كالنهر نعود!

نعود لأن عودتنا ليست جرياناً إلى نهاية، بل دورةً أزليةً: نتبخر في وجع الغياب، ونتكثف في صلابة العزم، ثم نمطر على أرضنا لنروي جذور الزيتون وشتلات التبغ، ولنخبر الغيم الذي حملنا أن المصب لم يكن يوماً نهاية النهر.

  • كالنهر نعود!
    العودة فعل مقاومة يومي، وكسر للحصار بالحصاد، وردٌّ على العدوان بأن الجنوب لا يموت

للوهلة الأولى، يخال لنا أن النهر لا يعود، وأن جريانه من منبعه إلى مصبّه هو حكم لا رجعة فيه، كأن العمر خطّ مستقيم لا يلتفت، وكأن كل بداية محكوم عليها بأن تكون نهاية. لكن النهر يعود. نعم، يعود. لا يعود كما يظنّ العابرون، ولا كالسيل الذي ينكفئ على عقبيه. إنه يعود في صمت لا يُسمع له قعقعة، وبطريقة لا تشبه جريانه الأول، كأن للعودتين في هذا الكون طريقين، واحدة مرئية للعين، وأخرى تُقرأ بالروح. 

نعود إلى الجنوب عودة الروح إلى جسدها بعد غيبة، أو عودة الجسد إلى روحه التي تنتظره على عتبة الرعشة الأولى. عودة كالولادة، تحمل سرّها ولا تترك له أثراً، وكالنهر يمضي إلى البحر ولا يسأله عن طعم الملح، يمنحه عذوبته في صمت. لكنه، بعد أن يمنح كل ما فيه، يعود. والسرّ في كيف يعود، وهذا ما نعرفه حين تروي السنابل حكايتها، وحين تبوح الحصى بأسماء العائدين، وحين نصل إلى آخر الكلام.

هذه العودة هي انجذاب إلى الأصل بعد اقتلاع قسري، حين كانت النار تكتب سيرتنا بالبارود على صفحات التراب وقسمات الحجارة، وحين كان العدوان يعيد رسم خرائطنا على جباه الأطفال كل صيف، فيمحي ما خطّه، ثم يعود ليمحوه من جديد، فتظل حدودنا معلّقة بين دم وآخر، وبين دخان غارة وغبار أخرى.

الجنوب الذي نعود إليه حملنا فيه سنوات العمر تحت وطأة نيران لا تخبو، واجتياحات تتوالى كالفصول. لكنه أيضاً ليمونُ صور، في قشرته مرارة الغياب وحلاوة العودة معاً، وبرتقالها تتدفق عصارته كشمس مصغّرة تختبئ في القشرة.

زيتونُ كفركلا الذي وقف قروناً على تخوم الغزاة، فصار كل جذع منه سجلاً للصمود، ودير ميماس تتدلى من جنباتها الكرمة وتتوسد سفوحها زيتونات مباركات، وسهلُ الخيام حيث تموج سنابل القمح كالبحر، تحني رؤوسها للتراب بخشوع المصلّين، وكأنها تعلن أن الخبز في الجنوب يُخبز على نيران العدوان، وأن الحصاد سيأتي ولو تأخر 1000 عام، لأن البذور تعلم أن الأرض لا تخون من يزرعها. هنا، تنبت السنابل بعناد بين شظايا الصواريخ، وتصرخ في وجه الدبابات: لا يمكنكم إحراق سنبلة حملت في جوفها كلّ هذا العمر.

كرومُ عيناثا تمزج حلاوة التراب بمرارة السنين، وشتلاتُ التبغ في عيتا وميس الجبل تمدّ أوراقها العريضة كأكفٍّ مفتوحة تستقبل المطر والبارود معاً. يزرعها الفلاح بين صفّي رصاص، ويقطفها بأيدٍ لا تملّ من مصافحة الثرى، فتخرج من قلب النار هذه النبتة التي لا تحترق.

ومن صف الهوا في بنت جبيل إلى صنوبرُ الجرمق والريحان الذي يرفع أغصانه كأيدٍ مشرعة في الصلاة، والورد الجوري ينبت على العتبات كرائحة الأمان التي لا تغادر.

نقطف الليمون من تحت الرصاص، ويتساقط البرتقال مع القنابل، وتختلط عصارته بغبار الحجارة، لكن الزيتون يحترق في مواسمه ويبقى جذعه صامداً، فيعود العام التالي أغصاناً جديدة، وكأن الأرض تعلّمنا أن الحياة تعاند النار بإصرار النبض.

