غير أن أكثر ما يكرهه محمود عساف أغنية فيروز "رجعت الشتوية " فهي رغم رقتها وحميميتها فأل سوء حيث للمطر والبرد والوحل حكاية أخرى من المهانة والمعاناة، ويحكي ناهض زقوت عن مرارة عزلهم عن العالم لا كهرباء ولا مياه ولا أنترنت كي لا يرى العالم ما يحدث في هذه البقعة المنسية لشعب تخلى عنه العالم، وعن تقصدهم تدمير الطواقم الطبية مزيداً من الإمعان في عملية القتل ومصادرة الحياة وإمكانية النجاة، وكذلك اغتيال الصحفيين حتى لا يعرف المجتمع الدولي عن حجم الجرائم المرتكبة وحقيقة الإبادة القائمة.

تحرق القلب تلك الطفلة التي ترنو إلى الضوء وتأمل بحياة الطير لنبتعد قليلاً عن فم الحرب القاتلة فنحن لسنا خارقين لنكون بخير ولكن نأمل بأن ننجو، ومن يتخيل شهيدين يتحاوران بالعالم الآخر عن الحب اللي ما انحكى والعيون اللي كانت تحن ولم تفصح. 

أدباء عبروا من قلب الحدث ومن واقع معاناتهم وجراحهم وتشردهم عن جرائم الإبادة وجحيم الموت الذي يحدث ملء العين والنظر. 

يشتمل الكتاب على شهادات لكتّاب وفنّانين، بالإضافة إلى شهادة مقدمة من الروائي عاطف أبو سيف وزير الثقافة الفلسطيني السابق يؤكد بأن كتاب  "كتابة خلف الخطوط" شهادة حياة وشهادة صمود وبقاء، وكلها شهادات حكت ووثقت الجريمة القائمة والمستمرة، شهادات مازالت ترى الحياة كقدس الأقداس رغم طوفان الموت الذي لا يرحم. 

اخترنا لك