وتحت تلك الأشجار، تحتضن أجداثُ الأسلاف المقدَّسة عظاماً لم ترضخ، ومراقدَ شهداء تحولت إلى بذورٍ خفية تغلغلت في جذور التين والزيتون والقمح، فكل حفنة تراب هنا تحكي سيرة الذين أوصوا بالعودة قبل أن يرحلوا، وتصير أرواحهم ندىً يروي السنابل عند كل فجر، وكأن الجنوب برمته فردوسٌ تخضرّ فيه الذاكرة كالقمح في كل موسم.

هذا الجنوب، اليوم، في هذه اللحظة الراهنة، ليس صورةً معلّقة في الذاكرة. إنه هنا، تحت سماءٍ لا تزال ترتجف من أزيز الطائرات، وعلى أرضٍ ما زالت تنزف تحت ركام العدوان الأخير. إنه النازح الذي يعود على قدميه، فيجد قريته خرائب، فيبكي، ثم يمسح دموعه بسنبلة نبتت عنيدة وسط الأنقاض، كأنها تقول له: "أنا أنبتُ في غيابك، فكيف لا تنبتُ أنت؟". هنا، العودة فعل مقاومة يومي، وكسر للحصار بالحصاد، وردٌّ على العدوان بأن الجنوب لا يموت، لأنه يزرع حيث يُدمَّر، ويعود حيث يُهجَّر.

رغم ذلك كله، تشدّنا الجذور من تحت الركام، وتتنفّس مسام الأرض أسماءنا في غيابنا. لم نغادر طوعاً، حملتنا سيرة النار إلى حيث لا نريد، وكتب العدوان على ظهورنا عنواناً مؤقتاً. لكننا كنا نعلم، ونحن نبتعد، أن الجنوب يبقى هنا بزيتونه، وبرتقاله، وسنابله التي تنتظرنا كمقاومين لم يستسلموا. ينتظر، كجروح لا تندمل إلا بعودتنا، وكعهد لا يوفى إلا بأن نطأ ترابه ثانية، ولو على أطراف أصابعنا.

الآن نعود، ونحن نعرف أن الأرض التي مشينا عليها لم تنسنا، وأن الريح التي حملت غبار البيوت تبحث عنا، لتُعيد لنا ما أخذته النار. نعود لنلمس ورق التين بأكفّنا، ونقطف العنب بأيدٍ صارت مناديل أشواق من فرط ما لوحت للغائبين، ونجلس على شاطئ صور حيث الموج يُعيد إلينا حصى طفولتنا، ونقف عند أجداث الشهداء لنخبرهم أننا أوفينا بالعهد، فنصير نحن وهم جسداً واحداً يخترق هذا النهار.

الجنوب هنا ينتظرنا، كل ليمونة تقول "تأخرتم"، وكل زيتونة تهتف "لقد جئتم"، وكل سنبلة تصدح في الريح "لقد حملتُ عرقكم ودماءكم في غيابكم، واليوم جئتم لأخذ نصيبكم من الخبز والتراب".

وهنا، عند عتبة النهاية، ينكشف السرّ الذي ظللنا نلمحه في ندى الصباحات، وفي بخار الأرض بعد المطر، وفي غيم الجنوب الذي لا يغادر سماءه طويلاً. ها نحن نعود، كالنهر الذي لا يموت في أحضان البحر، بل يتبخّر ندىً خفيفاً، يصعد إلى عنان السماء في غيمة لا تعرف الضياع، ثم يعود قطراتٍ على تراب الجنوب، تغسل جراح الحجارة وتُحيي بذور القمح التي نامت طويلاً تحت الرماد. 

نعود لأن عودتنا ليست جرياناً إلى نهاية، بل دورةً أزليةً: نتبخر في وجع الغياب، ونتكثف في صلابة العزم، ثم نمطر على أرضنا لنروي جذور الزيتون وشتلات التبغ، ولنخبر الغيم الذي حملنا أن المصب لم يكن يوماً نهاية النهر، إنَّما كان وعداً بالعودة حين يصير ماؤنا مطراً يعرف كيف يتسرّب في خلايا التراب. 

هكذا نعود، كل قطرة منا تحمل ملح البحر وعذوبة الينبوع معاً، وكأن الأرض تعيد تشكيلنا من بخارها، فلا نغيب طويلاً، لأن للغيم في جنوبنا موعداً لا يتأخر، وللمطر في ترابنا سرّاً لا ينضب.

اخترنا لك